الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْيَقِينُ:
٢ - الْيَقِينُ مَصْدَرُ يَقِنَ الأَْمْرُ يَيْقَنُ إِذَا ثَبَتَ وَوَضَحَ، وَيُسْتَعْمَل مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ وَبِالْيَاءِ، وَيُطْلَقُ - لُغَةً - عَلَى الْعِلْمِ الْحَاصِل عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ وَلِهَذَا لاَ يُسَمَّى عِلْمُ اللَّهِ يَقِينًا (١) . وَهُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الأُْصُول: الاِعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ الثَّابِتِ (٢) . فَالْيَقِينُ ضِدُّ الشَّكِّ (٣) . فَيُقَال شَكَّ وَتَيَقَّنَ وَلاَ يُقَال شَكَّ وَعَلِمَ لأَِنَّ الْعِلْمَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ عَلَى سَبِيل الثِّقَةِ.
ب - الاِشْتِبَاهُ:
٣ - الاِشْتِبَاهُ هُوَ مَصْدَرُ اشْتَبَهَ، يُقَال: اشْتَبَهَ الشَّيْئَانِ وَتَشَابَهَا، إِذَا أَشْبَهَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآْخَرَ، كَمَا يُقَال: اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأَْمْرُ أَيِ اخْتَلَطَ وَالْتَبَسَ لِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ أَهَمُّهَا الشَّكُّ، فَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُمَا - إِذًا - سَبَبِيَّةٌ حَيْثُ يُعَدُّ الشَّكُّ سَبَبًا هَامًّا مِنْ أَسْبَابِ الاِشْتِبَاهِ. كَمَا قَدْ يَكُونُ الاِشْتِبَاهُ سَبَبًا لِلشَّكِّ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط (يقن) والفروق في اللغة ص ٧٢، نشر الدار العربية للكتاب، تونس ١٩٨٣، والكليات للكفوي ٥ / ١١٦.
(٢) المحصول ١ / ٩٩ وما بعدها، ونهاية السول ١ / ٣٩، ٤٠.
(٣) الفروق في اللغة ص ٧٣، وشرح القواعد الفقهية ص ٣٥.
(٤) راجع مصطلح (اشتباه) بالموسوعة الفقهية ٤ / ٢٩٠ وما بعدها.
ج - الظَّنُّ:
٤ - الظَّنُّ مَصْدَرُ ظَنَّ مِنْ بَابِ قَتَل وَهُوَ خِلاَفُ الْيَقِينِ، وَيُطْلَقُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى الطَّرَفِ الرَّاجِحِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ (١) . وَقَدْ يُسْتَعْمَل مَجَازًا بِمَعْنَى الْيَقِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ (٢)﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لاَ يُفَرِّقُونَ غَالِبًا بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ.
د - الْوَهْمُ:
٥ - الْوَهْمُ مَصْدَرُ وَهِمَ وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ طَرَفُ الْمَرْجُوحِ مِنْ طَرَفَيِ الشَّكِّ (٣) . وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْحَمَوِيُّ - نَقْلًا عَنْ مُتَأَخِّرِي الأُْصُولِيِّينَ - حَيْثُ قَال: الْوَهْمُ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَضْعَفُ مِنَ الآْخَرِ (٤) .
وَالْمُتَأَكِّدُ أَنَّهُ لاَ يَرْتَقِي لإِحْدَاثِ اشْتِبَاهٍ (٥) . " إِذْ لاَ عِبْرَةَ لِلتَّوَهُّمِ (٦) ". وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ اسْتِنَادًا
_________
(١) غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر ١ / ١٩٣، ٢٠٤، والمحصول للرازي ١ / ١٠١، ونهاية السول للأسنوي ١ / ٤٠، والكليات للكفوي ٣ / ٦٣، والمصباح المنير للفيومي.
(٢) سورة البقرة / ٤٦.
(٣) المحصول ١ / ١٠١، ونهاية السول ١ / ٤٠، وغمز عيون البصائر على الأشباه ١ / ١٩٣، ٢٠٤، والكليات ٣ / ٦٣، والمصباح المنير.
