الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ؟ قَال: أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا (١)؟ .
١١ - وَضِدُّ شُكْرِ النِّعَمِ الْكُفْرَانُ بِهَا، وَهُوَ غَيْرُ الْكُفْرِ الْمُخْرِجِ عَنِ الْمِلَّةِ، وَيُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ " كُفْرُ النِّعْمَةِ ".
فَمِنْ وُجُوهِ الْكُفْرِ بِهَا أَنْ لاَ يَعْرِفَ النِّعْمَةَ، أَوْ أَنْ يَبْخَسَهَا حَقَّهَا مِنَ التَّقْدِيرِ.
وَمِنْهَا أَنْ يُنْكِرَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَنْسِبَهَا إِلَى غَيْرِ الْمُتَفَضِّل بِهَا كَمَا يَفْعَل أَهْل الشِّرْكِ إِذْ يَشْكُرُونَ أَنْدَادَهُمْ وَأَصْنَامَهُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: مَنْ قَال مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ (٢) .
وَمِنْهَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ حَصَّل مَا حَصَّل مِنَ النِّعَمِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، أَوْ كَمَا قَال قَارُونُ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (٣)﴾ .
وَمِنْهَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَا حَصَل لَهُ مِنَ النِّعَمِ حَصَل بِاسْتِحْقَاقٍ لَهُ عَلَى اللَّهِ، لاَ مِنْ فَضْل اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: تَرْكُ الثَّنَاءِ بِهَا عَلَى الْمُنْعِمِ بِهَا وَتَرْكُ
_________
(١) حديث: " أفلا أكون عبدًا شكورًا ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٤ - ط. السلفية)، ومسلم (٤ / ٢١٧١ - ط. الحلبي) .
(٢) الحديث القدسي: " من قال: مطرنا بنوء كذا. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٢٢ - ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٨٤ - ط. الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني.
(٣) سورة القصص / ٧٨.
التَّحَدُّثِ بِهَا، وَكَذَلِكَ كِتْمَانُهَا بِحَيْثُ لاَ يَرَاهَا النَّاسُ لِحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ (١) .
وَقَيَّدَ الْحَلِيمِيُّ هَذَا بِأَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ احْتِيَاطٌ لِنَفْسِهِ.
وَمِنْهَا: التَّعَالِي بِهَا عَلَى سَائِرِ عِبَادِ اللَّهِ وَالزَّهْوُ وَالْمُكَاثَرَةُ وَالْبَغْيُ وَالْمُفَاخَرَةُ.
وَمِنْهَا: اسْتِعْمَالُهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْعُ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا (٢) .
الشُّكْرُ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ:
١٢ - يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ لَفْظًا بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُل الأَْكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا (٣) وَفِيهِ الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ (٤) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ اسْتِحْبَابُ أَذْكَارٍ بِصِيَغٍ
_________
(١) حديث: " أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " أخرجه الترمذي (٥ / ١٢٤ - ط. الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: " حديث حسن ".
(٢) المنهاج في شعب الإيمان ٢ / ٥٤٦ - ٥٤٧، وإحياء علوم الدين ٤ / ٨٧، ١٢٠.
(٣) حديث: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة. . . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٩٠٥ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٤) حديث: " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٥٣ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن غريب ".
مُعَيَّنَةٍ فِيهَا التَّحْمِيدُ عِنْدَ حُصُول نِعَمٍ مُعَيَّنَةٍ وَلِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَحْمِيدٌ) (وَذِكْرٌ) .
وَيَكُونُ الشُّكْرُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِفِعْل قُرْبَةٍ مِنَ الْقُرَبِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ يَتَصَدَّقَ مَعَ سُجُودِ الشُّكْرِ أَوْ دُونَهُ (١) .
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ لاَ يَجُوزُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِصَلاَةٍ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ (٢) .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً أَوْ يَصْنَعَ دَعْوَةً، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الدَّعَوَاتِ الَّتِي تُصْنَعُ لِمَا يَتَجَدَّدُ مِنَ النِّعَمِ كَالْوَكِيرَةِ الَّتِي تُصْنَعُ لِلْمَسْكَنِ الْمُتَجَدِّدِ، وَالنَّقِيعَةِ الَّتِي تُصْنَعُ لِقُدُومِ الْغَائِبِ، وَالْحُذَّاقِ وَهُوَ مَا يُصْنَعُ عِنْدَ خَتْمِ الصَّبِيِّ الْقُرْآنَ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ مُسْتَحَبَّةٌ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَيْسَ لِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ - يَعْنِي مَا عَدَا وَلِيمَةَ الْعُرْسِ وَالْعَقِيقَةَ - فَضِيلَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا، وَلَكِنْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ لِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، فَإِذَا قَصَدَ بِهَا فَاعِلُهَا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِطْعَامَ إِخْوَانِهِ، وَبَذْل طَعَامِهِ، فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ إِنْ
_________
(١) نهاية المحتاج ٢ / ٩٨، وأسنى المطالب ١ / ١٩٩، ٧٢، وروضة الطالبين ١ / ٣٢٥.
