الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ (١) .

وَقَال ﷺ: اللَّهَ، اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ أَذَانِي، وَمَنْ أَذَانِي فَقَدْ أَذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ (٢) .

قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: ثُمَّ إِنَّ الأُْمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيل جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لاَبَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الإِْجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ ﷾ أَتَاحَ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ (٣) .

وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِتَعْدِيلِهِمْ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ مَعَ تَعْدِيل اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَهُمْ إِلَى تَعْدِيل أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ عَنِ

_________

(١) حديث: " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٢١ - ط. السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٦٧ - ط. الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ لمسلم.

(٢) حديث: " الله الله في أصحابي. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٦٩٦ - ط. الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه " وذكر هذا الحديث الذهبي من مناكير راويه عن أبي سعيد في الميزان (٤ / ٥٦٤ - ط. الحلبي) .

(٣) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي (٣٠١) .

الْخَطِيبِ فِي " الْكِفَايَةِ " أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لأَوْجَبَتِ الْحَال الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ، وَنُصْرَةِ الإِْسْلاَمِ، وَبَذْل الْمُهَجِ وَالأَْمْوَال، وَقَتْل الآْبَاءِ، وَالأَْبْنَاءِ، وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةِ الإِْيمَانِ وَالْيَقِينِ: الْقَطْعَ بِتَعْدِيلِهِمْ، وَالاِعْتِقَادَ بِنَزَاهَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَافَّةً أَفْضَل مِنْ جَمِيعِ الْخَالِفِينَ بَعْدَهُمْ وَالْمُعَدَّلِينَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ قَال: هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ، وَرَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيَّ قَال: " إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُل يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ "، ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ الصَّحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا، لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ (١) .

إِنْكَارُ صُحْبَةِ مَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) .

_________

(١) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ٤٦ - ٤٩، وعلوم الحديث ٢٦٤، الإصابة ١ / ١٧ و١٨.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٧، وشرح الزرقاني ٨ / ٧٤، نهاية المحتاج ٧ / ٤١٩، مطالب أولي النهى ٦ / ٢٨٧.

لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُول لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ غَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، كَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ ﵃ فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ لاَ يَكْفُرُ بِهَذَا الإِْنْكَارِ. وَهُوَ مَفْهُومُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَكْفُرُ لِتَكْذِيبِهِ النَّبِيَّ ﷺ؛ وَلأَِنَّهُ يَعْرِفُهَا الْعَامُّ، وَالْخَاصُّ، وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، فَنَافِي صُحْبَةِ أَحَدِهِمْ، أَوْ كُلِّهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ (٢) .

سَبُّ الصَّحَابَةِ:

٨ - مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَإِنْ نَسَبَ إِلَيْهِمْ مَا لاَ يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ، أَوْ فِي دِينِهِمْ بِأَنْ يَصِفَ بَعْضَهُمْ بِبُخْلٍ، أَوْ جُبْنٍ، أَوْ قِلَّةِ عِلْمٍ، أَوْ عَدَمِ الزُّهْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلاَ يَكْفُرُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ.

أَمَّا إِنْ رَمَاهُمْ بِمَا يَقْدَحُ فِي دِينِهِمْ أَوْ عَدَالَتِهِمْ كَقَذْفِهِمْ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَذَفَ الصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ: عَائِشَةَ ﵄ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) سورة التوبة / ٤٠.

(٢) أسنى المطالب ٤ / ١١٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٣، وكشاف القناع ٦ / ١٧٢.

بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ.

