الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الثَّانِيَةُ: لاِبْنِ رُشْدٍ الْجَدِّ: حَكَى فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: تُقْبَل فِي كُل شَيْءٍ، لاَ تُقْبَل فِي شَيْءٍ، تُقْبَل فِي كُل شَيْءٍ مَا عَدَا النَّسَبَ، وَالْقَضَاءَ وَالنِّكَاحَ وَالْمَوْتَ، إِذْ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْتَفِيضَ اسْتِفَاضَةً يَحْصُل بِهَا الْقَطْعُ لاَ الظَّنُّ، وَرَابِعُ الأَْقْوَال عَكْسُ السَّابِقِ، لاَ تُقْبَل إِلاَّ فِي النَّسَبِ وَالْقَضَاءِ، وَالنِّكَاحِ وَالْمَوْتِ. (١)
وَالثَّالِثَةُ: لاِبْنِ شَاسٍ، وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: إِنَّهَا تَجُوزُ فِي مَسَائِل مَعْدُودَةٍ، أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى عِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ وَأَنْهَاهَا أَحَدُهُمْ إِلَى تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ. (٢)
مِنْهَا: النِّكَاحُ، وَالْحَمْل، وَالْوِلاَدَةُ، وَالرَّضَاعُ، وَالنَّسَبُ، وَالْمَوْتُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْحْبَاسُ، وَالضَّرَرُ، وَتَوْلِيَةُ الْقَاضِي وَعَزْلُهُ، وَتَرْشِيدُ السَّفِيهِ، وَالْوَصِيَّةُ، وَفِي الصَّدَقَاتِ، وَالأَْحْبَاسِ الَّتِي تَقَادَمَ أَمْرُهَا، وَطَال زَمَانُهَا، وَفِي الإِْسْلاَمِ وَالرِّدَّةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَالتَّجْرِيحِ، وَالْمِلْكِ لِلْحَائِزِ. (٣)
_________
(١) البيان والتحصيل ١٠ / ١٥٣، ١٥٤.
(٢) المصدر السابق ص١٠١، ١٠٢.
(٣) القوانين الفقهية لابن جزي ص٢٠٥ دار القلم بيروت ط١ س١٩٧٧م، تبصرة الحكام ١ / ٣٤٩، الكافي لابن عبد البر ٢ / ٩٠٣ - ٩٠٦ مواهب الجليل ٦ / ١٩٢ - ١٩٤ مع التاج والإكليل، تهذيب الفروق ٤ / ١٠١ - ١٠٢، جواهر الإكليل ٢ / ٢٤٢، ٢٤٣، التاودي مع التسولي على تحفة ابن عاصم جـ١ ص١٣٢ - ١٣٧.
أَمَّا بَقِيَّةُ الأَْئِمَّةِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ شَهَادَةِ التَّسَامُعِ فِي النَّسَبِ وَالْوِلاَدَةِ لِلضَّرُورَةِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَمَّا النَّسَبُ، فَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لاَسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةِ بِهِ، إِذْ لاَ سَبِيل إِلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ وَلاَ تُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْمُشَاهَدَةُ لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ وَلاَ أُمَّهُ وَلاَ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ. (١)
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: تَجُوزُ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ - فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ، وَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَالْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ، وَالْمَوْتِ، وَالْعِتْقِ، وَالْوَلاَءِ، وَالْوِلاَيَةِ، وَالْعَزْل، مُعَلِّلِينَ رَأْيَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ تَتَعَذَّرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا غَالِبًا بِمُشَاهَدَتِهَا أَوْ مُشَاهَدَةِ أَسْبَابِهَا، فَلَوْ لَمْ تُقْبَل فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ لأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَتَعْطِيل الأَْحْكَامِ وَضَيَاعِ الْحُقُوقِ. (٢)
وَيَرَى الْبَعْضُ الآْخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا لاَ تُقْبَل فِي الْوَقْفِ، وَالْوَلاَءِ، وَالْعِتْقِ وَالزَّوْجِيَّةِ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ مُمْكِنَةٌ فِيهَا
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٢ا / ٢٤.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٢٤.
