الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَلاَلًا خَالِصًا لاَ شُبْهَةَ فِيهِ (١) .
وَحَذَّرَ الْحُسَيْنِيُّ فِي كِفَايَةِ الأَْخْيَارِ مِنْ أَخْذِ مَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ لِلتَّصَدُّقِ بِهِ، وَنَقَل عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ: لأَنْ أَرُدَّ دِرْهَمًا مِنْ حَرَامٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ حَتَّى بَلَغَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ (٢) .
وَعَلَى هَذَا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتَارَ الرَّجُل أَحَل مَالِهِ، وَأَبْعَدَهُ عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، كَمَا حَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ (٣) .
وَإِذَا كَانَ فِي عُهْدَةِ الْمُكَلَّفِ مَالٌ حَرَامٌ، فَإِنْ عَلِمَ أَصْحَابُهُ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَصْحَابُهُ يَتَصَدَّقْ بِهِ.
أَمَّا الآْخِذُ أَيْ: الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ الْمَال الْمُتَصَدَّقَ بِهِ مِنَ النَّجِسِ أَوِ الْحَرَامِ كَالْغَصْبِ، أَوِ السَّرِقَةِ، أَوِ الْغَدْرِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لاَ يَأْخُذَهُ وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَخْذَهُ لَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (٤) .
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَمَظَالِمُ لاَ يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا، وَأَيِسَ مِنْ
_________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ٧ / ١٠٠.
(٢) كفاية الأخيار للحسيني ١ / ١٢٤.
(٣) المجموع ٦ / ٢٤١.
(٤) ابن عابدين ٣ / ٣٢٣، والمجموع ٦ / ٢٤١، فتح القدير مع الهداية ٤ / ٣٤٨، ومطالب أولي النهى ٤ / ٦٥، ٦٦، ٥ / ١٣٥، والجمل ٣ / ٢٣.
مَعْرِفَتِهِمْ، فَعَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِقَدْرِهَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنِ اسْتَغْرَقَتْ جَمِيعَ مَالِهِ (١) .
وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: يُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِالأَْمْوَال الَّتِي حَصَلَتْ بِالْغَدْرِ، كَالْمَال الْمَغْصُوبِ (٢) .
قَال الْجَمَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَوْصَى بِالنَّجِسِ صَحَّ عَلَى مَعْنَى نَقْل الْيَدِ، لاَ التَّمْلِيكِ (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ نَحْوُ غُصُوبٍ، أَوْ رُهُونٍ، أَوْ أَمَانَاتٍ، لاَ يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا، وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِهَا مِنْهُمْ - أَيْ: مِنْ قِبَلِهِمْ. وَقَال بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ (٤) .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدُّيُونِ الَّتِي جُهِل أَرْبَابُهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٥) .
أَمَّا الأَْمْوَال الَّتِي فِيهَا شُبْهَةٌ فَالأَْوْلَى الاِبْتِعَادُ عَنْهَا، وَلِهَذَا قَال النَّوَوِيُّ فِي التَّصَدُّقِ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ (٦) .
قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: الْحَلاَل بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٢٢٣.
(٢) فتح القدير ٤ / ٣٤٨.
(٣) الجمل ٣ / ٢٣.
(٤) مطالب أولي النهى ١ / ٦٥، ٦٦.
(٥) نفس المرجع ٤ / ٦٨.
(٦) المجموع ٦ / ٢٤١.
وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ (١) .
التَّصَدُّقُ بِالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ:
٢٢ - يُسْتَحَبُّ فِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ أَيِ: الْمَال الْمُعْطَى مِنْ أَجْوَدِ مَال الْمُتَصَدِّقِ وَأَحَبِّهِ إِلَيْهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢) قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَالْمَعْنَى لَنْ تَكُونُوا أَبْرَارًا حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، أَيْ: نَفَائِسِ الأَْمْوَال وَكَرَائِمِهَا، وَكَانَ السَّلَفُ ﵃ إِذَا أَحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى. فَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ أَكْثَرَ الأَْنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَال أَنَسٌ رَاوِي الْحَدِيثِ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا
_________
(١) حديث: " الحلال بين والحرام بين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٢٦ ط. السلفية) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا.
(٢) سورة آل عمران - الآية ٩٢.
عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُول اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَال: فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ (١) .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْتَرِي أَعْدَالًا مِنْ سُكَّرٍ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا، فَقِيل لَهُ: هَلاَّ تَصَدَّقْتَ بِقِيمَتِهَا؟ قَال: لأَِنَّ السُّكَّرَ أَحَبُّ إِلَيَّ فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ مِمَّا أُحِبُّ (٢) .
وَالْمُرَادُ بِالآْيَةِ حُصُول كَثْرَةِ الثَّوَابِ بِالتَّصَدُّقِ مِمَّا يُحِبُّهُ. وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمُتَصَدَّقُ بِهِ كَثِيرًا، وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ وَلَوْ بِشَيْءٍ نَزْرٍ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٣) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ (٤) .