أَمَّا بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّهُمْ، فَقَال الْجُمْهُورُ: لاَ يَكْفُرُ بِسَبِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ مَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ (١) وَيَكْفُرُ بِتَكْفِيرِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَوِ الْقَوْل بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ارْتَدُّوا جَمِيعًا بَعْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ أَنَّهُمْ فَسَقَوْا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الرِّضَا عَنْهُمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنَّ نَقَلَةَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ كُفَّارٌ، أَوْ فَسَقَةٌ، وَأَنَّ هَذِهِ الأُْمَّةَ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ، وَخَيْرُهَا الْقَرْنُ الأَْوَّل كَانَ عَامَّتُهُمْ كُفَّارًا، أَوْ فُسَّاقًا، وَمَضْمُونُ هَذَا: أَنَّ هَذِهِ الأُْمَّةَ شَرُّ الأُْمَمِ، وَأَنَّ سَابِقِيهَا هُمْ أَشْرَارُهَا، وَكُفْرُ مَنْ يَقُول هَذَا مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (٢) .

وَجَاءَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: يَجِبُ إِكْفَارُ مَنْ كَفَّرَ عُثْمَانَ، أَوْ عَلِيًّا، أَوْ طَلْحَةَ، أَوْ عَائِشَةَ، وَكَذَا مَنْ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ يَلْعَنُهُمَا (٣) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٤١٩، شرح الزرقاني ٨ / ٧٤، فتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية ٦ / ٣١٨، ٣١٩.

(٢) مطالب أولي النهى ٦ / ٢٨٢.

(٣) فتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية ٦ / ٣١٨ - ٣١٩، مطالب أولي النهى ٦ / ٢٨٧.

صِحَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الصِّحَّةُ فِي اللُّغَةِ: وَالصُّحُّ وَالصِّحَاحُ ضِدُّ السَّقَمِ، وَهِيَ أَيْضًا: ذَهَابُ الْمَرَضِ. وَالصِّحَّةُ فِي الْبَدَنِ: حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَجْرِي أَفْعَالُهُ مَعَهَا عَلَى الْمَجْرَى الطَّبِيعِيِّ، وَقَدِ اسْتُعِيرَتِ الصِّحَّةُ لِلْمَعَانِي فَقِيل: صَحَّتِ الصَّلاَةُ إِذَا أَسْقَطَتِ الْقَضَاءَ، وَصَحَّ الْعَقْدُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَصَحَّ الْقَوْل إِذَا طَابَقَ الْوَاقِعَ، وَالصَّحِيحُ الْحَقُّ: وَهُوَ خِلاَفُ الْبَاطِل (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الصِّحَّةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ (ر: مُصْطَلَحُ حُكْمٌ ف ٤) .

وَاخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي تَعْرِيفِ الصِّحَّةِ.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الصِّحَّةَ عِبَارَةٌ عَمَّا وَافَقَ الشَّرْعَ وَجَبَ الْقَضَاءُ أَوْ لَمْ يَجِبْ، وَيَشْمَل عِنْدَهُمُ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودَ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ: انْدِفَاعُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ.

_________

(١) المصباح المنير والصحاح ولسان العرب مادة (صحح) .

فَفِي تَعْرِيفِ الْحَنَفِيَّةِ زِيَادَةُ قَيْدٍ، إِذْ هِيَ عِنْدَهُمْ: مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ بِهِ الْقَضَاءُ.

وَفِي الْمُعَامَلاَتِ تَرَتُّبُ أَثَرِهَا وَهُوَ مَا شُرِعَتْ مِنْ أَجْلِهِ، كَحِل الاِنْتِفَاعِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَالاِسْتِمْتَاعِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.

وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلاَفِ بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ فِيمَنْ صَلَّى ظَانًّا أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، فَتَكُونُ صَلاَتُهُ صَحِيحَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّهُ وَافَقَ الأَْمْرَ الْمُتَوَجَّهَ عَلَيْهِ فِي الْحَال، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَوُجُوبُهُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ، فَلاَ يُشْتَقُّ مِنْهُ اسْمُ الصِّحَّةِ وَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلاَةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِعَدَمِ انْدِفَاعِ الْقَضَاءِ.