بِالْقَطْعِ حَيْثُ إِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى عَقْدٍ كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ. (١)
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ تَصِحُّ إِلاَّ فِي النِّكَاحِ وَالْمَوْتِ وَالنَّسَبِ، وَلاَ تُقْبَل فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا شَهَادَةً بِمَالٍ، وَمَا دَامَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ لاَ تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ، وَأَمَّا صَاحِبَاهُ فَقَدْ نَصَّا عَلَى قَبُولِهَا فِي الْوَلاَءِ مِثْل عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) .
شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ:
٣٨ - قَال ابْنُ فَرْحُونَ: التَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَسْمِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ يَكُونُ عَلاَمَةً يُسْتَدَل بِهَا. قَال ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ قَال لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْقَوَافِل وَالرِّفَاقِ تَمُرُّ بِأُمَّهَاتِ الْقُرَى وَالْمَدَائِنِ فَتَقَعُ بَيْنَهُمُ الْخُصُومَةُ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمَدِينَةِ الَّتِي حَلُّوا بِهَا، أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، مِمَّنْ جَمَعَهُ ذَلِكَ السَّفَرُ، وَوُجْهَةُ تِلْكَ الْمُرَافَقَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلاَ سَخْطَةٍ إِلاَّ عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلاَتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ خَاصَّةً مِنَ الأَْسْلاَفِ
_________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٦٦، ٢٦٧، المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٢٤.
وَالأَْكْرِيَةِ، وَالْبُيُوعِ، وَالأَْشْرِبَةِ، كَانُوا مِنْ أَهْل بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ أَهْل بَلَدَيْنِ مَتَى كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ أَهْل الْقَرْيَةِ، أَوِ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا فِيهَا، أَوْ مَعْرُوفًا مِنْ غَيْرِهَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ جَمَعَهُ وَإِيَّاهُمْ ذَلِكَ السَّفَرُ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى كَرْيِهِمْ فِي كُل مَا عَمِلُوهُ بِهِ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَالاَ (أَيْ: مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ): وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ عَلَى وَجْهِ الاِضْطِرَارِ مِثْل مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لاَ يَحْضُرُهُ الرِّجَال، مِثْل مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحَاتِ. قَالاَ: وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي كُل حَقٍّ كَانَ ثَابِتًا فِي دَعْوَاهُمْ قَبْل سَفَرِهِمْ، إِلاَّ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ.
قَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلاَ يُمَكَّنُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ تَجْرِيحِ هَؤُلاَءِ الشُّهُودِ، لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا أُجِيزُوا عَلَى التَّوَسُّمِ فَلَيْسَ فِيهِمْ جُرْحَةٌ إِلاَّ أَنْ يَسْتَرِيبَ الْحَاكِمُ فِيهِمْ قَبْل حُكْمِهِ بِشَهَادَتِهِمْ بِسَبَبِ قَطْعِ يَدٍ، أَوْ جَلْدٍ فِي ظَهْرٍ فَلْيَتَثَبَّتْ فِي تَوَسُّمِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ انْتِفَاءُ تِلْكَ الرِّيبَةِ، وَإِلاَّ أَسْقَطَهُمْ. قَال: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَامْرَأَةٌ، أَوْ عَدْلٌ، وَتَوَسَّمَ فِيهِمْ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ قُبِلُوا بِالتَّوَسُّمِ عَبِيدٌ أَوْ مَسْخُوطُونَ، فَإِنْ كَانَ قَبْل الْحُكْمِ تَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِمْ فَلاَ يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ
أَنْ يَشْهَدَ عَدْلاَنِ: أَنَّهُمَا كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ مَسْخُوطَيْنِ قَال: وَلاَ يُقْبَل بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي سَرِقَةٍ، وَلاَ زِنًا، وَلاَ غَصْبٍ، وَلاَ تَلَصُّصٍ، وَلاَ مُشَاتَمَةٍ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِي الْمَال فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ.
قَال ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ يَعْنِي شَهَادَةَ التَّوَسُّمِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ خِلاَفُ ظَاهِرِ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ، لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ الْغُرَبَاءِ دُونَ أَنْ تُعْرَفَ عَدَالَتُهُمْ. انْتَهَى.
