الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 68

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ (١) .

وَلأَِنَّ الإِْسْرَارَ بِالتَّطَوُّعِ يَخْلُو عَنِ الرِّيَاءِ وَالْمَنِّ، وَإِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ سِرًّا يُرَادُ بِهِ رِضَا اللَّهِ ﷾ وَحْدَهُ. وَنُقِل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَوْلُهُ: صَدَقَةُ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ أَفْضَل مِنْ صَدَقَةِ الْعَلاَنِيَةِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا (٢) .

قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْحَال فِي الصَّدَقَةِ يَخْتَلِفُ بِحَال الْمُعْطِي لَهَا وَالْمُعْطَى إِيَّاهَا وَالنَّاسِ الشَّاهِدِينَ لَهَا.

أَمَّا الْمُعْطِي فَلَهُ فَائِدَةُ إِظْهَارِ السُّنَّةِ وَثَوَابِ الْقُدْوَةِ، وَآفَتُهَا الرِّيَاءُ، وَالْمَنُّ، وَالأَْذَى. وَأَمَّا الْمُعْطَى إِيَّاهَا فَإِنَّ السِّرَّ أَسْلَمُ لَهُ مِنَ احْتِقَارِ النَّاسِ لَهُ، أَوْ نِسْبَتِهِ إِلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا مَعَ الْغِنَى وَتَرْكِ التَّعَفُّفِ.

وَأَمَّا حَال النَّاسِ فَالسِّرُّ عَنْهُمْ أَفْضَل مِنَ الْعَلاَنِيَةِ لَهُمْ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا طَعَنُوا عَلَى الْمُعْطِي لَهَا بِالرِّيَاءِ، وَعَلَى الآْخِذِ لَهَا

_________

(١) تفسير القرطبي ٢ / ٢٣٢، ٢٣٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٣٦، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٠٤، ٢٠٥، والمهذب ١ / ١٨٣، وكشاف القناع ٢ / ٢٦٦. وحديث: " صنائع المعروف تقي مصارع السوء. . . ". أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة ﵁ وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٣ / ١١٥ نشر مكتبة القدسي) .

(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٣٦.

بِالاِسْتِغْنَاءِ، وَلَهُمْ فِيهَا تَحْرِيكُ الْقُلُوبِ إِلَى الصَّدَقَةِ. لَكِنَّ هَذَا الْيَوْمَ قَلِيلٌ (١) وَيَقُول الْخَطِيبُ: إِنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَأَظْهَرَهَا لِيُقْتَدَى بِهِ مِنْ غَيْرِ رِيَاءٍ وَلاَ سُمْعَةٍ، فَهُوَ أَفْضَل (٢) .

أَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ إِظْهَارَهَا أَفْضَل كَصَلاَةِ الْفَرْضِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ.

تَرْكُ الْمَنِّ وَالأَْذَى:

٢٦ - يَحْرُمُ الْمَنُّ وَالأَْذَى بِالصَّدَقَةِ، وَيَبْطُل الثَّوَابُ بِذَلِكَ، فَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَنِّ وَالأَْذَى، وَجَعَلَهُمَا مُبْطِلَيْنِ لِلصَّدَقَاتِ حَيْثُ قَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٣) وَحَثَّ ﷾ الْمُنْفِقِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِعَدَمِ إِتْبَاعِ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى فَقَال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤)

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فِي أَنَّ الْمَنَّ وَالأَْذَى فِي الصَّدَقَةِ حَرَامٌ يُبْطِل الثَّوَابَ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: عَبَّرَ تَعَالَى عَنْ عَدَمِ الْقَبُول

_________

(١) نفس المرجع.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٢١.

(٣) سورة البقرة الآية ٢٦٤.

(٤) سورة البقرة الآية ٢٦٢.

وَحِرْمَانِ الثَّوَابِ بِالإِْبْطَال (١) .

وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ حَرَامٌ مُبْطِلٌ لِلأَْجْرِ لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ، وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَال: فَقَرَأَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَال أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الْمُسْبِل، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ (٢) .

وَجَعَلَهُ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَال: وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَيَبْطُل الثَّوَابَ بِذَلِكَ (٣) .

وَهَل تُبْطِل الْمَعْصِيَةُ الطَّاعَةَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: الْعَقِيدَةُ أَنَّ السَّيِّئَاتِ لاَ تُبْطِل الْحَسَنَاتِ، وَلاَ تُحْبِطُهَا. فَالْمَنُّ وَالأَْذَى فِي صَدَقَةٍ لاَ يُبْطِل صَدَقَةً أُخْرَى (٤)

التَّصَدُّقُ فِي الْمَسْجِدِ:

٢٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّصَدُّقِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى جَوَازِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ،

_________

(١) القرطبي ٣ / ٣١١، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٢، وكشاف القناع ٢ / ٢٩٨.