(٤) غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١٩٣.
(٥) الموسوعة الفقهية ٤ / ٢٩١.
(٦) مجلة الأحكام العدلية المادة ٧٤.
عَلَى وَهْمٍ، وَلاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشَّيْءِ الثَّابِتِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ بِوَهْمٍ طَارِئٍ (١) .
أَقْسَامُ الشَّكِّ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الأَْصْل الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ:
٦ - يَنْقَسِمُ الشَّكُّ - إِجْمَالًا - بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ.
الْقِسْمُ الأَْوَّل: شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ حَرَامٍ مِثْل أَنْ يَجِدَ الْمُسْلِمُ شَاةً مَذْبُوحَةً فِي بَلَدٍ يَقْطُنُهُ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ فَلاَ يَحِل لَهُ الأَْكْل مِنْهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا ذَكَاةُ مُسْلِمٍ، لأَِنَّ الأَْصْل فِيهَا الْحُرْمَةُ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الذَّكَاةِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا، فَلَوْ كَانَ مُعْظَمُ سُكَّانِ الْبَلَدِ مُسْلِمِينَ جَازَ الإِْقْدَامُ عَلَيْهَا وَالأَْكْل مِنْهَا عَمَلًا بِالْغَالِبِ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّيَّةِ (٢) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ مَاءً مُتَغَيِّرًا فَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْهُ مَعَ احْتِمَال أَنْ يَكُونَ تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ، أَوْ طُول مُكْثٍ، أَوْ كَثْرَةِ وُرُودِ السِّبَاعِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اسْتِنَادًا إِلَى أَنَّ الأَْصْل طَهَارَةُ الْمِيَاهِ (٣) . مَعَ
_________
(١) القواعد الفقهية ص ٣٧٨ - دار القلم. دمشق ط ١ - ١٤٠٦ هـ.
(٢) غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر لابن نجيم جـ ١ ص ١٩٣، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١ / ٢٢. المطبعة الأزهرية. مصر سنة ١٣٢٨ هـ.
(٣) المصدرين السابقين، وانظر: بدائع الصنائع ١ / ٧٣، دار الكتاب العربي بيروت، ومواهب الجليل (بهامشه التاج والإكليل) ١ / ٦٤ - ٦٥ - ٥٣.
الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفِ الْمُؤْمِنِينَ تَجَشُّمَ الْبَحْثِ لِلْكَشْفِ عَنْ طَهَارَتِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ، حَيْثُ وَرَدَ فِي الأَْثَرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا فَقَال عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَل تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَال عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لاَ تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا (١) .
وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَفْسَهُ كَانَ مَارًّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ فَسَقَطَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ مِيزَابٍ، فَقَال صَاحِبُهُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ مَاؤُكَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ؟ فَقَال عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ لاَ تُخْبِرْنَا، وَمَضَى (٢) .
فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَاءٌ طَاهِرٌ وَمَاءٌ نَجِسٌ تَحَرَّى، فَمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى طَهَارَتِهِ تَوَضَّأَ بِهِ (٣) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: شَكٌّ لاَ يُعْرَفُ أَصْلُهُ مِثْل التَّعَامُل مَعَ شَخْصٍ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ دُونَ تَمْيِيزٍ
_________
(١) المنتقى ١ / ٦٢، وإغاثة اللهفان ص ٨٢، مصر سنة ١٣٢٠ هـ. وأثر عمر بن الخطاب: خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص. أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٢٣ - ٢٤ - ط الحلبي) .
(٢) المصدر السابق.
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ١ / ٨٦. دار القلم. عمان ط ١.
لِهَذَا مِنْ ذَاكَ لاِخْتِلاَطِ النَّوْعَيْنِ مَعًا اخْتِلاَطًا يَصْعُبُ تَحْدِيدُهُ، فَمِثْل هَذَا الشَّخْصِ لاَ تَحْرُمُ مُبَايَعَتُهُ وَلاَ التَّعَامُل مَعَهُ لإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَابِل حَلاَلًا طَيِّبًا، وَلَكِنْ رَغْمَ هَذَا الاِحْتِمَال فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّعَامُل مَعَهُ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ (١) . كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّ " الْمَشْكُوكَ فِي وُجُوبِهِ لاَ يَجِبُ فِعْلُهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ بَل يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ احْتِيَاطًا (٢) ".