وَنَهَى اللَّهُ ﷾ عَنِ التَّصَدُّقِ بِالرَّدِيءِ مِنَ الْمَال. قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
_________
(١) تفسير روح المعاني ٣ / ٢٢٢، ٢٢٣ وحديث " أن أبا طلحة كان أكثر الأنصار مالا من نخل " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٢٥ ط. السلفية) واللفظ له، ومسلم (صحيح مسلم ٢ / ٦٩٣ ط. عيسى الحلبي) من حديث أنس مالك ﵁.
(٢) تفسير القرطبي ٤ / ١٣٣، وانظر في الموضوع كشاف القناع ٢ / ٢٩٩.
(٣) سورة الزلزلة / ٨.
(٤) كفاية الأخيار ١ / ١٢٥ وحديث: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٤٨ ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم ٣ / ٧٠٤ ط. عيسى الحلبي) مرفوعًا من حديث عدي بن حاتم ﵁.
أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١) أَيْ: لاَ تَتَصَدَّقُوا بِالصَّدَقَةِ مِنَ الْمَال الْخَبِيثِ، وَلاَ تَفْعَلُوا مَعَ اللَّهِ مَا لاَ تَرْضَوْنَهُ لأَِنْفُسِكُمْ.
وَرَجَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّ الآْيَةَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ حَيْثُ قَال: لَوْ كَانَتْ فِي الْفَرِيضَةِ لَمَا قَال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ لأَِنَّ الرَّدِيءَ وَالْخَبِيثَ لاَ يَجُوزُ أَخْذُهُ فِي الْفَرْضِ بِحَالٍ، لاَ مَعَ تَقْدِيرِ الإِْغْمَاضِ وَلاَ مَعَ عَدَمِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مَعَ عَدَمِ الإِْغْمَاضِ فِي النَّفْل (٢)
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْل بَرَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، أَنَّ الآْيَةَ فِي التَّطَوُّعِ، نُدِبُوا إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَتَطَوَّعُوا إِلاَّ بِمُمْتَازٍ جَيِّدٍ (٣) وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجُلٍ عَلَّقَ قِنْوَ حَشَفٍ فِي الْمَسْجِدِ: لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا وَقَال: إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَأْكُل الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٤) .
_________
(١) سورة البقرة الآية (٢٦٧) .
(٢) القرطبي ٣ / ٣٢٦.
(٣) القرطبي ٣ / ٣٢٠، ٣٢١.
(٤) مختصر سنن أبي داود ٢ / ٢١٣. وحديث: " لو شاء رب هذه الصدقة " أخرجه النسائي (سنن النسائي ٥ / ٤٣ - ٤٤ نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب) وأبو داود (سنن أبي داود ٢ / ٢٦١ ط. استانبول) واللفظ له من حديث عوف بن مالك ﵁. وفي سنده صالح بن أبي عريب، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات (جامع الأصول في أحاديث الرسول بتحقيق الأرناؤوط ٦ / ٤٥٦ نشر مكتبة الحلواني) .
التَّصَدُّقُ بِكُل مَالِهِ:
٢٣ - يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ بِفَاضِلٍ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ يَمُونُهُ أَثِمَ. وَمَنْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّل وَالصَّبْرِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ.
وَيُكْرَهُ لِمَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَنْ يُنْقِصَ نَفَقَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ.
وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الإِْنْسَانَ مَا دَامَ صَحِيحًا رَشِيدًا لَهُ التَّبَرُّعُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى كُل مَنْ أَحَبَّ. قَال فِي الرِّسَالَةِ: وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ. لَكِنْ قَال النَّفْرَاوِيُّ: مَحَل نَدْبِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَال أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ طَيِّبَ النَّفْسِ بَعْدَ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ، لاَ يَنْدَمُ عَلَى الْبَقَاءِ بِلاَ مَالٍ. وَأَنَّ مَا يَرْجُوهُ فِي الْمُسْتَقْبَل مُمَاثِلٌ لِمَا تَصَدَّقَ بِهِ فِي الْحَال، وَأَنْ لاَ يَكُونَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَل لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ يُنْدَبُ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ ذَلِكَ (٢) بَل يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِنْ تَحَقَّقَ الْحَاجَةَ لِمَنْ تَلْزَمُهُ
_________
(١) حاشية عابدين على الدر المختار ٢ / ٧١، والاختيار لتعليل المختار ٣ / ٥٤.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٣٢٣.
نَفَقَتُهُ، أَوْ يُكْرَهُ إِنْ تَيَقَّنَ الْحَاجَةَ لِمَنْ يُنْدَبُ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ (١) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ (٢): الأَْوْلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنَ الْفَاضِل عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ عَلَى الدَّوَامِ لِقَوْلِهِ ﵊: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول (٣) وَلأَِنَّ نَفَقَةَ مَنْ يَمُونُهُ وَاجِبَةٌ وَالتَّطَوُّعُ نَافِلَةٌ، وَتَقْدِيمُ النَّفْل عَلَى الْفَرْضِ غَيْرُ جَائِزٍ.