وَوَجْهُ قَوْلِهِمْ إِنَّ الصِّحَّةَ لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِتَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ الدُّنْيَوِيِّ مِنَ التَّكْلِيفِ وَهُوَ فِي الْعِبَادَاتِ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ، وَفِي الْمُعَامَلاَتِ بِتَحْقِيقِ الأَْغْرَاضِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، كَمِلْكِ الرَّقَبَةِ فِي الْبَيْعِ، وَمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي النِّكَاحِ، وَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْجَارَةِ، وَالْبَيْنُونَةِ فِي الطَّلاَقِ.

وَمَا لَمْ يُوصَل إِلَى الْمَقَاصِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ يُسَمَّى بُطْلاَنًا وَفَسَادًا.

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الصَّحِيحُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ مَا اجْتَمَعَ أَرْكَانُهُ وَشَرَائِطُهُ حَتَّى يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ (١)

_________

(١) المستصفى ١ / ٩٤ - ٩٥، مسلم الثبوت (مع المستصفى) ١ / ١٢٠ - ١٢١، تيسير التحرير ٢ / ٢٣٤ - ٢٣٥، جمع الجوامع بحاشية العطار ١ / ١٤٠ - ١٤٢، التلويح على التوضيح ٢ / ١٢٢ - ١٢٣، التعريفات ١٣٢.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْجْزَاءُ:

٢ - الإِْجْزَاءُ لُغَةً الْكِفَايَةُ وَالإِْغْنَاءُ.

وَاصْطِلاَحًا: مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ بِأَنْ يَكُونَ الْفِعْل مُسْتَجْمِعًا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّرُوطِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَنْدَفِعَ بِفِعْلِهِ الْقَضَاءُ، فَالصِّحَّةُ وَالإِْجْزَاءُ مُتَرَادِفَانِ فِي الاِسْتِعْمَال، إِلاَّ أَنَّ الإِْجْزَاءَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الصِّحَّةِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِجْزَاءٌ ف ١، ٢)

ب - الْبُطْلاَنُ:

٣ - الْبُطْلاَنُ لُغَةً الضَّيَاعُ وَالْخُسْرَانُ.

وَاصْطِلاَحًا: يَخْتَلِفُ تَعْرِيفُ الْبُطْلاَنِ تَبَعًا لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ. فَالْبُطْلاَنُ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعِبَادَةِ حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، كَمَا لَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ. وَالْبُطْلاَنُ فِي الْمُعَامَلاَتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تَقَعَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ.

وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْبُطْلاَنُ هُوَ الْفَسَادُ بِمَعْنَى أَنْ تَقَعَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ

_________

(١) تيسير التحرير ٢ / ٢٣٥.

بِأَصْلِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ أَوْ بِهِمَا. (ر: مُصْطَلَحُ بُطْلاَنٌ ف ١) .

ج - الأَْدَاءُ:

٤ - الأَْدَاءُ لُغَةً: الإِْيصَال.

وَاصْطِلاَحًا: فِعْل بَعْضِ - وَقِيل كُل - مَا دَخَل وَقْتُهُ قَبْل خُرُوجِهِ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا

د - الْقَضَاءُ:

٥ - الْقَضَاءُ لُغَةً: الأَْدَاءُ.

وَاصْطِلاَحًا: مَا فُعِل بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ أَدَائِهِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضٍ

(ر: مُصْطَلَحُ أَدَاءٌ ف ١)

وَالصِّلَةُ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَبَيْنَ الصِّحَّةِ، أَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ وَصْفًا لِلصِّحَّةِ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّحَّةِ مِنْ أَحْكَامٍ:

٦ - أَهْلِيَّةُ الإِْنْسَانِ لأَِدَاءِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ تَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتَيْنِ: قُدْرَةِ فَهْمِ الْخِطَابِ وَذَلِكَ بِالْعَقْل، وَقُدْرَةِ الْعَمَل بِهِ وَهِيَ بِالْبَدَنِ.