أَقْسَامُ الشَّكِّ بِحَسَبِ الإِْجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَإِلْغَائِهِ:
٧ - ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الشَّكَّ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ كَالشَّكِّ فِي الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيْتَةِ، فَالْحُكْمُ تَحْرِيمُهُمَا مَعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مُجْمَعٌ عَلَى إِلْغَائِهِ، كَمَنْ شَكَّ هَل طَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَلاَ شَيْءَ. عَلَيْهِ، وَشَكُّهُ يُعْتَبَرُ لَغْوًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَعْلِهِ سَبَبًا، كَمَنْ شَكَّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لاَ؟ فَقَدِ اعْتَبَرَهُ مَالِكٌ دُونَ الشَّافِعِيِّ. وَمَنْ شَكَّ هَل طَلَّقَ ثَلاَثًا أَمِ اثْنَتَيْنِ؟ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلْقَةَ
_________
(١) غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر ١ / ١٩٣.
(٢) وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١ / ٢٢، القواعد الفقهية للندوي ص ٢١٨.
الْمَشْكُوكَ فِيهَا خِلاَفًا لِلشَّافِعِيِّ (١) وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
الشَّكُّ لاَ يُزِيل الْيَقِينَ، أَوِ " الْيَقِينُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ " أَوْ " لاَ شَكَّ مَعَ الْيَقِينِ ":
٨ - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ - عَلَى اخْتِلاَفِ تَرَاكِيبِهَا - مِنْ أُمَّهَاتِ الْقَوَاعِدِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ وَقَدْ قِيل: إِنَّهَا تَدْخُل فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَالْمَسَائِل الْمُخَرَّجَةُ عَنْهَا مِنْ عِبَادَاتٍ وَمُعَامَلاَتٍ تَبْلُغُ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِ عِلْمِ الْفِقْهِ (٢) .
الشَّكُّ فِي الْمِيرَاثِ:
٩ - الْمِيرَاثُ اسْتِحْقَاقٌ وَكُل اسْتِحْقَاقٍ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِثُبُوتِ أَسْبَابِهِ وَتَوَفُّرِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، وَهَذِهِ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِيَقِينٍ، فَلاَ يُتَصَوَّرُ مَثَلًا ثُبُوتُ الاِسْتِحْقَاقِ بِالشَّكِّ فِي طَرِيقِهِ وَبِالتَّالِي لاَ يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ بِالشَّكِّ (٣) .
الشَّكُّ فِي الأَْرْكَانِ:
١٠ - أَرْكَانُ الشَّيْءِ هِيَ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى تَوَفُّرِ شُرُوطِهَا (٤) . وَأَرْكَانُ أَيِّ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ يُرَادُ بِهَا فَرَائِضُهَا الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا إِذْ
_________
(١) الفروق ١ / ٢٢٥، ٢٢٦ (دار إحياء الكتب ط ١ س ١٣٤٤ هـ) .
(٢) غمز عيون البصائر على الأشباه ١ / ١٩٤.
(٣) راجع: شرح السراجية للجرجاني ١ / ٢١٩. مطبعة الحلبي بمصر سنة ١٣٦٣ هـ ١٩٤٤ م.
(٤) المصباح المنير.
لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْفَرْضِ إِلاَّ فِي الْحَجِّ حَيْثُ تَتَمَيَّزُ الأَْرْكَانُ فِيهِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالْفُرُوضِ بِعَدَمِ جَبْرِهَا بِالدَّمِ (١) .
