الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ. فَإِنْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صِيعَانَهَا؛ لأَِنَّ غَرَرَ الْجَهَالَةِ يَنْتَفِي بِالْمُشَاهَدَةِ (١) . كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَبَيْعُ صُبْرَةٍ: كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَأَرَادَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ شِرَاءَ جَمِيعِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيل. وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْجُمْلَةِ، مَعْلُومَةَ التَّفْصِيل، وَجَهْل الْجُمْلَةِ وَحْدَهُ لاَ يَضُرُّ (٢) .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ بَاعَ صُبْرَةً: كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي صَاعٍ، قَال: لأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، غَيْرَ أَنَّ الأَْقَل مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ فِيهِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ، وَمَا عَدَاهُ مَجْهُولٌ فَيَفْسُدُ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ. وَقَال صَاحِبَاهُ: يَجُوزُ فِي الْكُل؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالإِْشَارَةِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ. أَمَّا إِذَا كَالاَهُ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ بِالإِْجْمَاعِ لِزَوَال الْمَانِعِ
_________
(١) المجموع ٩ / ٣١٠ - ٣١٢، نهاية المحتاج ٣ / ٤١٣ - ٤١٤، ابن عابدين ٤ / ٢٢، تبيين الحقائق ٤ / ٥ - ٦، الإنصاف ٤ / ٣٠٣، الكافي ٢ / ١٤ - ١٥، بلغة السالك ٢ / ٣٥٩، مواهب الجليل ٤ / ٢٨٥.
(٢) المصادر السابقة.
قَبْل تَقَرُّرِ الْفَسَادِ (١) .
شُرُوطُ جَوَازِ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا:
٤ - يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا مَا يَلِي:
أ - أَنْ لاَ يَغُشَّ بَائِعُ الصُّبْرَةِ، بِأَنْ يَجْعَلَهَا عَلَى دِكَّةٍ أَوْ رَبْوَةٍ، أَوْ يَجْعَل الرَّدِيءَ مِنْهَا أَوِ الْمَبْلُول فِي بَاطِنِهَا، لِحَدِيثِ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (٢) فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ ذَلِكَ بَطَل الْعَقْدُ؛ لِمَنْعِ ذَلِكَ تَخْمِينَ الْقَدْرِ فَيَكْثُرُ الْغَرَرُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَرَ قَبْل الْوَضْعِ فِيهِ، فَإِنْ رَأَى الصُّبْرَةَ قَبْل الْوَضْعِ صَحَّ الْبَيْعُ لِحُصُول التَّخْمِينِ، وَإِنْ جَهِل كُلٌّ مِنْهُمَا ذَلِكَ: بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَحَل مُسْتَوٍ فَظَهَرَ خِلاَفُهُ خُيِّرَ مَنْ لَحِقَهُ النَّقْصُ، بَيْنَ الْفَسْخِ، وَالإِْمْضَاءِ (٣) .
ب - أَنْ تَكُونَ مُتَسَاوِيَةَ الأَْجْزَاءِ. فَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْزَاؤُهَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
ج - أَنْ يَرَى الْمَبِيعَ جُزَافًا حَال الْعَقْدِ، أَوْ قَبْلَهُ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ دُونَ تَغَيُّرٍ.
د - أَنْ يَجْهَل الْمُتَبَايِعَانِ مَعًا قَدْرَ الْكَيْل أَوِ
_________
(١) تبيين الحقائق ٤ / ٥ - ٦، ابن عابدين ٤ / ٢٢.
(٢) حديث: " من غشنا فليس منا " أخرجه مسلم (١ / ٩٩ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) روض الطالب ٢ / ١٧، كشاف القناع ٣ / ١٦٩.
الْوَزْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ الْقَدْرَ دُونَ الآْخِرِ فَلاَ يَصِحُّ.
هـ - أَنْ تَسْتَوِيَ الأَْرْضُ الَّتِي يُوضَعُ عَلَيْهَا الْمَبِيعُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوِيَةً فَفِيهَا التَّفْصِيل السَّابِقُ (١) . (ر: مُصْطَلَحَ " بَيْعُ الْجُزَافِ ") .