ثُمَّ قَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْغُرَبَاءِ حَيْثُ لاَ تَكُونُ ضَرُورَةٌ مِثْل شَهَادَتِهِمْ فِي الْحَضَرِ (١)
أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ:
٣٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ: لاَ يَحِل لِلشَّاهِدِ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ الشَّهَادَةَ إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ (٢) لأَِنَّ إِقَامَتَهَا فَرْضٌ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ . (٣)
أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا، وَكَانَ أَدَاؤُهَا يَسْتَدْعِي تَرْكَ عَمَلِهِ وَتَحَمُّل
_________
(١) تبصرة الحكام ٢ / ٥ - ٦.
(٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٢ / ٦، الشرح الكبير ١٢ / ٥، المغني ١٢ / ٩، أدب القضاء لابن أبي الدم الشافعي ٢ / ٤.
(٣) سورة الطلاق / ٢.
الْمَشَقَّةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى: عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَهُ أُجْرَةُ الرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعِ الأَْدَاءِ. (١) قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ . (٢)
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى: الْجَوَازِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ إِنْفَاقَ الإِْنْسَانِ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَالشَّهَادَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلاَ يُشْتَغَل عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ. وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أُجْرَةً كَمَا يَجُوزُ عَلَى كَتْبِ الْوَثِيقَةِ. (٣)
تَعْدِيل الشُّهُودِ:
٤٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ، وَلاَ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالسُّؤَال وَالتَّزْكِيَةِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الاِكْتِفَاءِ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ. (٤)
وَفِي تَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَزْكِيَةٌ) .
تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ الْيَمِينَ:
٤١ - قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: حُكِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ، وَقَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ: أَنَّهُ حَلَّفَ شُهُودًا فِي تَرِكَةٍ " بِاللَّهِ إِنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ
_________
(١) المراجع المذكورة، والدر المختار ٤ / ٣٧٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٩٩، والشرح الصغير ٤ / ٢٨٥.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٣) المغني ١٢ / ١٩، والمهذب ٢ / ٣٢٥. -
(٤) الهداية ٣ / ١١٨، فتح القدير ٦ / ١٢، الفتاوى الهندية ٣ / ٥٢٧.
لَحَقٌّ ". وَعَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَال: أَرَى لِفَسَادِ النَّاسِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ.
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ. وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَحْلِيفَ الشَّاهِدَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ غَيْرِ أَهْل الْمِلَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَكَذَا. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ بِتَحْلِيفِ الْمَرْأَةِ إِذَا شَهِدَتْ فِي الرَّضَاعِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَال الْقَاضِي: لاَ يَحْلِفُ الشَّاهِدُ عَلَى أَصْلِنَا إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ وَذَكَرَ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ قَال: (قَال شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) هَذَانِ الْمَوْضِعَانِ قُبِل فِيهِمَا الْكَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَحْدَهَا لِلضَّرُورَةِ، فَقِيَاسُهُ أَنَّ كُل مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِلضَّرُورَةِ اسْتُحْلِفَ (قَال ابْنُ الْقَيِّمِ): وَإِذَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَرِّقَ الشُّهُودَ إِذَا ارْتَابَ بِهِمْ فَأَوْلَى أَنْ يُخَلِّفَهُمْ إِذَا ارْتَابَ بِهِمْ. (١)
الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ:
٤٢ - قَدْ لاَ يَسْتَطِيعُ الشَّاهِدُ الْمَقْبُول الشَّهَادَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ بِنَفْسِهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ، لِسَفَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ، فَيُشْهِدُ عَلَى شَهَادَتِهِ شَاهِدَيْنِ تَتَوَفَّرُ فِيهِمَا الصِّفَاتُ الَّتِي تُؤَهِّلُهُمَا لِلشَّهَادَةِ، وَيَطْلَبُ مِنْهُمَا تَحَمُّلَهَا وَالإِْدْلاَءَ بِهَا أَمَامَ الْقَضَاءِ، فَيَقُومُ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ مَقَامَهُ، فِي نَقْل تِلْكَ الشَّهَادَةِ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِلَفْظِهَا
_________
(١) الطرق الحكمية ص١٢٥.