فَمَنْ شَكَّ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعِبَادَةِ أَوْ فِي فَرْضٍ مِنْ فَرَائِضِهَا، هَل أَتَى بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ الْمُحَقَّقِ عِنْدَهُ، وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ سَجْدَتَيْنِ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ قَدْ فَعَل مَا شَكَّ فِيهِ، فَيَكُونَ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَحْضُ زِيَادَةٍ، وَقَال ابْنُ لُبَابَةَ: يَسْجُدُ قَبْل السَّلاَمِ، وَفِي غَلَبَةِ الظَّنِّ هُنَا قَوْلاَنِ دَاخِل الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ: مِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهَا كَالشَّكِّ وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهَا كَالْيَقِينِ (٢) .
وَفِيمَا تَقَدَّمَ يَقُول الشَّيْخُ ابْنُ عَاشِرٍ - صَاحِبُ الْمُرْشِدِ الْمُعِينِ:
مَنْ شَكَّ فِي رُكْنٍ بَنَى عَلَى الْيَقِينْ
وَلْيَسْجُدُوا الْبَعْدِيَّ لَكِنْ قَدْ يَبِينْ (٣)
.
قَال الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ مَيَّارَةَ: وَيُقَيَّدُ كَلاَمُ صَاحِبِ هَذَا النَّظْمِ بِغَيْرِ الْمُوَسْوِسِ أَوْ كَالْمُسْتَنْكَحِ لأَِنَّ هَذَا لاَ يَعْتَدُّ بِمَا شَكَّ فِيهِ،
_________
(١) الدر الثمين والمورد المعين في شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين (ميارة الكبرى) ٢ / ١١٤ (بهامشه: شرح خطط السداد) .
(٢) ميارة الكبرى ٢ / ٣٢، ٣٣، وميارة الصغرى ص ٤٦ مطبعة التقدم بمصر ط ٣ سنة ١٣٣٢ هـ.
(٣) المرشد المعين على الضروري من علوم الدين ص ١٤. (المطبعة العلمية بتونس ط ٤ سنة ١٣٤٥ هـ) .
وَشَكُّهُ كَالْعَدَمِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ، فَإِذَا شَكَّ هَل صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الأَْرْبَعِ وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ (١) .
وَإِجْمَالًا فَإِنَّ الشَّكَّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُسْتَنْكِحٌ: أَيْ يَعْتَرِي صَاحِبَهُ كَثِيرًا وَهُوَ كَالْعَدَمِ لَكِنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلاَمِ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ: وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ مُدَّةٍ وَحُكْمُهُ وُجُوبُ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ، وَأَنَّ السَّهْوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: مُسْتَنْكِحٌ وَغَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ (٢) .
رَاجِعْ مُصْطَلَحَ (سَهْوٌ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَإِنَّ مَنْ شَكَّ فِي جُلُوسِهِ هَل كَانَ فِي الشَّفْعِ أَوْ فِي الْوَتْرِ؟ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ أَضَافَ رَكْعَةَ الْوَتْرِ إِلَى رَكْعَتَيِ الشَّفْعِ مِنْ غَيْرِ سَلاَمٍ فَيَصِيرُ قَدْ صَلَّى الشَّفْعَ ثَلاَثًا، وَمِنْ هُنَا طُولِبَ بِالسُّجُودِ بَعْدَ السَّلاَمِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: أَيْ مَسْأَلَةَ الشَّكِّ فِي الرُّكْنِ تَتَّفِقُ فِي الْحُكْمِ مَعَ مَسْأَلَةِ التَّحَقُّقِ مِنَ الإِْخْلاَل بِرُكْنٍ فَفِي الأُْولَى يُلْغَى الشَّكُّ وَيُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ مَعَ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلاَمِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُجْبَرُ الرُّكْنُ وَيَقَعُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلاَمِ (٣) . وَإِنَّ الَّذِي يَجْمَعُ
_________
(١) ميارة الكبرى ٢ / ٣٢، وميارة الصغرى ص ٤٦ (مختصر الدر الثمين) .
(٢) ميارة الكبرى ٢ / ٣٣ (الدر الثمين) .
(٣) ميارة الكبرى ٢ / ٣٣ (الدر الثمين) .