فَإِنْ كَانَ الرَّجُل لاَ عِيَال لَهُ، فَأَرَادَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَكَانَ ذَا مَكْسَبٍ، أَوْ كَانَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ يُحْسِنُ التَّوَكُّل وَالصَّبْرَ عَلَى الْفَقْرِ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَحَسَنٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا،
_________
(١) نفس المرجع.
(٢) المغني لابن قدامة ٣ / ٨٣، ٨٤.
(٣) حديث: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩٤ ط. السلفية) بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة ﵁ وأخرجه مسلم (صحيح مسلم ٢ / ٧١٧ ط. عيسى الحلبي) من حديث حكيم بن خزام بلفظ " أفضل الصدقة (أو خير الصدقة) عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول ".
فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أَبْقَيْتَ لأَِهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ. قَال: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُل مَا عِنْدَهُ فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أَبْقَيْتَ لأَِهْلِكَ؟ قَال: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ لاَ أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا (١) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَهَذَا كَانَ فَضِيلَةً فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ، وَكَمَال إِيمَانِهِ، وَكَانَ أَيْضًا تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُتَصَدِّقِ أَحَدُ هَذَيْنِ كُرِهَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ. فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، وَيَقُول هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى (٢)؛ وَلأَِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا أَخْرَجَ جَمِيعَ مَالِهِ لاَ يَأْمَنُ فِتْنَةَ الْفَقْرِ، وَشِدَّةَ نِزَاعِ النَّفْسِ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَيَنْدَمُ، فَيَذْهَبُ مَالُهُ، وَيَبْطُل أَجْرُهُ، وَيَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ (٣) .
_________
(١) حديث عمر ﵁ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق. . . " أخرجه (أبو داود ٢ / ٣١٢ - ٣١٣ ط. استانبول) واللفظ له، (والترمذي ٥ / ٥٧٤ نشر دار الكتب العلمية - بيروت) . وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) حديث: " يأتي أحدكم بما يملك " أخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ مرفوعا (سنن أبي داود ٢ / ٣١٠ - ٣١١ ط. استانبول) وفيه عنعنة ابن اسحاق (جامع الأصول في أحاديث الرسول ٦ / ٤٦٥ بتحقيق الرناؤوط)
(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٨٣،٨٤.
وَاتَّفَقَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ مَعَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِي: أَنَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِعِيَالِهِ وَدَيْنِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ فَضَل عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهَل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ الْفَاضِل؟ فِيهِ عِنْدَهُمْ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: إِنْ صَبَرَ عَلَى الضِّيقِ فَنَعَمْ، وَإِلاَّ فَلاَ بَل يُكْرَهُ ذَلِكَ، قَالُوا: وَعَلَيْهِ تُحْمَل الأَْخْبَارُ الْمُخْتَلِفَةُ الظَّاهِرِ (١)
رَابِعًا - النِّيَّةُ:
٢٤ - الصَّدَقَةُ قُرْبَةٌ؛ لأَِنَّهَا تَمْلِيكٌ بِلاَ عِوَضٍ، لأَِجْل ثَوَابِ الآْخِرَةِ، فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٢) وَيُسْتَحَبُّ فِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَصَدِّقُ ثَوَابَهَا لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ كُل مَنْ أَتَى بِعِبَادَةٍ مَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ صَلاَةً أَمْ صَوْمًا أَمْ صَدَقَةً أَمْ قِرَاءَةً، لَهُ أَنْ يَجْعَل ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ نَوَاهَا لِنَفْسِهِ (٣) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " وَالأَْفْضَل لِمَنْ يَتَصَدَّقُ
_________
(١) كفاية الأخيار للحسيني ١ / ١٢٤، وأسنى المطالب ١ / ٤٠٧.
(٢) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩ ط. السلفية) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢ / ٢٣٦، والبدائع ٦ / ٢١٨، والخرشي على مختصر خليل ٧ / ١٠٢، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٤٩، و٣ / ٨٢، وأشباه ابن نجيم ص ٢٩، وأشباه السيوطي ص ١٢.
نَفْلًا أَنْ يَنْوِيَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ لأَِنَّهَا تَصِل إِلَيْهِمْ، وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ (١) .
وَتَفْصِيل أَحْكَامِ النِّيَّةِ فِي مُصْطَلَحِ: (نِيَّةٌ) .
إِخْفَاءُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ:
٢٥ - الأَْفْضَل فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَنْ تَكُونَ سِرًّا، وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَصِحُّ وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْعَلَنِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢) .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظِلُّهُ وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ (٣) وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٧١.
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٢.
(٣) حديث: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. . . " " رجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " سبق تخريجه ف ٦.