الْمَخْصُوصِ فِي التَّحَمُّل وَالأَْدَاءِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ فَلاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الأَْصْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ دَوَامَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الأَْصْل إِلَى حِينِ صُدُورِ الْحُكْمِ، فَمَتَى أَمْكَنَتْ شَهَادَةُ الأُْصُول قَبْل الْحُكْمِ وُقِفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِهَا، وَلَوْ بَعْدَ سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ؛ لأَِنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَْصْل فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْبَدَل.
وَمِمَّا يُجِيزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ فَيَضِيعَ الْحَقُّ.
هَذَا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ مُتَبَايِنَةً فِيمَا يَجُوزُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَمَا لاَ يَجُوزُ.
فَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي سَائِرِ الأُْمُورِ مَالًا أَوْ عُقُوبَةً. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا: جَائِزَةٌ فِي كُل حَقٍّ لاَ يَسْقُطُ بِشُبْهَةٍ، فَلاَ تُقْبَل فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. (٢)
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِذَلِكَ اسْتِحْسَانًا.
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَلَيْسَتْ حَقًّا
_________
(١) المدونة الكبرى ٥ / ١٥٩، تبصرة الحكام (على هامش فتح العلي المالك) ١ / ٣٥٣، والمهذب ٢ / ٣٣٩، ومنتهى الإرادات ٣ / ٥٦٠.
(٢) الهداية ٣ / ١٢٩، ١٣٠، الفتاوى الهندية ٣ / ٥٢٣، المغني ١٢ / ٨٧، الشرح الكبير ١٢ / ١٠٢.
لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَالنِّيَابَةُ لاَ تُجْزِئُ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَيْهَا، إِذْ شَاهِدُ الأَْصْل قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِمَرَضٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ بُعْدِ مَسَافَةٍ، فَلَوْ لَمْ تَجُزِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَدَّى إِلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ، وَصَارَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى: جَوَازِ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، وَإِلَى قَبُول الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الأَْصْل قَدْ يَتَعَذَّرُ؛ وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ لاَزِمٌ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ؛ وَلأَِنَّهَا طَرِيقٌ يُظْهِرُ الْحَقَّ كَالإِْقْرَارِ فَيُشْهِدُ عَلَيْهَا، لَكِنَّهَا إِنَّمَا تُقْبَل فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرِ إِحْصَانٍ، كَالأَْقَارِيرِ، وَالْعُقُودِ، وَالنُّسُوخِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلاَدَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ. سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَقُّ الآْدَمِيِّ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ، وَتُقْبَل فِي إِثْبَاتِ عُقُوبَةِ الآْدَمِيِّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ. أَمَّا الْعُقُوبَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَلاَ تُقْبَل فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الأَْظْهَرِ. (٢)
_________
(١) تبيين الحقائق ٤ / ٢٣٨.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٥٢، ٤٥٣، وانظر مختصر المزني ٥ / ٢٥٨، المهذب ٢ / ٣٣٨، مغني المحتاج ٤ / ٤٥٣.
٤٦ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ، وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الثَّانِي، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِثْبَاتُ قَوْلٍ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ. خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. (١)
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدٍ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الثَّانِي فِي الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. (٢)
مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: " لاَ يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إِلاَّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ (٣) .
وَالْقَوْل الثَّانِي: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِكُلٍّ مِنَ الأَْصْلَيْنِ اثْنَانِ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى وَاحِدٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ شَهَادَتِهِ، فَلاَ تَقُومُ مَقَامَ شَهَادَةِ غَيْرِهِ.
٤٣ - وَلاَ يَصِحُّ تَحَمُّل شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ؛ لِسُقُوطِهَا.
_________
(١) المهذب ٢ / ٣٣٨، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٦٠، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٢٣٧، ٢٣٨، تبصرة الحكام ١ / ٢٨٢.
(٢) الهداية ٣ / ١٣٠، المبسوط ١٦ / ١٣٨، فتاوى قاضيخان (مطبوعة على هامش الفتاوى الهندية) ٢ / ٤٨٥، المغني ١٢ / ٩٥ - ٩٦.
(٣) قول علي رواه عبد الرزاق في المصنف (المصنف: ٨ / ٣٣٩ الحديث. ١٥٤٥) وانظره في نصب الراية ٤ / ٨٧، والدراية ٢ / ١٧٣، ضمن تخريج الحديث ٨٣٥.