هَذَا كُلَّهُ هُوَ قَوْلُهُمُ: الشَّكُّ فِي النُّقْصَانِ كَتَحَقُّقِهِ (١) . وَلِذَلِكَ قَال الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَكَّ أَصَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ أَتَى بِرَابِعَةٍ أَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ أَوِ السَّعْيِ أَوْ شَكَّ هَل أَتَى بِالثَّالِثَةِ أَمْ لاَ؟ بَنَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى الْيَقِينِ (٢) . وَتُتَمِّمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَاعِدَةٌ أُخْرَى نَصُّهَا: الشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ كَتَحَقُّقِهَا (٣) . كَالشَّكِّ فِي حُصُول التَّفَاضُل فِي عُقُودِ الرِّبَا، وَالشَّكِّ فِي عَدَدِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٤) .
الشَّكُّ فِي السَّبَبِ:
١١ - السَّبَبُ لُغَةً: هُوَ الْحَبْل أَوِ الطَّرِيقُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ مِنَ الْحَبْل لِيَدُل عَلَى كُل مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى شَيْءٍ، كَقَوْلِهِ جَل ذِكْرُهُ: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَْسْبَابُ (٥» أَيِ الْعَلاَئِقُ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا سَتُوَصِّلُهُمْ إِلَى النَّعِيمِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: وَإِنْ كَانَ رِزْقُهُ فِي الأَْسْبَابِ أَيْ فِي طُرُقِ السَّمَاءِ وَأَبْوَابِهَا (٦) . وَهُوَ - فِي
_________
(١) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ١٩٧ - الرباط ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
(٢) المصدر السابق ١٩٧، ١٩٨.
(٣) نفس المصدر ص ٢٠١.
(٤) المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص ٢٠١، الفروق للقرافي ١ / ٢٢٦ الفرق ٤٤.
(٥) سورة البقرة / ١٦٦.
(٦) حديث: " وإن كان رزقه في الأسباب " أورده ابن الأثير في " النهاية (٢ / ٣٢٩ - ط الحلبي) ولم نهتد إليه في أي مصدر من المصادر الحديثية لدينا.
اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ - الأَْمْرُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرْعُ أَمَارَةً لِوُجُودِ الْحُكْمِ وَجَعَل انْتِفَاءَهُ أَمَارَةً عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ (١) .
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا فَإِنَّ السَّبَبَ لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِجَعْل الْمُشَرِّعِ لَهُ كَذَلِكَ.
وَحَتَّى يَكُونَ السَّبَبُ وَاضِحَ التَّأْثِيرِ - بِجَعْل اللَّهِ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَيَقَّنًا إِذْ لاَ تَأْثِيرَ وَلاَ أَثَرَ لِسَبَبٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالشَّكِّ فِي أَسْبَابِ الْمِيرَاثِ بِأَنْوَاعِهَا (٢) . فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ حُصُول الْمِيرَاثِ بِالْفِعْل إِذْ لاَ مِيرَاثَ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ (٣) . شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ الشَّكِّ فِي دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ أَوْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ الْعِبَادَاتِ (٤) .
وَقَدْ خَصَّصَ الْقَرَافِيُّ فَرْقًا هَامًّا مَيَّزَ فِيهِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ السَّبَبِ
_________
(١) الموافقات ١ / ١٨٧ وما بعدها.
(٢) يتوقف الإرث على ثلاثة أمور: وجود أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه، ولكن منها مبحث خاص به، فأما أسبابه المتفق عليها فهي ثلاثة: القرابة والزوجية والولاء. (التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية ص ٣١ - ٣٨ ط ٣ سنة ١٤٠٧ هـ. المملكة العربية السعودية) .
(٣) بدائع الصنائع ٣ / ٢١٧، ٢١٨، مواهب الجليل ٦ / ٦٢٣، ٦٢٤، التاج والإكليل ٦ / ٦٢٣ - ٦٢٤.
(٤) جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ١ / ٣٣، كشاف القناع ١ / ١٧٧، (بهامشه منتهى الإرادات) - الإقناع في فقه أحمد ابن حنبل ١ / ٨٤، ٨٥.