الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَ بِتَكْلِيفٍ مِنَ الإِْمَامِ.

وَقَيَّدَهُ الْحَنَابِلَةُ بِمَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. (١)

حُكْمُ الإِْشْهَادِ:

٣٠ - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْشْهَادِ عَلَى الْعُقُودِ بَيْنَ عُقُودِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا: فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَاجِبٌ وَشَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ. (٢)

وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ إِذَا تَمَّ الإِْعْلاَنُ. (٣)

أَمَّا عُقُودُ الْبُيُوعِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ وَاجِبٌ. (٤)

قَال عَطَاءٌ: أَشْهِدْ إِذَا بِعْتَ وَإِذَا

_________

(١) الأم ٢ / ٨٠ ونجد رأيه الثاني في الموضع نفسه أنه لا يجوز إلا شاهدان. وانظر مختصر المزني ٢ / ٣، وانظر نهاية المحتاج ٣ / ١٤٩، مغني المحتاج ١ / ٤٢٠ - ٤٢١، حاشية البجيرمي على الخطيب ٢ / ٣٢٤، تبصرة الحكام ١ / ٢٢٩، والمغني مع الشرح الكبير ٣ / ٨، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٥٧، الهداية ١ / ١٢١ وشروحها: فتح القدير ٢ / ٥٩، البناية ٣ / ٢٨٨.

(٢) الحديث تقدم تخريجه ف٢٩.

(٣) المدونة الكبرى المجلد الثاني ص١٩٢، تبصرة الحكام ١ / ٢٠٩.

(٤) انظر تفسير القرطبي ٣ / ٤٠٢، جواهر العقد ٢ / ٤٢٨، بداية المجتهد ٢ / ٤٥٢، الشهادات من الحاوي الفقرة ٣٨٠٩

اشْتَرَيْتَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ ثُلُثِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُول: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١) .

وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ، إِلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ لِلنَّدْبِ وَلَيْسَ لِلْوُجُوبِ، لِوُرُودِ الآْيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢) . فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ. (٣)

وَلِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ ﷺ جَمَلَهُ وَاسْتَثْنَى ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ (٤) .

فَدَل ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ.

وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَشْهَدَ، وَبَاعَ فِي أَحْيَانٍ أُخْرَى وَاشْتَرَى، وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، (٥) وَلَمْ يُشْهِدْ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٢.

(٢) سورة البقرة / ٢٨٣.

(٣) المبسوط ١٦ / ١١٢، تبصرة الحكام ١ / ٢٠٩، الأم ٣ / ٧٦ - ٧٧، مختصر المزني ٥ / ٢٤٦، المهذب ٢ / ٣٢٤، نهاية المحتاج ٨ / ٢٧٧، سنن البيهقي ١٠ / ١٤٥، تفسير القرطبي ٣ / ٤٠٢، تفسير ابن كثير ١ / ٣٣٦.

(٤) حديث جابر: أنه باع النبي ﷺ جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٨٥ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٢٢ - ط. الحلبي) .

(٥) حديث " رهن درعه عند يهودي " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٤٢ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٢٦ - ط الحلبي) من حديث عائشة

وَلَوْ كَانَ الإِْشْهَادُ أَمْرًا وَاجِبًا لَوَجَبَ مَعَ الرَّهْنِ لِخَوْفِ الْمُنَازَعَةِ. (١)

قَال ابْنُ عَطِيَّةَ: (وَالْوُجُوبُ فِي ذَلِكَ قَلِقٌ، أَمَّا فِي الدَّقَائِقِ فَصَعْبٌ شَاقٌّ، وَأَمَّا مَا كَثُرَ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ التَّاجِرُ الاِسْتِئْلاَفَ بِتَرْكِ الإِْشْهَادِ، وَقَدْ يَكُونُ عَادَةً فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ، وَقَدْ يُسْتَحَى مِنَ الْعَالِمِ وَالرَّجُل الْكَبِيرِ الْمُوَقَّرِ فَلاَ يُشْهِدُ عَلَيْهِ، فَيَدْخُل ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الاِئْتِمَانِ، وَيَبْقَى الأَْمْرُ بِالإِْشْهَادِ نَدْبًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي الأَْغْلَبِ مَا لَمْ يَقَعْ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْهُ) (٢)

مُسْتَنَدُ عِلْمِ الشَّاهِدِ:

٣١ - الأَْصْل فِي الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . (٣)

وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ . (٤)

فَأَخْبَرَ ﷾ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَلاَ تَصِحُّ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ.

وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّجُل يَشْهَدُ بِشَهَادَةٍ، فَقَال لِي: يَا ابْنَ

_________

(١) تفسير القرطبي ٣ / ٤٠٣.

