الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 65

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

٢ - مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ وَلاَ يَقْبَل اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ، إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَل كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ (١) .

أَقْسَامُ الصَّدَقَةِ:

٧ - الصَّدَقَةُ أَنْوَاعٌ:

أ - صَدَقَةٌ مَفْرُوضَةٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ عَلَى الأَْمْوَال، وَهِيَ زَكَاةُ الْمَال، وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) .

ب - صَدَقَةٌ عَلَى الأَْبْدَانِ، وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةُ الْفِطْرِ) .

ج - صَدَقَةٌ يَفْرِضُهَا الشَّخْصُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهِيَ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ بِالنَّذْرِ، وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي (نَذْرٌ) .

د - الصَّدَقَاتُ الْمَفْرُوضَةُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالْفِدْيَةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (فِدْيَةٌ وَكَفَّارَةٌ) .

هـ - صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَنُبَيِّنُ أَحْكَامَهَا فِيمَا يَلِي:

_________

(١) حديث: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٤٠ - ط الحلبي) وأصله في البخاري (الفتح ٣ / ٢٧٨ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٠٢ - ط الحلبي) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٨ - الصَّدَقَةُ مَسْنُونَةٌ، وَرَدَ النَّدْبُ إِلَيْهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ.

أَمَّا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) .

يَقُول ابْنُ الْعَرَبِيِّ: جَاءَ هَذَا الْكَلاَمُ فِي مَعْرِضِ النَّدْبِ وَالتَّحْضِيضِ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَال فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ بِنُصْرَةِ الدِّينِ (٢) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٣) .

وَأَمَّا مِنَ الأَْحَادِيثِ فَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا الدَّحْدَاحِ لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلاَ أَرَى رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُ مِمَّا أَعْطَانَا لأَِنْفُسِنَا، وَلِي أَرْضَانِ: أَرْضٌ بِالْعَالِيَةِ وَأَرْضٌ بِالسَّافِلَةِ، وَقَدْ جَعَلْتُ خَيْرَهُمَا صَدَقَةً. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: كَمْ عِذْقٍ (٤) مُذَلَّلٍ لأَِبِي الدَّحْدَاحِ فِي

_________

(١) سورة البقرة الآية (٢٤٥) .

(٢) أحكام القرآن ١ / ٢٣٠.

(٣) سورة المزمل الآية (٢٠) .

(٤) العذق بالفتح النخلة، وبالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ.

الْجَنَّةِ (١) وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ (٢) .

قَال النَّوَوِيُّ: الصَّدَقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ آكَدُ، وَكَذَا عِنْدَ الأُْمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَعِنْدَ الْكُسُوفِ، وَعِنْدَ الْمَرَضِ، وَالسَّفَرِ، وَبِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَفِي الْغَزْوِ وَالْحَجِّ، وَالأَْوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، كَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَيَّامِ الْعِيدِ، وَمِثْل ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْبُهُوتِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ (٣) .

مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّدَقَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:

٩ - الْكَلاَمُ عَنِ الصَّدَقَةِ يَسْتَوْجِبُ التَّطَرُّقَ لِلأُْمُورِ التَّالِيَةِ:

(١) - الْمُتَصَدِّقُ: وَهُوَ، مَنْ يَدْفَعُ الصَّدَقَةَ

_________

(١) حديث عبد الله بن مسعود: في قصة أبي الدحداح. أخرجه القرطبي بإسناده في " الجامع لأحكام القرآن " (٣ / ٢٣٧ - ٢٣٨ - ط. دار الكتب المصرية) .

(٢) حديث: " أيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع. . . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٦٣٣ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: " هذا حديث غريب، وقد روي هذا عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعًا، وهو أصح عندنا وأشبه ".

(٣) روضة الطالبين ٢ / ٣٤١، المجموع ٦ / ٢٣٧، والمبسوط للسرخسي ١٢ / ٩٢، والمغني لابن قدامة ٣ / ٨٢، وكشاف القناع ٢ / ٢٩٥، ط. بيروت.

وَيُخْرِجُهَا مِنْ مَالِهِ

(٢) - الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ مِنَ الْغَيْرِ.

(٣) - الْمُتَصَدَّقُ بِهِ: وَهُوَ الْمَال الَّذِي يُتَطَوَّعُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ.

(٤) - النِّيَّةُ: وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: الْمُتَصَدِّقُ:

١٠ - صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ: تَبَرُّعٌ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا:

أ - أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، أَيْ: عَاقِلًا بَالِغًا رَشِيدًا، ذَا وِلاَيَةٍ فِي التَّصَرُّفِ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ تَصِحُّ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مِنَ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ، أَمَّا الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ (١) فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّصَرُّفِ أَصْلًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ (٢) .

_________

(١) الصبي المميز عند الفقهاء: هو الذي يفرق بين الخير والشر، ويدرك نتائج تصرفه، وقد حدده الفقهاء حسب الأغلبية أن يكون عمره سبع سنين فما فوق، والصبي غير المميز: هو من لا يدرك نتائج تصرفه، فلم يبلغ السابع من عمره. (ابن عابدين ٥ / ٤٢١، جواهر الإكليل ١ / ٢٢، ومجلة الأحكام العدلية م (٩٤٣)

(٢) مجلة الأحكام العدلية: م (٩٥٧، ٩٦٦)، والمنثور للزركشي ٢ / ٣٠١، والتوضيح والتلويح ٣ / ١٥٩، والفواكه الدواني ٢ / ٢١٦.

