الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
فِي الشَّكِّ (١) . أَشَارَ فِي بِدَايَتِهِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَوْضُوعَ قَدْ أَشْكَل أَمْرُهُ عَلَى جَمِيعِ الْفُضَلاَءِ، وَانْبَنَى عَلَى عَدَمِ تَحْرِيرِهِ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي مَوَاضِعَ وَمَسَائِل كَثِيرَةٍ حَتَّى خَرَقَ بَعْضُهُمُ الإِْجْمَاعَ فِيهَا (٢) .
وَالْقَوْل الْفَصْل فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ حَسَبَ رَأْيِ الْقَرَافِيِّ: " أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ الأَْحْكَامَ وَشَرَعَ لَهَا أَسْبَابًا وَجَعَل مِنْ جُمْلَةِ مَا شَرَعَهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الشَّكَّ، فَشَرَعَهُ - حَيْثُ شَاءَ - فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ: فَإِذَا شَكَّ فِي الشَّاةِ وَالْمَيْتَةِ حَرُمَتَا مَعًا، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ، وَإِذَا شَكَّ فِي الأَْجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ حَرُمَتَا مَعًا، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَيْنِ الصَّلاَةِ الْمَنْسِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، وَسَبَبُ وُجُوبِ الْخَمْسِ هُوَ الشَّكُّ، وَإِذَا شَكَّ هَل تَطَهَّرَ أَمْ لاَ؟ وَجَبَ الْوُضُوءُ، وَسَبَبُ وُجُوبِهِ هُوَ الشَّكُّ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ (٣) .
" فَالشَّكُّ فِي السَّبَبِ غَيْرُ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ: فَالأَْوَّل يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَلاَ يَتَقَرَّرُ مَعَهُ حُكْمٌ، وَالثَّانِي لاَ يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَتَتَقَرَّرُ مَعَهُ
_________
(١) الفروق ١ / ٢٢٥ - تهذيب الفروق ١ / ٢٢٧ (بهامش الفروق) .
(٢) المصدرين السابقين.
(٣) نفس المصدرين ص ٢٢٥، ٢٢٦ مع تصرف طفيف. وانظر أيضًا: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص ٢٠١.
الأَْحْكَامُ كَمَا هُوَ الْحَال فِي النَّظَائِرِ السَّابِقَةِ " وَلاَ نَدَّعِي أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ نَصَبَ الشَّكَّ سَبَبًا فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ بَل فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِحَسَبِ مَا يَدُل عَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ أَوِ النَّصُّ، وَقَدْ يُلْغِي صَاحِبُ الشَّرْعِ الشَّكَّ فَلاَ يَجْعَل فِيهِ شَيْئًا: كَمَنْ شَكَّ هَل طَلَّقَ أَمْ لاَ. فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالشَّكُّ لَغْوٌ، وَمَنْ شَكَّ فِي صَلاَتِهِ هَل سَهَا أَمْ لاَ؟ . فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَالشَّكُّ لَغْوٌ. فَهَذِهِ صُوَرٌ مِنَ الشَّكِّ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِيهَا، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ.
وَقِسْمٌ ثَالِثٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَصْبِهِ سَبَبًا: كَمَنْ شَكَّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لاَ؟ فَقَدِ اعْتَبَرَهُ مَالِكٌ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمَنْ شَكَّ هَل طَلَّقَ ثَلاَثًا أَمِ اثْنَتَيْنِ؟ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلْقَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا خِلاَفًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ مَا هِيَ؟ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ جَمِيعَ الأَْيْمَانِ (١) .
الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ:
١٢ - الشَّرَطُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: الْعَلاَمَةُ وَالْجَمْعُ أَشْرَاطٌ مِثْل سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، أَيْ عَلاَمَاتُهَا وَدَلاَئِلُهَا. وَالشَّرْطُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - يُجْمَعُ عَلَى شُرُوطٍ. تَقُول:
_________
(١) المصادر السابقة والفروق ص ٢٢٦ - ٢٢٧، وتهذيب الفروق بهامش الفروق ١ / ٢٢٨.
شَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ (١) .