(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (طبعة القاهرة) ٢ / ٢٩٨، وانظر تفسير القرطبي ٣ / ٤٠٣

(٣) سورة الزخرف / ٨٦

(٤) سورة يوسف / ٨١

عَبَّاسٍ لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَأَوْمَأَ رَسُول اللَّهِ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ. (١)

وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا أَقْوَى أَسْبَابِ الْعِلْمِ وَهِيَ الْمُشَاهَدَةُ وَالْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ.

لَكِنَّ الأُْمُورَ الْمَشْهُودَ بِهَا قَدْ تَتَفَاوَتُ فِيمَا بَيْنَهَا فِي تَحْصِيل الْعِلْمِ بِهَا:

فَمِنْهَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعَايِنَهُ الشَّاهِدُ كَالْقَتْل، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالرَّضَاعِ، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ.

فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ هَذِهِ الأُْمُورَ إِلاَّ بِالْمُعَايَنَةِ بِبَصَرِهِ.

فَمِنْهَا أُمُورٌ لاَ يَصِحُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إِلاَّ بِالسَّمَاعِ وَالْمُعَايَنَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ فِي عُقُودِ النِّكَاحِ، وَالْبُيُوعِ، وَالإِْجَارَاتِ، وَالطَّلاَقِ؛ لأَِنَّ الأَْصْوَاتَ قَدْ تَشْتَبِهُ، وَيَكْتَفِي الْحَنَابِلَةُ فِيهَا بِالسَّمَاعِ إِذَا عَرَفَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَقِينًا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلاَمُهُمَا. (٢)

وَمِنْهَا مَا يَحْصُل عِلْمُهُ بِهَا عَنْ طَرِيقِ سَمَاعِ الأَْخْبَارِ الشَّائِعَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُسْتَفِيضَةِ،

_________

(١) الحديث تقدم تخريجه.

(٢) الدر المختار ٤ / ٣٧٥، والقوانين الفقهية (٢٠٥) ط دار القلم بيروت، روضة الطالبين ١١ / ٢٥٩، والمغني مع الشرح الكبير ١٢ / ١٩

الْمَرْتَبَةِ السَّابِقَةِ يَكُونُ مَصْدَرُهَا سَمَاعًا مُسْتَفِيضًا لَمْ يَبْلُغْ فِي اسْتِفَاضَتِهِ حَدَّ الأُْولَى، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْمَقْصُودُ بِكَلاَمِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ إِطْلاَقِهِمُ الْحَدِيثَ عَلَى شَهَادَةِ السَّمَاعِ، أَوِ الشَّهَادَةِ بِالسَّمَاعِ، أَوْ بِالتَّسَامُعِ. (١) وَهِيَ الَّتِي قَالُوا فِي تَعْرِيفِهَا: " إِنَّهَا لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِاسْتِنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَخْرُجُ - بِذَلِكَ - شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْل. (٢) وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اعْتِمَادِهَا قَضَاءً لِلضَّرُورَةِ، أَوِ الْحَاجَةِ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ اخْتَلَفَتْ كَمَا بِاخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي تَحْدِيدِ مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ، وَضَبْطِ الْقُيُودِ الَّتِي تَعُودُ إِلَيْهَا، وَالثَّابِتُ عِنْدَ الدَّارِسِينَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَذَاهِبِ الإِْسْلاَمِيَّةِ تَسَامُحًا فِي الأَْخْذِ بِهَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ. (٣)

وَأَفَاضَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، حَيْثُ بَيَّنَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ النَّظَرَ فِي شَهَادَةِ السَّامِعِ يَتَنَاوَل الْجَوَانِبَ التَّالِيَةَ:

الأَْوَّل: الصِّفَةُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا:

٣٢ - الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّل

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٦، ٣٤٧، التاودي والتسولي على التحفة ١ / ١٣٢.

(٢) الحدود بشرح الرصاع ص٤٥٥، المطبعة التونسية س. ١٣٥٠هـ. مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ١٩١، ١٩٢، جواهر الإكليل ٢ / ٢٤٢، التاودي والتسولي على التحفة ١ / ١٣٢.

(٣) الفروق للقرافي ٤ / ٥٥، دار إحياء الكتب العربية ط ١ / س ١٣٤٦هـ.