وَلَقَدِ اعْتُبِرَ الْمَرَضُ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَثَرًا فِي نَقْصِ التَّكْلِيفِ وَعَدَمِ تَمَامِهِ؛ لأَِنَّ الْمَرِيضَ يَتَرَخَّصُ بِرُخَصٍ كَثِيرَةٍ شُرِعَتْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، كَمَا يَكُونُ الْمَرَضُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال سَبَبًا لِلْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ. (ر: أَهْلِيَّةٌ ف ٩ وَف ١٣) .

فَإِذَا كَانَ الإِْنْسَانُ صَحِيحَ الْبَدَنِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ التَّكْلِيفُ كَامِلًا لِتَحَقُّقِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ جُمْلَةً مِنَ الأَْحْكَامِ يُشْتَرَطُ فِيهَا صِحَّةُ الْبَدَنِ مِنْهَا:

(١) يُشْتَرَطُ فِي إِمَامِ الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ يَؤُمُّ الأَْصِحَّاءَ أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنَ الأَْعْذَارِ، كَسَلَسِ الْبَوْل، وَانْفِلاَتِ الرِّيحِ، وَالْجُرْحِ السَّائِل، وَالرُّعَافِ. (ر: إِمَامَةُ الصَّلاَةِ ف ١٠) .

(٢) وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ السَّلاَمَةُ مِنَ الضَّرَرِ، فَلاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الْعَاجِزِ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ لأَِنَّ الْعَجْزَ يَنْفِي الْوُجُوبَ، وَالْمُسْتَطِيعُ: هُوَ الصَّحِيحُ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْمَرَضِ. (ر: جِهَادٌ ف ٢١)

(٣) وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْحَوَاسِّ وَالأَْعْضَاءِ مِمَّا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ لِلنُّهُوضِ بِمَهَامِّ الإِْمَامَةِ.

(الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف ١٠)

(٤) وَمِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ: الاِسْتِطَاعَةُ، وَمِنْهَا صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَسَلاَمَتُهُ مِنَ الأَْمْرَاضِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَعُوقُ عَنِ الْحَجِّ. (ر: حَجٌّ ف ١٩) .

(٥) لاَ تُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْبَدَنِ فِي إِقَامَةِ حَدِّ الرَّجْمِ، أَوِ الْقِصَاصِ؛ لأَِنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ.

أَمَّا الْجَلْدُ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى تَأْخِيرِ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ التَّأْخِيرِ. أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ الْجَانِي ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ لاَ يَحْتَمِل السِّيَاطَ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَال إِذْ لاَ غَايَةَ تُنْتَظَرُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُضْرَبَ ضَرْبًا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ. (ر: حُدُودٌ ف ١٤) .

(٦) لاَ يَجُوزُ لِلصَّحِيحِ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخَصِ الْمَرِيضِ؛ لأَِنَّهَا رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ تَخْفِيفًا عَنِ الْمَرِيضِ لِعُذْرِ الْمَرَضِ فَتَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. (ر: رُخْصَةٌ ف ١٥، ١٦) .

صِحَّةُ الْحَدِيثِ:

(٧) عَرَّفَ الْمُحَدِّثُونَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ: مَا اتَّصَل سَنَدُهُ بِنَقْل الثِّقَةِ (وَهُوَ الْعَدْل الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ) مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلاَ عِلَّةٍ. فَيَشْتَرِطُونَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ:

الأَْوَّل: اتِّصَال السَّنَدِ، فَخَرَجَ الْحَدِيثُ الْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَل، وَالْمُعَلَّقُ، وَالْمُدَلَّسُ، وَالْمُرْسَل.

الثَّانِي: عَدَالَةُ الرُّوَاةِ. فَخَرَجَ بِهِ رِوَايَةُ مَجْهُول الْحَال، أَوِ الْعَيْنِ أَوِ الْمَعْرُوفِ بِالضَّعْفِ.