الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الثَّالِثُ: ضَبْطُ الرُّوَاةِ. وَخَرَجَ بِهِ الْمُغَفَّل كَثِيرُ الْخَطَأِ.
الرَّابِعُ: السَّلاَمَةُ مِنَ الشُّذُوذِ، وَخَرَجَ بِهِ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ.
الْخَامِسُ: السَّلاَمَةُ مِنَ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ، وَخَرَجَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُعَل.
وَخَالَفَ فِي هَذَا الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ؛ فَمَدَارُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ عَلَى عَدَالَةِ الرُّوَاةِ. وَالْعَدَالَةُ عِنْدَهُمْ: هِيَ الْمُشْتَرَطَةُ فِي قَبُول الشَّهَادَةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْفِقْهِ. كَمَا كَانَ لَهُمْ نَظَرٌ فِي اشْتِرَاطِ السَّلاَمَةِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِلَل الَّتِي يُعَلِّل بِهَا الْمُحَدِّثُونَ الْحَدِيثَ، لاَ تَجْرِي عَلَى أُصُول الْفُقَهَاءِ.
مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا أَثْبَتَ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ شَيْئًا فَنَفَاهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ، أَوْ أَكْثَرُ عَدَدًا، أَوْ أَكْثَرُ مُلاَزَمَةً مِنْهُ. فَإِنَّ الأُْصُولِيِّينَ يُقَدِّمُونَ رِوَايَةَ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي وَيَقْبَلُونَ الْحَدِيثَ.
أَمَّا الْمُحَدِّثُونَ فَيُسَمُّونَهُ شَاذًّا؛ لأَِنَّ الشُّذُوذَ عِنْدَهُمْ: مَا يُخَالِفُ فِيهِ الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ قَبِل
الْحَدِيثَ الْمُرْسَل، الَّذِي يَقُول فِيهِ التَّابِعِيُّ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ كَذَا أَوْ فَعَل كَذَا. وَرَدَّ الْمُحَدِّثُونَ الْمُرْسَل لِلْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوفِ، لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا، أَوْ تَابِعِيًّا، وَلاَ حُجَّةَ فِي الْمَجْهُول (١) .
صَحِيحٌ
انْظُرْ: صِحَّةٌ
صَدَاقٌ
انْظُرْ: مَهْرٌ
_________
(١) تدريب الراوي ص٢٢، ٢٣، الاقتراح في بيان الاصطلاح ص١٥٢ - ١٥٥، المستصفى ١ / ١٥٥ - ١٦٨، ١٦٩، تيسير التحرير ٣ / ٣٩ وما بعدها وص١٠٢، شرح ألفية العراقي (التبصرة والتذكرة) ١ / ١٢ - ١٤.
صَدَاقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّدَاقَةُ فِي اللُّغَةِ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ فِي الْوُدِّ وَالنُّصْحِ، يُقَال: صَادَقْتُهُ مُصَادَقَةً وَصَدَاقًا، وَالاِسْمُ الصَّدَاقَةُ أَيْ: خَالَلْتُهُ (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اتِّفَاقُ الضَّمَائِرِ عَلَى الْمَوَدَّةِ، فَإِذَا أَضْمَرَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ مَوَدَّةَ صَاحِبِهِ فَصَارَ بَاطِنُهُ فِيهَا كَظَاهِرِهِ سُمِّيَا صَدِيقَيْنِ (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصُّحْبَةُ:
٢ - الصُّحْبَةُ هِيَ فِي اللُّغَةِ: الْعِشْرَةُ الطَّوِيلَةُ
ب - الرُّفْقَةُ:
٣ - الرُّفْقَةُ هِيَ: الصُّحْبَةُ فِي السَّفَرِ خَاصَّةً (٣)
_________
(١) لسان العرب، تفسير الماوردي في تفسير آية ٦١ من سورة النور في قوله تعالى: (أو صديقكم)، الفروق اللغوية لأبي هلال.
(٢) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري.
(٣) لسان العرب.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّدَاقَةِ:
التَّرْغِيبُ فِي الصَّدَاقَةِ:
٤ - رَغَّبَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَبَّرَتْ عَنْهَا فِي الْغَالِبِ بِالأُْخُوَّةِ فِي اللَّهِ (١)
قَال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (٢) .
وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ: الْمَرْءُ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ (٣)
الأَْكْل فِي بَيْتِ الصَّدِيقِ:
٥ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ لِلصَّدِيقِ الأَْكْل فِي بَيْتِ صَدِيقِهِ وَبُسْتَانِهِ، وَنَحْوِهِمَا فِي حَال غَيْبَتِهِ، إِذَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لاَ يَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْهُ (٤) .
وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْكَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ دَخَل دَارَهُ فَإِذَا فِيهَا حَلْقَةٌ مِنْ أَصْدِقَائِهِ، وَقَدِ اسْتَلُّوا سِلاَلًا مِنْ تَحْتِ سَرِيرِهِ فِيهَا أَطَايِبُ الأَْطْعِمَةِ، وَهُمْ مُكِبُّونَ عَلَيْهَا
_________
(١) تفسير الماوردي في تفسير الآية ٦١ من سورة النور، وتفسير القاسمي عند تفسير الآية نفسها
(٢) سورة النور / ٦١.
(٣) حديث: " المرء كثير بأخيه " أخرجه ابن عدي في الكامل (٣ / ١٠٩٩ - ط الفكر)، واتهم أحد رواته بالوضع.
(٤) روضة الطالبين ٧ / ٣٣٨.
يَأْكُلُونَ مِنْهَا، فَتَهَلَّلَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ سُرُورًا، وَضَحِكَ يَقُول: هَكَذَا وَجَدْنَاهُمْ، يُرِيدُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: فِي جَوَازِ ذَلِكَ قَوْلاَنِ لِلْعُلَمَاءِ (١):.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّدِيقَ يَأْكُل مِنْ مَنْزِل صَدِيقِهِ فِي الْوَلِيمَةِ بِلاَ دَعْوَةٍ دُونَ غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُل فِي الْوَلِيمَةِ وَغَيْرِهَا، إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَاضِرًا غَيْرَ مُحْرَزٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِ مَا تَقَدَّمَ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى ثُبُوتِهِ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنْهُ، وَبِهِ قَال قَتَادَةَ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ (٢) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآْيَةَ (٣)، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ (٤) وَجَاءَ فِي
_________
(١) تفسير الماوردي في تفسير الآية ٦١ من سورة النور، تفسير القاسمي، تفسير الخازن.
(٢) تفسير الماوردي في آية: (ليس على الأعمى حرج) . . إلخ من سورة النور / ٦١.
(٣) سورة النور / ٢٧.
(٤) حديث: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " أخرجه الدارقطني (٣ / ٢٦ - ذ. دار المحاسن) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده جهالة، لكن أورد له ابن حجر شواهد تقويه في التلخيص (٣ / ٤٥ - ٤٦ ط. شركة الطباعة الفنية) .
تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (١) أَنَّهُ إِذَا دَل ظَاهِرُ الْحَال عَلَى رِضَا الْمَالِكِ قَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الإِْذْنِ الصَّرِيحِ (٢) .
شَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ:
٦ - تُقْبَل شَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ فِي قَوْل عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُشْتَرَطُ لِقَبُول شَهَادَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ: أَلاَّ تَكُونَ الصَّدَاقَةُ بَيْنَهُمَا مُتَنَاهِيَةً، بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَال الآْخَرِ، وَأَنْ يَبْرُزَ فِي الْعَدَالَةِ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: اشْتِرَاطَ أَلاَّ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ، يَأْكُل مَعَهُمْ وَيَسْكُنُ عِنْدَهُمْ كَأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِهِمْ (٣)
(ر: مُصْطَلَحُ شَهَادَةٌ) .
_________
(١) سورة النور / ٦١.
(٢) تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل في تفسير (أو صديقكم) الآية ٦١ من سورة النور.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٣٧٦، المغني ٩ / ١٩٤، حاشية الدسوقي ٤ / ١٦٩، نهاية المحتاج ٨ / ٣٠٤، القليوبي ٤ / ٣٢٢.
صَدَقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّدَقَةُ بِفَتْحِ الدَّال لُغَةً: مَا يُعْطَى عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لاَ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرُمَةِ (١) .
وَيَشْمَل هَذَا الْمَعْنَى الزَّكَاةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ تُسْتَعْمَل بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الشَّامِل، فَيُقَال لِلزَّكَاةِ: صَدَقَةٌ، كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآْيَةَ (٢) .
وَيُقَال لِلتَّطَوُّعِ: صَدَقَةٌ كَمَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ وَتَحِل لِغَنِيٍّ، أَيْ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (٣)
يَقُول الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الصَّدَقَةُ: مَا يُخْرِجُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ
_________
(١) المعجم الوسيط في اللغة مادة (صدق)، وهذا معنى ما قيل: إنها ما أعطيته في ذات الله، كما ورد في لسان العرب وتاج العروس، ومتن اللغة - مادة (صدق) .
(٢) سورة التوبة الآية (٦٠) .
(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٢٠، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٤٩.
كَالزَّكَاةِ. لَكِنَّ الصَّدَقَةَ فِي الأَْصْل تُقَال: لِلْمُتَطَوَّعِ بِهِ، وَالزَّكَاةُ تُقَال: لِلْوَاجِبِ (١)
وَالْغَالِبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: اسْتِعْمَال هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ خَاصَّةً.