أَمَّا الشَّرْطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ: فَهُوَ مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ مُكَمِّلًا لأَِمْرٍ شَرْعِيٍّ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِوُجُودِهِ: كَالطَّهَارَةِ؛ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُكَمِّلَةً لِلصَّلاَةِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْهَا مِنْ تَعْظِيمِهِ ﷾ إِذِ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعَالَى مَعَ الطَّهَارَةِ الشَّامِلَةِ لِلْبَدَنِ وَالثِّيَابِ وَالْمَكَانِ أَكْمَل فِي مَعْنَى الاِحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ، وَبِهَذَا الْوَضْعِ لاَ تَتَحَقَّقُ الصَّلاَةُ الشَّرْعِيَّةُ إِلاَّ بِهَا، فَالشَّرْطُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَشْرُوطِ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَلاَ عَدَمُهُ (٢) .
" وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ الْمَشْرُوطِ (٣) " وَهُوَ كَذَلِكَ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ (٤) . وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَامْتَنَعَ الْقِصَاصُ مِنَ.
_________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢ / ٤٦٠.
(٢) الفروق للقرافي ١ / ١١٠، ١١١، والموافقات للشاطبي ١ / ٢٦٢، ولباب الفرائض ص ٤، مطبعة الإرادة بتونس، والعذب الفائض شرح عمدة الفرائض ١ / ١٧ (مطبعة الحلبي. مصر. ط ١ سنة ١٣٧٢ هـ) .
(٣) قاعدة فقهية نص عليها الونشريسي في كتابه إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ١٩٢.
(٤) قاعدة فقهية نص عليها القرافي في الفروق ١ / ١١١.
الأَْبِ فِي قَتْل ابْنِهِ (١) . وَامْتَنَعَ الإِْرْثُ بِالشَّكِّ فِي مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ حَيَاةِ الْوَارِثِ، وَبِالشَّكِّ فِي انْتِفَاءِ الْمَانِعِ مِنَ الْمِيرَاثِ (٢) .
الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ:
١٣ - الْمَانِعُ لُغَةً: الْحَائِل (٣) .
أَمَّا الْمَانِعُ فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عُرِّفَ بِقَوْلِهِمْ: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ أَجْل وُجُودِهِ الْعَدَمُ - أَيْ عَدَمُ الْحُكْمِ - وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ أَجْل عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلاَ عَدَمٌ (٤) . كَقَتْل الْوَارِثِ لِمُوَرِّثِهِ عَمْدًا وَعُدْوَانًا فَإِنَّهُ يُعَدُّ مَانِعًا مِنَ الْمِيرَاثِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ سَبَبُهُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ أَوِ الزَّوْجِيَّةُ أَوْ غَيْرُهُمَا.
فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ فَهَل يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؟ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّ " الشَّكَّ فِي الْمَانِعِ لاَ أَثَرَ لَهُ (٥) " أَيْ إِنَّ الشَّكَّ مُلْغًى بِالإِْجْمَاعِ (٦) . وَمِنْ ثَمَّ أُلْغِيَ الشَّكُّ الْحَاصِل فِي ارْتِدَادِ زَيْدٍ قَبْل وَفَاتِهِ أَمْ لاَ؟ وَصَحَّ الإِْرْثُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا لِلأَْصْل الَّذِي هُوَ الإِْسْلاَمُ (٧) . كَمَا أُلْغِيَ الشَّكُّ فِي الطَّلاَقِ،
_________
(١) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ١ / ١٧.
(٢) لباب الفرائض ص ٤ - العذب الفائض ١ / ١٧، النهاية في غريب الحديث ٤ / ٣٦٥.
(٣) الفروق ١ / ١١١، والأحكام للآمدي ١ / ٦٧ - لباب الفرائض ص ٤، العذب الفائض ١ / ٢٣.
(٤) قاعدة فقهية ذكرها الونشريسي في إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ١٩٣.
(٥) القاعدة منقولة عن ابن العربي وذكرها المقري في قواعده ورقمها فيه ٦٥٠، انظر أيضًا المصدر السابق.
(٦) الفروق للقرافي ١ / ١١١.
بِمَعْنَى شَكُّ الزَّوْجِ هَل حَصَل مِنْهُ الطَّلاَقُ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّكَّ هُنَا لاَ تَأْثِيرَ لَهُ وَأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِصْحَابُ الْعِصْمَةِ الثَّابِتَةِ قَبْل الشَّكِّ، لأَِنَّ الشَّكَّ هُنَا كَانَ مِنْ قَبِيل الشَّكِّ فِي حُصُول الْمَانِعِ وَهُوَ مُلْغًى (١) وَسَيَأْتِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ عِنْدَ تَنَاوُل الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ.
وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ أَيْضًا أُلْغِيَ الشَّكُّ فِي الْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَحُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَمَا إِلَيْهَا (٢) .
قَال الْخَطَّابِيُّ - فِي خُصُوصِ الرَّضَاعِ -: هُوَ مِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي يَمْنَعُ وُجُودُهَا وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَهُوَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَيَقْطَعُ اسْتِمْرَارَهُ - إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ - فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي حُصُولِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ " الشَّكُّ مُلْغًى " وَقَدْ يُقَال: إِنَّ الأَْحْوَطَ التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلشَّخْصِ أَنْ يُقْدِمَ إِلاَّ عَلَى فَرْجٍ مَقْطُوعٍ بِحِلِّيَّتِهِ.
الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ:
١٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ يَحَبُّ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِعَادَةُ الصَّلاَةِ إِنْ صَلَّى لأَِنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ فَلاَ تَبْرَأُ إِلاَّ بِيَقِينٍ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّ
_________
(١) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ١٩٣.
(٢) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ١٩٣.
الْوُضُوءَ لاَ يُنْقَضُ بِالشَّكِّ عِنْدَهُمْ (١) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَال: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُل يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَال ﷺ: لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ -: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وُجُوبًا - وَقِيل: اسْتِحْبَابًا - لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الآْخَرِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا (٣)، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل الْحَدِيثُ (٤) .
وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَل بِضِدِّ مَا قَبْلَهُمَا: فَإِنْ كَانَ قَبْل ذَلِكَ مُحْدَثًا فَهُوَ الآْنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٣٩. بولاق. المطبعة الأميرية ط ٣ سنة ١٣٢٩ هـ، التمهيد لابن عبد البر ٥ / ٢٧، نيل الأوطار للشوكاني ١ / ٢٠٣ مصر سنة ١٣٥٧ هـ، ونهاية المحتاج ١ / ١١٤، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٢٢٦، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ١ / ١٥٥ - ١٥٦.
(٢) حديث عبد الله بن زيد قال: شكى إلى النبي ﷺ: أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٣٧ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٧٦ - ط الحلبي) .
(٣) المستنكح هو الذي يشك في كل وضوء وصلاة أو يطرأ عليه ذلك في اليوم مرة أو مرتين (مواهب الجليل ١ / ٣٠٠) .
(٤) المدونة الكبرى ١ / ١٣، ١٤ - مواهب الجليل ١ / ٣٠٠، التاج والإكليل ١ / ٣٠١، التمهيد ٥ / ٢٧، المعيار ١ / ١٠، ١١.
انْتِقَاضِهَا، حَيْثُ لاَ يَدْرِي هَل الْحَدَثُ الثَّانِي قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا؟، وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا وَكَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَهُوَ الآْنَ مُحْدِثٌ لأَِنَّهُ مُتَيَقِّنٌ حَدَثًا بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ حَيْثُ لاَ يَدْرِي هَل الطَّهَارَةُ الثَّانِيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ أَمْ لاَ؟ (١) .
قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الأَْصْل حَدَثًا كَانَ أَوْ طَهَارَةً، وَهُوَ قَوْل أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيِّ، وَقَال مَالِكٌ: إِنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ شَكَّهُ لاَ يُفِيدُ فَائِدَةً وَأَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ فَرْضًا وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الشَّكَّ عِنْدَهُمْ مُلْغًى، وَأَنَّ الْعَمَل عِنْدَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ فَتَدَبَّرْهُ وَقِفْ عَلَيْهِ (٢) .
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل مَا جَاءَ عَنِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ دَمَ الْحَيْضِ وَلَمْ تَدْرِ وَقْتَ حُصُولِهِ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَنْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ حُصُولِهِ، أَيْ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِل وَتُعِيدَ الصَّلاَةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ، وَهَذَا
_________
(١) الموسوعة الفقهية ٤ / ٢٩٥، والتاج والإكليل ١ / ٣٠١، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٢٢٧.
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ٥ / ٢٧.
أَقَل الأَْقْوَال تَعْقِيدًا وَأَكْثَرُهَا وُضُوحًا (١) . وَضَابِطُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَحُكْمِ الْحَيْضِ الْمُتَيَقَّنِ فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ (٢)
وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ - فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ - كَمَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى السَّوَاءِ أَمْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَرْجَحَ (٣) .