أَنْ يَقُول الشُّهُودُ - عِنْدَ تَأْدِيَتِهَا - " سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْل الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ - مَثَلًا - صَدَقَةٌ عَلَى بَنِي فُلاَنٍ "، أَيْ: لاَ بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُدُول، وَغَيْرِ الْعُدُول فِي الْمَنْقُول عَنْهُمْ. (١) وَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا: " إِنَّا لَمْ نَزَل نَسْمَعُ مِنَ الثِّقَاتِ، أَوْ سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْل الْعَدْل ". (٢) وَهُوَ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ حَصْرَ مَصْدَرِ سَمَاعِهِمْ فِي الثِّقَاتِ وَالْعُدُول يُخْرِجُهَا مِنَ السَّمَاعِ إِلَى النَّقْل وَهُوَ مَوْضُوعٌ آخَرُ. (٣)

قَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَلاَ يَكُونُ السَّمَاعُ بِأَنْ يَقُولُوا: " سَمِعْنَا مِنْ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ " يُسَمُّونَهُمْ أَوْ يَعْرِفُونَهُمْ، إِذْ لَيْسَتْ - حِينَئِذٍ - شَهَادَةَ تَسَامُعٍ بَل هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَتَخْرُجُ عَنْ حَدِّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ. (٤)

وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الاِكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِمْ: " سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا ". (٥) دُونَ احْتِيَاجٍ إِلَى إِضَافَةٍ " مِنَ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ " حَيْثُ لاَ عِبْرَةَ بِذِكْرٍ

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٧، مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ١٩١ - ١٩٢، جواهر الإكليل ٢ / ٢٤٢، التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم ١ / ١٣٢.

(٢) المصادر السابقة.

(٣) نفس المصادر المذكورة سابقا - شرح حدود ابن عرفة للرصاع ص٤٥٥.

(٤) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٧.

(٥) انظر شهادة السماع في الأحباس والمواريث من المدونة الكبرى ٥ / ١٧١، دار صادر - بيروت.

كَالنَّسَبِ، وَالْمِلْكِ، وَالْمَوْتِ، وَالْوَقْفِ.

فَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا مُعْتَمِدًا عَلَى التَّسَامُعِ.

الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ وَالتَّسَامُعِ:

الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاَثِ مَرَاتِبَ بِاعْتِبَارِ دَرَجَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِل بِهَا:

الْمَرْتَبَةُ الأُْولَى:

٣٣ - تُفِيدُ عِلْمًا جَازِمًا مَقْطُوعًا بِهِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا: بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ الْمُتَوَاتِرِ كَالسَّمَاعِ بِوُجُودِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَغْدَادَ وَالْقَاهِرَةِ وَالْقَيْرَوَانِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُدُنِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي ثَبَتَ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا سَمَاعًا عِنْدَ كُل مَنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا مُشَاهَدَةً مُبَاشَرَةً فَهَذِهِ عِنْدَ حُصُولِهَا تَكُونُ - مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الْقَبُول وَالاِعْتِبَارِ - بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ إِجْمَاعًا (١) .

الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ:

٣٤ - تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا يَقْرُبُ مِنَ الْقَطْعِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا: بِالاِسْتِفَاضَةِ مِنَ الْخَلْقِ الْغَفِيرِ: كَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَوْثَقِ مَنْ أَخَذَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ، وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يُعْتَبَرُ الصَّاحِبَ الأَْوَّل لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٥، ٣٤٦، البهجة في شرح التحفة ١ / ١٣٢، مطبعة حجازي بالقاهرة، حلي المعاصم لبنت فكر ابن عاصم ١ / ١٣٢ بهامش البهجة.

قَبُول هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَوُجُوبِ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِذَا رُئِيَ الْهِلاَل رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً مِنْ جَمٍّ غَفِيرٍ وَشَاعَ أَمْرُهُ بَيْنَ أَهْل الْبَلَدِ لَزِمَ الْفِطْرُ أَوِ الصَّوْمُ مَنْ رَآهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ دُونَ احْتِيَاجٍ إِلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَدُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِثْبَاتِ تَعْدِيل نَقَلَتِهِ. (١)

وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَالْمَحْكُومِينَ:

فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لاَ يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إِلَى السُّؤَال عَنْهُ لاِسْتِفَاضَةِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ سَمَاعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَسْأَل عَنْهُ لاِشْتِهَارِ جُرْحَتِهِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْكَشْفِ عَمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لاَ بِهَذِهِ وَلاَ بِتِلْكَ. (٢)

وَقَدْ تَنَاقَل الْفُقَهَاءُ، وَأَصْحَابُ التَّرَاجِمِ، أَنَّ ابْنَ أَبِي حَازِمٍ شَهِدَ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ فَقَال لَهُ الْقَاضِي: أَمَّا الاِسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّكَ ابْنَ أَبِي حَازِمٍ؟ فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ عَدَالَةَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى السُّؤَال عَنْهَا، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ مَعَ أَنَّهُ لاَ يُعْرَفُ شَخْصُهُ. (٣)

الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ:

٣٥ - تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا دُونَ الظَّنِّ الْمَذْكُورِ فِي

_________

(١) المصادر السابقة.