بَيْعُ الصُّبْرَةِ إِلاَّ صَاعًا:
٥ - إِنْ بَاعَ الصُّبْرَةَ إِلاَّ صَاعًا، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ صَحَّ الْبَيْعُ وَنُزِّل عَلَى الشُّيُوعِ، فَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةَ آصُعٍ كَانَ الْمَبِيعُ تِسْعَةَ أَعْشَارِهَا. . . أَمَّا إِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ فَلاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: إِلاَّ أَنْ يُعْلَمَ (٢) وَلأَِنَّ الْمَبِيعَ هُوَ: مَا وَرَاءَ الصَّاعِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لأَِنَّهُ خَالَطَهُ أَعْيَانٌ أُخْرَى، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّخْمِينِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ إِحَاطَةِ الْعِيَانِ بِجَمِيعِ جَوَانِبِ الْمَبِيعِ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ (٣)
وَإِنْ بَاعَ نِصْفَ الصُّبْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ، أَوْ ثُلُثَهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَائِهَا الْمَعْلُومَةِ صَحَّ
_________
(١) المصادر السابقة (الموسوعة الفقهية ٩ / ٧٤ - ٧٥) .
(٢) حديث: " نهى عن البيع الثنيا " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٥٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٧٥ ط. الحلبي) من حديث جابر بلفظ " نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا "، وزاد الترمذي (٣ / ٨٥ - ط. الحلبي): " إلا أن تعلم ".
(٣) أسنى المطالب ٢ / ١٧، الكافي ٢ / ١٥، الإنصاف ٤ / ٣٠٣.
الْبَيْعُ بِلاَ خِلاَفٍ. وَإِنْ قَال: بِعْتُكَ بَعْضَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، أَوْ نَصِيبًا مِنْهَا، أَوْ جُزْءًا مِنْهَا، مَا شِئْتَ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا قَدْرٌ مَعْلُومٌ؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِلْغَرَرِ (١) .
بَيْعُ صُبْرَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَزِيدَهُ صَاعًا أَوْ يُنْقِصَهُ:
٦ - إِنْ بَاعَ صُبْرَةً: كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ أَوْ يُنْقِصَهُ صَاعًا لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ إِنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى سَبِيل الْهِبَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ.
وَإِنْ أَرَادَهَا عَلَى سَبِيل الْبَيْعِ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّاعُ مَجْهُولًا فَهُوَ بَيْعُ مَجْهُولٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَمْ يَصِحَّ - أَيْضًا - إِذَا كَانَ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ؛ لأَِنَّنَا نَجْهَل تَفْصِيل الثَّمَنِ وَجُمْلَتَهُ (٢) .
بَيْعُ صُبْرَةٍ وَذِكْرُ جُمْلَتِهَا:
٧ - إِذَا بَاعَ صُبْرَةً وَسَمَّى جُمْلَتَهَا، بِأَنْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ قَفِيزٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَجَدَهَا نَاقِصَةً، أَوْ زَائِدَةً:
قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ إِنْ زَادَتْ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسَمَّى أَوْ نَقَصَتْ مِنْهُ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ الثَّمَنِ
_________
(١) المجموع ٩ / ٣١٣، والمصادر السابقة، بلغة السالك على الشرح الصغير ٢ / ١٠.
(٢) المجموع ٩ / ٣١٤ - ٣١٥، الكافي ٢ / ١٥.
وَتَفْصِيلِهِ، فَكَأَنَّهُ قَال: بِعْتُكَ قَفِيزًا وَشَيْئًا لاَ يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ بِدِرْهَمٍ لِجَهْلِهِمَا كَمِّيَّةَ قُفْزَانِهَا (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً يَأْخُذُ الْمَوْجُودَ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسَمَّى فَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِقَدْرِهَا (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ بَاعَا الصُّبْرَةَ وَحَزَرَاهَا، أَوْ وَكَّلاَ مَنْ يَحْزِرُهَا (أَيْ يُخَمِّنُهَا) فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا كَذَلِكَ فَبِهَا، وَإِلاَّ فَالْخِيَارُ لِمَنْ لَزِمَهُ الضَّرَرُ (٣) .