(٢) حاشية شرح المنهاج ١ / ٢٠٩.
شَاءَ اللَّهُ (١) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (دَعْوَةٌ) .
وَإِذَا نَذَرَ الإِْنْسَانُ أَنْ يَصْنَعَ الْقُرْبَةَ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ وَانْدِفَاعِ النِّقْمَةِ فَذَلِكَ نَذْرُ تَبَرُّرٍ، وَحُكْمُهُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (نَذْرٌ (٢» .
وَمِمَّا يُسَنُّ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ مِمَّا لَهُ وَقْعٌ أَنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حُصُول ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ الإِْنْسَانُ وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ الشُّكْرِ) .
ثَانِيًا: شُكْرُ الْعِبَادِ عَلَى الْمَعْرُوفِ:
١٣ - شُكْرُ الْمُنْعِمِ أَمْرٌ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُقَلاَءُ فِي اسْتِحْسَانِهِ. وَكُل مُنْعَمٍ عَلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ الشُّكْرُ لِمَنْ أَوْلاَهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لِحَدِيثِ: مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيل لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ (٣) وَحَدِيثِ: إِنَّ أَشْكَرَ النَّاسِ لِلَّهِ أَشْكَرُهُمْ لِلنَّاسِ (٤)
_________
(١) المغني ٧ / ١١، ١٢، وشرح المنهاج بهامش حاشية القليوبي ٣ / ٢٩٥.
(٢) انظر مثلًا: الجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٢٥، والمغني ٩ / ٢.
(٣) حديث: " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير " أخرجه أحمد (٤ / ٢٧٨ - ط. الميمنية) من حديث النعمان بن بشير، وإسناده حسن.
(٤) حديث: " إن أشكر الناس لله أشكرهم للناس ". أخرجه أحمد (٥ / ٢١٢ - ط. الميمنية) من حديث الأشعث بن قيس، وفي إسناده جهالة، ولكن له شواهد يتقوى بها.
وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى شَكَرَ الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ فَالْعَبْدُ أَوْلَى بِأَنْ يَشْكُرَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالشُّكْرِ لِلْوَالِدَيْنِ وَقَرَنَ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ لَهُ لِعِظَمِ فَضْلِهِمَا فَقَال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ (١)﴾ وَالشُّكْرُ بِالْفِعْل هُوَ الأَْصْل، بِأَنْ يَجْزِيَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفًا، قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ أُولِيَ نِعْمَةً فَلْيَشْكُرْهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُظْهِرْ ثَنَاءً حَسَنًا (٢) .
قَال الْحَلِيمِيُّ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أُرِيدَ بِهِ الشُّكْرُ بِالْفِعْل وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَقُل فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُظْهِرْ ثَنَاءً حَسَنًا فَإِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ فِعْلًا كَانَ الشُّكْرُ إِحْسَانًا مَكَانَ إِحْسَانٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ قَامَ الذِّكْرُ الْحَسَنُ وَالثَّنَاءُ وَالْبِشْرُ مَقَامَهُ (٣) .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلاَ أَحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ،
_________
(١) سورة لقمان / ١٤.
(٢) حديث: " من أولي نعمة فليشكرها. . . " ورد بلفظ: " من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر " أخرجه الترمذي (٤ / ٣٧٩ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وقال: " حديث حسن ".
(٣) المنهاج في شعب الإيمان ٢ / ٥٥٦.
وَأَشْرَكُونَا فِي الْمِهْنَةِ، لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَْجْرِ كُلِّهِ، فَقَال: أَمَا مَا دَعَوْتُهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ مُكَافَأَةً أَوْ شِبْهَ الْمُكَافَأَةِ (١) .
وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَال لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ (٢) .
وَمِثْلُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ (٣) وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ (٤) .
اسْتِدْعَاءُ الشُّكْرِ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ:
١٤ - إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مُسْتَحَبًّا إِلاَّ أَنَّ طَلَبَ مُسْدِي الْمَعْرُوفِ أَنْ يُشْكَرَ عَلَيْهِ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَخَاصَّةً فِيمَا مِنْ
_________
(١) حديث أنس: " أن ناسًا من المهاجرين. . . ". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦ / ٥١٣ - ط دار الكتب العلمية) وإسناده صحيح.
(٢) حديث: " من صنع إليه معروف. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٣٨٠ - ط الحلبي) من حديث أنس، وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٣) حديث: " من صنع إليكم معروفًا فكافئوه. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٣١٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (١ / ٢١٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر.
(٤) حديث: " من أعطي عطاء فوجد فليجز به " أخرجه الترمذي (٤ / ٣٧٩ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وقال: " حديث حسن غريب ".