وَأَمَّا الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ: فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مِنْهُ تُعْتَبَرُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةَ ضَرَرًا دُنْيَوِيًّا، وَالَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ، كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَقْفِ، وَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ لاَ تَصِحُّ، بَل تَقَعُ بَاطِلَةً، حَتَّى لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ أَوِ الْوَصِيُّ؛ لأَِنَّ إِجَازَتَهُمَا فِي التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ لاَغِيَةٌ، وَقَدِ اسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الَّذِي يَعْقِل الْوَصِيَّةَ (١) .

وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِمْ لِلسَّفَهِ، أَوِ الإِْفْلاَسِ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فَلاَ تَصِحُّ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ (٢) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (حَجْرٌ)

وَكَمَا لاَ تَصِحُّ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، لاَ تَصِحُّ الصَّدَقَةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ قِبَل أَوْلِيَائِهِمْ نِيَابَةً عَنْهُمْ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ التَّبَرُّعَ مِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٥٠٨، ٥ / ١١٠، ومجلة الأحكام العدلية م / ٩٦٧، والتوضيح مع التلويح ٣ / ١٥٩، والمنثور للزركشي ٢ / ٣٠١، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٦٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٧، ٩٨ وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٣٩، والخرشي ٨ / ١٦٧.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٨٩ - ٩٢، ومجلة الأحكام العدلية م (٩٩٨) والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٦٣، و٤ / ٥٢٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٧، ٩٨.

أَمْوَال مَنْ تَحْتَ وِلاَيَتِهِمْ (١)

ب - أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَال الْمُتَصَدَّقِ بِهِ، أَوْ وَكِيلًا عَنْهُ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّدَقَةُ مِنْ مَال الْغَيْرِ بِلاَ وَكَالَةٍ. وَمَنْ فَعَل ذَلِكَ يَضْمَنُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ؛ لأَِنَّهُ ضَيَّعَ مَال الْغَيْرِ عَلَى صَاحِبِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، يَقُول التُّمُرْتَاشِيُّ: شَرَائِطُ صِحَّةِ الْهِبَةِ فِي الْوَاهِبِ: الْعَقْل، وَالْبُلُوغُ، وَالْمِلْكُ (٢) . ثُمَّ قَال: وَالصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ بِجَامِعِ التَّبَرُّعِ (٣)

وَلأَِنَّ الصَّدَقَةَ مِنَ الْقُرُبَاتِ فَتُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِيمَا إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ مَال الْغَيْرِ دُونَ إِذْنِهِ.

صَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَال زَوْجِهَا:

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا لِلسَّائِل وَغَيْرِهِ بِمَا أَذِنَ الزَّوْجُ صَرِيحًا. كَمَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ مِنْ مَال الزَّوْجِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ إِذَا كَانَ يَسِيرًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) (٤) .

وَيَسْتَدِل الْفُقَهَاءُ عَلَى الْجَوَازِ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول

_________

(١) التوضيح والتلويح ٣ / ١٥٩، ١٦٠.

(٢) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٤ / ٥٠٨.

(٣) نفس المرجع ٤ / ٥٢٢، وانظر المغني ٤ / ٥١٦.

(٤) الهداية في فتح القدير ٧ / ٣٤١، وشرح الترمذي لابن العربي ٣ / ١٧٧، ١٧٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ٧ / ١١٢، والمغني ٤ / ٥١٦.

اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْل ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا (١) وَلَمْ يَذْكُرْ إِذْنًا.

وَعَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ إِلاَّ مَا أَدْخَل عَلَيَّ الزُّبَيْرُ فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ (٢) مِمَّا يُدْخِل عَلَيَّ؟ فَقَال: ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلاَ تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكَ (٣) .

وَلأَِنَّ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ كَمَا عَلَّلَهُ الْمَرْغِينَانِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ (٤) .

قَال فِي الْهِدَايَةِ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَنْزِل زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ (٥) وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَصْكَفِيُّ (٦)

وَيَقُول النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ

_________

(١) حديث: " إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٧١٠ - ط. الحلبي) .

(٢) الرضخ العطية القليلة، يقال: (رضخت له رضخا) أعطيته ليس بالكثير (المصباح المنير والمطلع على أبواب المقنع ص٢١٦) .

(٣) حديث أسماء: ارضخي ما استطعت. أخرجه مسلم (٢ / ٧١٤ - ط الحلبي) .

(٤) نفس المراجع

(٥) الهداية مع فتح القدير ٧ / ٣٤١.

(٦) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥ / ١٠٣.