صَبْغٌ
انْظُرْ: اخْتِضَابٌ
صَبِيٌّ
انْظُرْ: صِغَرٌ
صَحَابِيٌّ
انْظُرْ: قَوْل الصَّحَابِيِّ
_________
(١) المحلي على القليوبي ٢ / ١٦٣، المجموع ٩ / ٣١٣، الكافي ٢ / ١٦، كشاف القناع ٣ / ١٦٩.
(٢) تبيين الحقائق ٤ / ٦، ابن عابدين ٤ / ٣٥.
(٣) الشرح الصغير للدردير ٣ / ٣٦ - ٣٧.
صُحْبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصُّحْبَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمُلاَزَمَةُ وَالْمُرَافَقَةُ، وَالْمُعَاشَرَةُ. يُقَال: صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً، وَصَحَابَةً بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ: عَاشَرَهُ وَرَافَقَهُ، وَلاَزَمَهُ (١) .
وَفِي حَدِيثِ قَيْلَةَ: خَرَجْتُ أَبْتَغِي الصَّحَابَةَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) .
هَذَا مُطْلَقُ الصُّحْبَةِ لُغَةً. أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَإِذَا أَطْلَقُوا الصُّحْبَةَ؛ فَالْمُرَادُ بِهَا صُحْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرُّفْقَةُ:
٢ - الرُّفْقَةُ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الصُّحْبَةِ فِي السَّفَرِ أَوْ غَيْرِهِ، يُقَال: رَافَقَ الرَّجُل
_________
(١) الإصابة ١ / ٧، فتح الباري ٧ / ٤، علوم الحديث لابن الصلاح ٢٦٣، والقاموس المحيط.
(٢) حديث قيلة: " خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله ﷺ. . . ". أورده الهيثمي في المجمع (٦ / ١١ - ط. القدسي) ضمن حديث طويل وقال: " رواه الطبراني ورجاله ثقات ".
صَاحَبَهُ: وَقِيل فِي السَّفَرِ خَاصَّةً فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الصُّحْبَةِ (١) .
ب - الصَّدَاقَةُ:
٣ - الصَّدَاقَةُ، وَالْمُصَادَقَةُ: الْمُخَالَّةُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُقَال: صَادَقْتُهُ مُصَادَقَةً وَصَدَاقَةً: خَالَلْتُهُ، وَالصَّدَاقَةُ أَخَصُّ مِنَ الصُّحْبَةِ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصُّحْبَةِ:
مَا تَثْبُتُ بِهِ الصُّحْبَةُ:
٤ - اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الصُّحْبَةُ، وَفِي مُسْتَحِقِّ اسْمِ الصُّحْبَةِ. قَال بَعْضُهُمْ: " إِنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الإِْسْلاَمِ " وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: هَذَا أَصَحُّ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
فَيَدْخُل فِيمَنْ لَقِيَهُ: مَنْ طَالَتْ مُجَالَسَتُهُ لَهُ، وَمَنْ قَصُرَتْ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وَمَنْ غَزَا مَعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَغْزُ مَعَهُ، وَمَنْ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ لِعَارِضٍ، كَالْعَمَى.
وَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الإِْيمَانِ: مَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا وَإِنْ أَسْلَمَ فِيمَا بَعْدُ، إِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الإِْيمَانِ، كَمَا يَخْرُجُ بِقَيْدِ الْمَوْتِ عَلَى الإِْيمَانِ: مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ صُحْبَةِ
_________
(١) لسان العرب.
(٢) المصدر السابق
النَّبِيِّ ﷺ وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ فَلاَ يُعَدُّ صَحَابِيًّا.
وَهَل يُشْتَرَطُ التَّمْيِيزُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ؟ مِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ. قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ " وَعَمَل مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ يَدُل عَلَى الثَّانِي " أَيْ: عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّمْيِيزِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَسْتَحِقُّ اسْمَ الصُّحْبَةِ، وَلاَ يُعَدُّ فِي الصَّحَابَةِ إِلاَّ مَنْ أَقَامَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَنَةً فَصَاعِدًا، أَوْ غَزَا مَعَهُ غَزْوَةً فَصَاعِدًا، حُكِيَ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَال ابْنُ الصَّلاَحِ: هَذَا إِنْ صَحَّ: طَرِيقَةُ الأُْصُولِيِّينَ (١) .