شَأْنِهِ أَنْ يُعْمَل لِلَّهِ، وَلِذَلِكَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يُحْسِنُ إِلَى الضُّعَفَاءِ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ مِنْهُمْ شُكْرًا أَوْ جَزَاءً قَال تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا (١)﴾ قَال مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ (٢) وَلَوْ أَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى الْمَعْرُوفِ لَمْ يَحْرُمْ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ شَهِدَ لأَِبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَال لَهُ: أَوَلاَ تَحْمَدُنِي عَلَى مَا شَهِدْتَ الْحَقَّ (٣)؟
قَال الرَّازِيَّ: الإِْحْسَانُ إِلَى الْغَيْرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، إِمَّا طَلَبًا لِمُكَافَأَةٍ، أَوْ طَلَبًا لِحَمْدٍ أَوْ ثَنَاءٍ. وَتَارَةً يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ.
وَالنَّوْعُ الأَْوَّل هُوَ الْمَقْبُول عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالأَْخِيرُ هُوَ الشِّرْكُ. أهـ (٤) .
وَلَيْسَ هُوَ الشِّرْكَ الْمُخْرِجَ عَنِ الْمِلَّةِ بَل هُوَ الشِّرْكُ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ يُحْبِطُ الْعَمَل الَّذِي
_________
(١) سورة الإنسان / ٨، ٩.
(٢) تفسير ابن كثير ٤ / ٤٥٥، والقرطبي ١٩ / ١٣٠.
(٣) تفسير ابن كثير ١ / ٤٣٧.
(٤) تفسير الرازي ٣٠ / ٢٤٦.
أَشْرَكَ بِهِ، دُونَ غَيْرِهِ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَقْبَل إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا. وَأَمَّا إِذَا عَمِلَهُ طَلَبًا لِلْمُكَافَأَةِ أَوِ الْحَمْدِ فَلَهُ مَا طَلَبَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ حَرَامًا إِلاَّ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ لِلَّهِ وَيُبْطِنَ خِلاَفَ ذَلِكَ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ رِيَاءً.
فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشْكَرَ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَل مِنَ الْخَيْرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا خِلاَفًا لِمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾ فَقَدْ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ (٢) .
_________
(١) سورة آل عمران / ١٨٨.
(٢) تفسير ابن كثير ١ / ٤٣٧.
شَكٌّ
تَعْرِيفُهُ:
١ - الشَّكُّ لُغَةً: نَقِيضُ الْيَقِينِ وَجَمْعُهُ شُكُوكٌ. يُقَال شَكَّ فِي الأَْمْرِ وَتَشَكَّكَ إِذَا تَرَدَّدَ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، سَوَاءٌ اسْتَوَى طَرَفَاهُ أَوْ رَجَحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ (١) .
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ (٢)﴾ أَيْ غَيْرَ مُسْتَيْقِنٍ، وَهُوَ يَعُمُّ حَالَتَيِ الاِسْتِوَاءِ وَالرُّجْحَانِ (٣) . وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (٤) قِيل: إِنَّ مُنَاسَبَتَهُ تَرْجِعُ إِلَى وَقْتِ نُزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (٥)﴾ . حَيْثُ قَال قَوْمٌ - إِذْ ذَاكَ -
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " شَكَّ "، والكليات ٣ / ٦٢ وزارة الثقافة دمشق ونجعة الرائد ٢ / ١٩٣ منشورات المكتبة البوليسية ١٩٧٠.
(٢) سورة يونس / ٩٤.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) حديث: " نحن أحق بالشك من إبراهيم " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٠١ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ١٣٣ - ط الحلبي) .
(٥) سورة البقرة / ٢٦٠.
شَكَّ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَشُكَّ نَبِيُّنَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَاضُعًا مِنْهُ وَتَقْدِيمًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ -: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَيْ أَنَا لَمْ أَشُكَّ مَعَ أَنَّنِي دُونَهُ فَكَيْفَ يَشُكُّ هُوَ؟ (١) .
وَالشَّكُّ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: اسْتُعْمِل فِي حَالَتَيِ الاِسْتِوَاءِ وَالرُّجْحَانِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لُغَةً فَقَالُوا: مَنْ شَكَّ فِي الصَّلاَةِ، وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاَقِ، أَيْ مَنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اسْتِوَاءِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا (٢) . وَمَعَ هَذَا فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فِي جُزْئِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ (٣) . وَالشَّكُّ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: هُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ لِوُجُودِ أَمَارَتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ لِعَدَمِ الأَْمَارَةِ فِيهِمَا (٤) .
_________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ / ٤٩٥، المكتبة الإسلامية، ولسان العرب.
(٢) المصادر السابقة وغمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١٩٣، ٢٠٤، المكتبة العلمية، بيروت، ونهاية المحتاج ١ / ١١٤، والموسوعة الفقهية ٤ / ٢٩٥.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) المحصول ١ / ١٠١، لجنة البحوث بجامعة ابن سعود الإسلامية سنة ١٣٩٩ هـ، ونهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي ١ / ٤٠ (المطبعة السلفية القاهرة ١٣٤٣ هـ)، والكليات للكفوي ٣ / ٦٢ - ٦٣.