يَقُول الشِّرْبِينِيُّ: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ هِيَ الْمُرَادَةُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ غَالِبًا (٢) وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ كَلاَمِ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا، يَقُول الْحَطَّابُ: الْهِبَةُ إِنْ تَمَحَّضَتْ لِثَوَابِ الآْخِرَةِ فَهِيَ الصَّدَقَةُ (٣)، وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْبَعْلِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْمُطْلِعِ عَلَى أَبْوَابِ الْمُقْنِعِ (٤) .
وَفِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهَا صَدَقَةً يَقُول الْقَلْيُوبِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لإِشْعَارِهَا بِصِدْقِ نِيَّةِ بَاذِلِهَا (٥)، وَهَذَا الْمَعْنَى الأَْخِيرُ أَيْ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْبَحْثِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ.
٢ - وَقَدْ تُطْلَقُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْوَقْفِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ: أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يُقَال لَهُ: ثَمْغٌ. . . فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ، وَلاَ
_________
(١) المفردات للأصفهاني، وتاج العروس مادة (صدق) .
(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٢٠.
(٣) مواهب الجليل للحطاب ٦ / ٤٩.
(٤) المطلع ص٢٩١.
(٥) القليوبي على شرح المنهاج ٣ / ١٩٥.
يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ (١) .
٣ - وَقَدْ تُطْلَقُ الصَّدَقَةُ: عَلَى كُل نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُل مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْهِبَةُ، الْهَدِيَّةُ، الْعَطِيَّةُ:
٤ - الْهِبَةُ، وَالْهَدِيَّةُ، وَالْعَطِيَّةُ، كُلٌّ مِنْهَا تَمْلِيكٌ بِلاَ عِوَضٍ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا التَّمْلِيكُ لِثَوَابِ الآْخِرَةِ فَصَدَقَةٌ، وَإِذَا كَانَ لِلْمُوَاصَلَةِ وَالْوِدَادِ فَهِبَةٌ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ الإِْكْرَامُ فَهَدِيَّةٌ. فَكُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ قَسِيمٌ لِلآْخَرِ. وَالْعَطِيَّةُ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ (٣) .
ب - الْعَارِيَّةُ:
٥ - الْعَارِيَّةُ: إِبَاحَةٌ أَوْ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ عَيْنٍ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ لِصَاحِبِهَا بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ (٤) .
_________
(١) حديث ابن عمر: " تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث ". أخرجه البخاري: (الفتح ٥ / ٣٩٢ - ط. السلفية) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٧ / ٩١ وحديث: " كل معروف صدقة ". أخرجه البخاري: (الفتح ١٠ / ٤٤٧ - ط. السلفية) من حديث جابر بن عبد الله وأخرجه مسلم (٢ / ٦٩٧ - ط. الحلبي) من حديث حذيفة.
(٣) البدائع ٦ / ١١٦، وحاشية العدوي ٢ / ٢٣٣، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥١٨، والقليوبي ٣ / ١١٠، ١١١، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٤٩، والمطلع على أبواب المقنع ص٢٩١.
(٤) ابن عابدين ٤ / ٥٠٢، والشرح الصغير للدردير ٣ / ٥٧٠، والزرقاني ٦ / ١٢٦، وشرح المنهاج وحواشيه، ٥ / ١١٥، والمغني لابن قدامة ٥ / ٢٢٠.
وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعَارِيَّةِ تَبَرُّعٌ لَكِنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وَالْعَارِيَّةَ إِبَاحَةٌ أَوْ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالصَّدَقَةُ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِيهَا. كَمَا سَيَأْتِي. وَالْعَارِيَّةُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ رَدِّ الْعَيْنِ لِمَالِكِهَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ: (إِعَارَةٌ) (١) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّدَقَةِ وَفَضْلِهَا:
٦ - إِنَّ أَدَاءَ الصَّدَقَةِ مِنْ بَابِ إِعَانَةِ الضَّعِيفِ، وَإِغَاثَةِ اللَّهِيفِ، وَإِقْدَارِ الْعَاجِزِ، وَتَقْوِيَتِهِ عَلَى أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَاتِ.
وَالصَّدَقَةُ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ، وَهِيَ دَلِيلٌ لِصِحَّةِ إِيمَانِ مُؤَدِّيهَا وَتَصْدِيقِهِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ صَدَقَةً (٢) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْل الصَّدَقَةِ أَحَادِيثُ مِنْهَا:
١ - مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظِلُّهُ. . . فَذَكَرَ مِنْهُمْ: رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ (٣) .
_________
(١) الموسوعة الفقهية ج٥ / ١٨١.
(٢) بدائع الصنائع للكاساني ٢ / ٣، وفتح القدير ٢ / ١٥٣، وشرح الترمذي لابن العربي ٣ / ٩٠، الفروع لابن مفلح ٢ / ٢٨٨.
(٣) حديث: " سبعة يظلهم الله في ظله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٤٣ - ط السلفية) .