مُسْلِمٍ: الإِْذْنُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الإِْذْنُ الصَّرِيحُ فِي النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَالثَّانِي: الإِْذْنُ الْمَفْهُومُ مِنَ اطِّرَادِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَإِعْطَاءِ السَّائِل كَعُمْرَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَاطَّرَدَ الْعُرْفُ فِيهِ، وَعُلِمَ بِالْعُرْفِ رِضَا الزَّوْجِ وَالْمَالِكِ بِهِ، فَإِذْنُهُ فِي ذَلِكَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ (١) .

وَمِثْلُهُ مَا حَرَّرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَال: وَيَحْتَمِل عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْعَادَةِ. وَأَنَّهَا إِذَا عَلِمَتْ مِنْهُ، أَنَّهُ لاَ يَكْرَهُ الْعَطَاءَ وَالصَّدَقَةَ فَعَلَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُجْحِفْ، وَعَلَى ذَلِكَ عَادَةُ النَّاسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: غَيْرَ مُفْسِدَةٍ (٢)

وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: الإِْذْنُ الْعُرْفِيُّ يَقُومُ مَقَامَ الإِْذْنِ الْحَقِيقِيِّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَال لَهَا: افْعَلِي هَذَا (٣)

وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ التَّصَدُّقُ مِنْ مَال زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ: وَلاَ الطَّعَامَ؟ قَال: ذَاكَ

_________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٧ / ١١٢.

(٢) شرح الترمذي لابن العربي ٣ / ١٧٧، ١٧٨.

(٣) المغني لابن قدامة ٤ / ٥١٦.

أَفْضَل أَمْوَالِنَا (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوَّل - أَيِ الْجَوَازُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ - أَصَحُّ، لأَِنَّ الأَْحَادِيثَ فِيهَا خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ (٢) .

أَمَّا إِذَا مَنَعَهَا مِنَ الصَّدَقَةِ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْعُرْفُ جَارِيًا بِذَلِكَ، أَوِ اضْطَرَبَ الْعُرْفُ، أَوْ شَكَّتْ فِي رِضَاهُ، أَوْ كَانَ شَخْصًا يَشُحُّ بِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا التَّصَدُّقُ مِنْ مَالِهِ إِلاَّ بِصَرِيحِ إِذْنِهِ، كَمَا حَقَّقَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ (٣) .

١٢ - وَمَا ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ تَصَدُّقِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَال زَوْجِهَا يُطَبَّقُ عَلَى تَصَدُّقِ الْخَازِنِ مِنْ مَال الْمَالِكِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: وَلِلْخَازِنِ مِثْل ذَلِكَ أَيْ: مِنَ الأَْجْرِ (٤)، أَيْ: إِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَثُوبَةِ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ أَجْرٌ كَامِلٌ، كَمَا قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ، أَوْ مَعْنَاهُ الْمُشَارَكَةُ فِي الأَْجْرِ مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْمُشَارِكَ فِي الطَّاعَةِ مُشَارِكٌ فِي الأَْجْرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا

_________

(١) حديث: " لا تنفق المرأة شيئًا من بيتها. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٤٨ - ٤٩ ط. الحلبي) وقال: " حديث حسن ".

(٢) نفس المراجع.

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٧ / ١١٢، وابن عابدين ٥ / ١٠٣، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥١٦.

(٤) شرح الترمذي لابن العربي ٣ / ١٧٧.

أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ، كَمَا حَقَّقَهُ النَّوَوِيُّ (١) .

تَصَدُّقُ الزَّوْجَةِ مِنْ مَالِهَا بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ:

١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْبَالِغَةَ الرَّشِيدَةَ لَهَا حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا، بِالتَّبَرُّعِ، أَوِ الْمُعَاوَضَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، أَمْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالزَّوْجَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ زَوْجِهَا فِي التَّصَدُّقِ مِنْ مَالِهَا وَلَوْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ (٢)

وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال لِلنِّسَاءِ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ (٣) وَلَمْ يَسْأَل وَلَمْ يَسْتَفْصِل، فَلَوْ كَانَ لاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُنَّ بِغَيْرِ إِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ لَمَا أَمَرَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، وَلاَ مَحَالَةَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِنَّ مَنْ لَهَا زَوْجٌ وَمَنْ لاَ زَوْجَ لَهَا، كَمَا حَرَّرَهُ السُّبْكِيُّ (٤) .

وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْل التَّصَرُّفِ، وَلاَ حَقَّ لِزَوْجِهَا فِي مَالِهَا، فَلَمْ يَمْلِكِ الْحَجْرَ عَلَيْهَا فِي التَّصَرُّفِ بِجَمِيعِهِ، كَمَا عَلَّلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ (٥) .

_________

(١) شرح صحيح مسلم للنووي ٧ / ١١٢، وشرح الترمذي لابن العربي ٧ / ١٧٨.

(٢) الاختيار ٣ / ٩١، والمجموع (التكملة للسبكي) ١٢ / ٢٧٢، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥١٣.

(٣) حديث: " تصدقن ولو من حليكن. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٢٨ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٩٥ - ط. الحلبي) .

(٤) تكلمة المجموع للسبكي ١٣ / ٢٧٢، ٢٧٣.

(٥) المغني لابن قدامة ٤ / ٥١٤.