الشَّكُّ فِي الصَّلاَةِ:
أ - الشَّكُّ فِي الْقِبْلَةِ:
١٥ - مَنْ شَكَّ فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَل عَنْهَا الْعَالِمِينَ بِهَا مِنْ أَهْل الْمَكَانِ إِنْ وُجِدُوا وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ بِالتَّحَرِّي وَالاِجْتِهَادِ لِمَا رَوَاهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُل رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٤)﴾ . وَقِبْلَةُ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٣٢ - ١٣٣، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ١ / ٢١٩ - ٢٢٠، ومواهب الجليل ١ / ٣١٢، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٣٧٣، والمهذب للشيرازي ١ / ٤٢، ٤٣.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٣٧٥.
(٣) الموسوعة الفقهية ٤ / ٢٩٥، نهاية المحتاج ١ / ١١٤.
(٤) حديث عامر بن ربيعة: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة. أخرجه الترمذي (٢ / ١٧٦ - ط الحلبي) وضعف إسناده، وذكر ابن كثير في تفسيره (١ / ٢٧٨ - ط. دار الأندلس) أسانيده، وقال: " وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا ".
الْمُتَحَرِّي - كَمَا وَرَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هِيَ جِهَةُ قَصْدِهِ (١) . وَالصَّلاَةُ الْوَاحِدَةُ لِجِهَةِ الْقَصْدِ هَذِهِ تُجْزِئُ الْمُصَلِّيَ وَتُسْقِطُ عَنْهُ الطَّلَبَ لِعَجْزِهِ، وَيَرَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الأَْفْضَل لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ لِكُل جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ أَخْذًا بِالأَْحْوَطِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ شَكُّهُ دَائِرًا بَيْنَهَا أَمَّا إِذَا انْحَصَرَ شَكُّهُ فِي ثَلاَثِ جِهَاتٍ فَقَطْ مَثَلًا فَإِنَّ الرَّابِعَةَ لاَ يُصَلِّي إِلَيْهَا، وَقَدِ اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ مَا فَضَّلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الأَْوَّل عِنْدَ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ (٢) .
ب - الشَّكُّ فِي دُخُول الْوَقْتِ:
١٦ - مَنْ شَكَّ فِي دُخُول الْوَقْتِ لَمْ يُصَل حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ دُخُولِهِ، فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ فَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ وَإِنْ وَافَقَ الْوَقْتَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلاَتِهِ مِثْلَمَا هُوَ الأَْمْرُ فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ (٣) .
_________
(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١ / ١٠١)، بدائع الصنائع (١ / ١١٨) .
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١ / ٢٢٧)، ونهاية المحتاج للرملي (١ / ٤١٩ - ٤٢٤)، وبدائع الصنائع ١ / ١١٨.
(٣) جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ١ / ٣٣، كشاف القناع (بهامشه منتهى الإرادات) ١ / ١٧٧، الإقناع في فقه أحمد بن حنبل ١ / ٨٤، ٨٥ (المطبعة المصرية بالأزهر سنة ١٣٥١ هـ) .
ج - الشَّكُّ فِي الصَّلاَةِ الْفَائِتَةِ:
١٧ - مَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةٌ مِنْ يَوْمٍ مَا، وَلاَ يَدْرِي أَيَّ صَلاَةٍ هِيَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ صَلاَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ لاَ بِشَكٍّ (١) .
د - الشَّكُّ فِي رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ:
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ شَكَّ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً صَلَّى أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ وَقَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَلاَ يُجْزِئُهُ التَّحَرِّي، وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَالطَّبَرِيِّ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ:
أَوَّلًا: بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَِرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ (٢) .
وَثَانِيًا: بِالْقَاعِدَتَيْنِ الْفِقْهِيَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي مَعْنَى الأَْحَادِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَغَيْرِهَا مِمَّا يُوجِبُ الْبِنَاءَ عَلَى الْيَقِينِ (٣) . وَهُمَا:
_________
(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ٢ / ٨٧.
(٢) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٠٠ - ط الحلبي) .
(٣) التمهيد ٥ / ٢٥، الفروق ١ / ٢٢٧، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص ١٩٧.