(٢) حديث: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم ١ / ١٠٢ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي ذر ﵁ مرفوعا.

(٣) كشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٢٩٨.

(٤) القرطبي ٣ / ٣١١

وَبَعْضُهُمْ بَيَّنُوا لَهُ شُرُوطًا لاَ يَجُوزُ بِغَيْرِهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ يَحِل أَنْ يَسْأَل شَيْئًا مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ بِالْفِعْل أَوْ بِالْقُوَّةِ، كَالصَّحِيحِ الْمُكْتَسِبِ، وَيَأْثَمُ مُعْطِيهِ إِنْ عَلِمَ بِحَالِهِ؛ لأَِنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْمُحَرَّمِ (١)، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ السَّائِل إِذَا كَانَ لاَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلاَ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ، وَلاَ يَسْأَل إِلْحَافًا، بَل لأَِمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ، فَلاَ بَأْسَ بِالسُّؤَال وَالإِْعْطَاءِ. ثُمَّ قَال نَقْلًا عَنِ الْبَزَّازِيَّةِ: وَلاَ يَجُوزُ الإِْعْطَاءُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ (٢) . وَمَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مِنْ تَعْلِيقِ رَجُلٍ قِنْوَ حَشَفٍ فِي الْمَسْجِدِ يَدُل كَذَلِكَ عَلَى مُطْلَقِ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعْتَبَرْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ (٣)

كَمَا يَدُل عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ فَقَال أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَل فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ (٤) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٧١.

(٢) ابن عابدين ١ / ٥٥٤.

(٣) القرطبي ٣ / ٣٢١.

(٤) حديث: " هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ . . . " أخرجه أبو داود (سنن أبي داود ٢ / ٣٠٩ ط. استانبول) والحاكم (المستدرك ١ / ٤١٢ نشر دار الكتاب العربي) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر وصححه ووافقه الذهبي. إلا أن في إسناده المبارك بن فضالة وهو متكلم فيه (ميزان الاعتدال ٣ / ٤٣١ ط. عيسى الحلبي) .

وَيَقُول الْبُهُوتِيُّ: يُكْرَهُ سُؤَال الصَّدَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ يَقُول: " وَلاَ يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ عَلَى غَيْرِ السَّائِل وَلاَ عَلَى مَنْ سَأَل لَهُ الْخَطِيبُ (١) ". وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ)

الأَْحْوَال وَالأَْمَاكِنُ الَّتِي تُفَضَّل فِيهَا الصَّدَقَةُ:

٢٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْحَالاَتِ وَالأَْمَاكِنَ الَّتِي تُفَضَّل فِيهَا الصَّدَقَةُ، وَيَكُونُ أَجْرُهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وَمِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ وَالأَْمَاكِنِ مَا يَأْتِي:

قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فِي رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْ دَفْعِهَا فِي غَيْرِهِ، لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل؟ قَال: صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ (٢) . وَلأَِنَّ الْفُقَرَاءَ فِيهِ يَضْعُفُونَ وَيَعْجِزُونَ عَنِ الْكَسْبِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ. وَتَتَأَكَّدُ فِي الأَْيَّامِ الْفَاضِلَةِ كَعَشْرِ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٣٧١.

(٢) حديث: " سئل رسول الله ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان ". أخرجه الترمذي (سنن الترمذي ٣ / ٥٢ نشر دار الكتب العلمية) من حديث أنس ﵁ وفي سنده صدقة بن موسى وفيه مقال. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم (جامع الأصول في أحاديث الرسول بتحقيق الأرناؤوط ٩ / ٢٦١)

ذِي الْحِجَّةِ، وَأَيَّامِ الْعِيدِ، وَكَذَا فِي الأَْمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ، كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَفِي الْغَزْوِ، وَالْحَجِّ، وَعِنْدَ الأُْمُورِ الْمُهِمَّةِ، كَالْكُسُوفِ وَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ (١) .

ثُمَّ نَقَل عَنِ الأَْذْرَعِيِّ قَوْلَهُ: وَلاَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّطَوُّعَ بِصَدَقَةٍ، أَوْ بِرٍّ فِي رَجَبٍ، أَوْ شَعْبَانَ مَثَلًا، أَنَّ الأَْفْضَل لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إِلَى رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الأَْوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، بَل الْمُسَارَعَةُ إِلَى الصَّدَقَةِ أَفْضَل بِلاَ شَكٍّ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ التَّصَدُّقَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْيَّامِ الْفَاضِلَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِمَّا يَقَعُ فِي غَيْرِهَا (٢) .

وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: وَفِي أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ أَفْضَل مِنْهَا فِي غَيْرِهَا (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ (٤) .

وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ فَضْل الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ بِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ، وَلأَِنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى أَدَاءِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ، وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ (٥) .

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ١٢١.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٢١.

(٣) كشاف القناع ٢ / ٢٩٦.

(٤) سورة البلد الآية (١٤) .

(٥) المغني ٣ / ٨٢.

وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا، التَّوْسِيعُ عَلَى الْعِيَال، وَالإِْحْسَانُ إِلَى الأَْقَارِبِ وَالْجِيرَانِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ - لاَ سِيَّمَا فِي عَشَرَةٍ آخِرَهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَهُوَ أَفْضَل مِمَّا عَدَاهُ مِنَ الأَْيَّامِ الأُْخْرَى (١)

الرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ:

٢٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَرْجِعَ فِي صَدَقَتِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّدَقَةِ الثَّوَابُ، وَقَدْ حَصَل، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ يَكُونُ عِنْدَ تَمَكُّنِ الْخَلَل فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ كَمَا يَقُول السَّرَخْسِيُّ (٢) . وَيَسْتَوِي أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ عَلَى غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ فِي أَنْ لاَ رُجُوعَ فِيهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .

وَعَمَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الْحُكْمَ فَقَالُوا: كُل مَا يَكُونُ لِثَوَابِ الآْخِرَةِ لاَ رُجُوعَ فِيهَا، وَلَوْ مِنْ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ (٤) لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لِلْوَالِدِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لاِبْنِهِ وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ فِي (هِبَةٌ) .

وَنُصُوصُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَتَّفِقُ مَعَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ صِحَّةِ رُجُوعِ الْمُتَصَدِّقِ

_________

(١) أسنى المطالب شرح الروض ١ / ٤٠٦.

(٢) المبسوط للسرخسي ١٢ / ٩٢، وابن عابدين ٤ / ٥٢٢.

(٣) المبسوط ١٢ / ٩٢.

(٤) الفواكه الدواني ٢ / ٢١٧.

فِي صَدَقَتِهِ (١) أَمَّا الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فَتُذْكَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (هِبَةٌ) .

صَدَقَةُ الْفِطْرِ

انْظُرْ: زَكَاةُ الْفِطْرِ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٥ / ٦٨٤، ومطالب أولي النهى ٤ / ١٠٤، وروضة الطالبين ٤ / ٣٦٣.

صَدِيدٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - فِي اللُّغَةِ: صَدِيدُ الْجُرْحِ: مَاؤُهُ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ قَبْل أَنْ يَغْلُظَ فَإِنْ غَلُظَ سُمِّيَ مِدَّةً (بِكَسْرِ الْمِيمِ) . وَالصَّدِيدُ فِي الْقُرْآنِ: مَا يَسِيل مِنْ جُلُودِ أَهْل النَّارِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْقَيْحُ:

٢ - الْقَيْحُ: الْمِدَّةُ الْخَالِصَةُ الَّتِي لاَ يُخَالِطُهَا دَمٌ (٢) .

الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالصَّدِيدِ:

حُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ:

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ الصَّدِيدَ نَجِسٌ كَالدَّمِ، لأَِنَّهُ مِنَ الْخَبَائِثِ، وَالطِّبَاعُ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة (صدد) .

(٢) المعجم الوسيط ولسان العرب والحطاب مع المواق ١ / ١٠٤ - ١٠٥.

السَّلِيمَةُ تَسْتَخْبِثُهُ (١) .

انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِهِ:

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الصَّدِيدِ مِنَ الْجُرْحِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الصَّدِيدِ مِنَ الْجُرْحِ؛ لأَِنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُمْ هِيَ: مَا خَرَجَتْ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فَقَطْ، أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْكُفَّارِ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَصَلَّى وَدَمُهُ يَجْرِي، وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ (٣) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ النَّجِسِ مِنَ الآْدَمِيِّ الْحَيِّ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَال: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَرَّبَتْ لَهُ عِرْقًا فَأَكَل فَأَتَى الْمُؤَذِّنُ فَقَال: الْوُضُوءَ

_________

(١) البدائع ١ / ٦٠ والدسوقي ١ / ٥٦، ومغني المحتاج ١ / ٧٩، وكشاف القناع ١ / ١٢٤، والمغني ١ / ١٨٦.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٢، والدسوقي ١ / ١١٤ - ١١٥.

(٣) حديث: " أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ حرسا المسلمين. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١٣٦ - ط. عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن عبد الله، وصححه ابن خزيمة (١ / ٢٤ - ط. المكتب الإسلامي) .