(٢) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٦، ٣٤٧. التاودي على التحفة ١ / ١٣٢.

(٣) طبقات الفقهاء للشيرازي ص١٤٦، دار الرائد العربي بيروت، المدارك لعياض ٣ / ٩ - ١٢ الطبعة المغربية.

الْعُدُول فِي الْمَنْقُول عَنْهُمْ خِلاَفًا لِمَا يَرَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَاجِشُونَ (١) .

وَالثَّانِي: شُرُوطُ قَبُولِهَا:

٣٦ - وَأَهَمُّهَا بِاخْتِصَارٍ:

(١) أَنْ تَكُونَ مِنْ عَدْلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَيُكْتَفَى بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلاَفًا لِمَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْتَفَى فِيهَا إِلاَّ بِأَرْبَعَةٍ عُدُولٍ. (٢)

(٢) السَّلاَمَةُ مِنَ الرِّيَبِ: فَإِنْ شَهِدَ ثَلاَثَةٌ عُدُولٌ مَثَلًا عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْحَيِّ أَوْ فِي الْقَبِيلَةِ مِائَةُ رَجُلٍ فِي مِثْل سِنِّهِمْ لاَ يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنِ الْمَشْهُودِ فِيهِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ تُرَدُّ لِلرِّيبَةِ الَّتِي حُفَّتْ بِهَا، فَإِذَا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ قُبِلَتْ، كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى أَمْرٍ مَا، شَيْخَانِ قَدِ انْقَرَضَ جِيلُهُمَا، فَلاَ تُرَدُّ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَهْل الْبَلَدِ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَدْلاَنِ طَارِئَانِ بِاسْتِفَاضَةِ مَوْتٍ، أَوْ وِلاَيَةٍ، أَوْ عَزْلٍ، قَدْ حَدَثَ بِبَلَدِهِمَا وَلَيْسَ مَعَهُمَا - فِي الْغُرْبَةِ - غَيْرُهُمَا، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا مَقْبُولَةٌ لِلْغَرَضِ نَفْسِهِ. (٣)

(٣) أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا، وَهَذَا الْقَدْرُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ دَاخِل الْمَذْهَبِ

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ١٩٢، التاج والإكليل ٦ / ١٩٢، تبصرة الحكام ١ / ٣٤٧.

(٢) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٧، ٣٤٨، التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم ١ / ١٣٨.

(٣) تبصرة الحكام ١ / ٣٤٨، التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم ١ / ١٣٧.

الْمَالِكِيِّ وَخَارِجَهُ. (١) إِلاَّ أَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا كَمَا تَقَدَّمَ فِي إِضَافَةِ: " مِنَ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ " أَوْ " مِنَ الثِّقَاتِ " فَقَطْ، أَوْ عَدَمِ إِضَافَتِهِمَا. (٢)

(٤) أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ: فَلاَ يَقْضِي الْقَاضِي لأَِحَدٍ بِالشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ إِلاَّ بَعْدَ يَمِينِهِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ أَصْل السَّمَاعِ الَّذِي فَشَا وَانْتَشَرَ مَنْقُولًا عَنْ وَاحِدٍ، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لاَ بُدَّ مَعَهُ مِنَ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى الْمَالِيَّةِ. (٣)

الثَّالِثُ: مَحَالُّهَا: أَيِ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقْبَل فِيهَا شَهَادَةُ السَّمَاعِ.

٣٧ - سَلَكَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْخُصُوصِ - لِتَحْدِيدِ هَذِهِ الْمَحَال الْمَرْوِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ - ثَلاَثَ طُرُقٍ:

أَحَدُهَا: لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الَّذِي يَرْوِي أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا لاَ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ، وَلاَ يَنْتَقِل الْمِلْكُ فِيهِ، كَالْمَوْتِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَقْفِ، وَنَصَّ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي النِّكَاحِ. (٤)

_________

(١) المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٢٤، تبصرة الحكام ١ / ٣٤٨، ٣٤٩، مواهب الجليل ٦ / ١٩١، ١٩٢.

(٢) انظر: المدونة الكبرى ٥ / ١٧١، البيان والتحصيل ١ / ١٥٣، ١٥٤، جواهر الإكليل ٢ / ٢٤١، الكافي في فقه أهل المدينة ٢ / ٩٠٣، وما بعدها لابن عبد البر، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض ط١ س ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م.

(٣) البهجة شرح التحفة ١ / ١٣٨، تبصرة الحكام ١ / ٣٤٨.

(٤) تهذيب الفروق ٤ / ١٠١ بهامش الفروق للقرافي.