وَقِيل: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصُّحْبَةِ: طُول الاِجْتِمَاعِ وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ مَعًا، وَقِيل: يُشْتَرَطُ أَحَدُهُمَا، وَقِيل: يُشْتَرَطُ الْغَزْوُ مَعَهُ، أَوْ مُضِيُّ سَنَةٍ عَلَى الاِجْتِمَاعِ، وَقَال أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل: لأَِنَّ لِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَرَفًا عَظِيمًا لاَ يُنَال إِلاَّ بِاجْتِمَاعٍ طَوِيلٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْخُلُقُ الْمَطْبُوعُ عَلَيْهِ الشَّخْصُ، كَالْغَزْوِ الْمُشْتَمِل عَلَى السَّفَرِ الَّذِي هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَالسَّنَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْفُصُول الأَْرْبَعَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمِزَاجُ (٢) .
_________
(١) الإصابة ١ / ٧، فتح الباري ٧ / ٤، علوم الحديث لابن الصلاح ٢٦٣.
(٢) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ١٩٦.
طُرُقُ إِثْبَاتِ الصُّحْبَةِ:
٥ - الصُّحْبَةُ تَثْبُتُ بِطُرُقٍ:
(١) - مِنْهَا: التَّوَاتُرُ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ.
(٢) - ثُمَّ الاِسْتِفَاضَةُ، وَالشُّهْرَةُ، الْقَاصِرَةُ عَنِ التَّوَاتُرِ.
(٣) - ثُمَّ بِأَنْ يُرْوَى عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ فُلاَنًا لَهُ صُحْبَةٌ، أَوْ عَنْ أَحَدِ التَّابِعِينَ بِنَاءً عَلَى قَبُول التَّزْكِيَةِ عَنْ وَاحِدٍ.
(٤) - ثُمَّ بِأَنْ يَقُول هُوَ إِذَا كَانَ ثَابِتَ الْعَدَالَةِ وَالْمُعَاصَرَةِ - أَنَا صَحَابِيٌّ، أَمَّا الشَّرْطُ الأَْوَّل: وَهُوَ الْعَدَالَةُ فَجَزَمَ بِهِ الآْمِدِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ: أَنَا صَحَابِيٌّ، قَبْل ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ يَلْزَمُ مِنْ قَبُول قَوْلِهِ: إِثْبَاتُ عَدَالَتِهِ، لأَِنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْل الْقَائِل: أَنَا عَدْلٌ، وَذَلِكَ لاَ يُقْبَل.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُعَاصَرَةُ فَيُعْتَبَرُ بِمُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لأَِصْحَابِهِ: أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَْرْضِ أَحَدٌ (١) وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ
_________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح ٢٦٤، الإصابة ١ / ٨ - ٩ وحديث: " أريتكم ليلتكم هذه. . . ". أخرجه البخاري (الفتح / ١ / ٢١١ - ط. السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٦٥ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر واللفظ لمسلم.
ذَلِكَ كَانَ قَبْل مَوْتِهِ ﷺ بِشَهْرٍ (١) .
عَدَالَةُ مَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ:
٦ - اتَّفَقَ أَهْل السُّنَّةِ: عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ عُدُولٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ شُذُوذٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ.
وَهَذِهِ الْخِصِّيصَةُ لِلصَّحَابَةِ بِأَسْرِهِمْ، وَلاَ يُسْأَل عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَل ذَلِكَ أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمْ عَلَى الإِْطْلاَقِ مُعَدَّلِينَ بِتَعْدِيل اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ، وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ (٢) بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ، قَال تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآْيَةَ (٣) .
قِيل: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الآْيَةَ وَارِدَةٌ فِي أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ.
وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٤) وَقَال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (٥) الآْيَةَ وَفِي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ كَثْرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ: أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي
_________
(١) حديث جابر أخرجه مسلم (٤ / ١٩٦٦) .
(٢) الإصابة ١ / ٩ - ١٠، علوم الحديث ٢٦٤.
(٣) سورة آل عمران / ١١٠.
(٤) سورة البقرة / ١٤٣.
(٥) سورة الفتح / ٢٩.