الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
لِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجِبْ إِلاَّ بِالشَّرْعِ.؟ .
فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الأَْوَّل مُعْظَمُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَصَّ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا.
وَذَهَبَ الأَْشْعَرِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْل؛ لأَِنَّ الْعَقْل لاَ مَجَال لَهُ فِي أُمُورِ الآْخِرَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (١) . وَتُنْظَرُ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
وَقَال الرَّازِيَّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢) الْمُرَادُ مِنَ الشَّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُقِرًّا مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وَمِنَ الْكَفُورِ الَّذِي لاَ يُقِرُّ بِذَلِكَ إِمَّا لأَِنَّهُ يُنْكِرُ الْخَالِقَ أَوْ لأَِنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ شُكْرِهِ (٣) .
وَالإِْكْثَارُ مِنَ الشُّكْرِ مُسْتَحَبٌّ. وَلِلشُّكْرِ مَوَاضِعُ يُنْدَبُ فِيهَا كَحَمْدِ اللَّهِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَلْبَسِ. (وَانْظُرْ: تَحْمِيدٌ) .
فَضْل الشُّكْرِ:
٦ - وَرَدَتِ الشَّرِيعَةُ بِإِثْبَاتِ فَضْل الشُّكْرِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:
أ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى فِي كِتَابِهِ عَلَى أَهْل الشُّكْرِ وَوَصَفَ بِذَلِكَ بَعْضَ خَوَاصِّ خَلْقِهِ،
_________
(١) المستصفى للغزالي ١ / ٦١، وشرح مسلم الثبوت ١ / ٤٧ مطبعة بولاق - ١٣٢٢ هـ.
(٢) سورة الإنسان / ٣.
(٣) تفسير الرازي ٣٠ / ٢٣٩.
فَقَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَِنْعُمِهِ (١)﴾ وَقَال عَنْ نُوحٍ ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٢)﴾ .
ب - إِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ الْهَدَفَ مِنْ تَفَضُّلِهِ بِالنِّعَمِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَل لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَالأَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣)﴾ وَقَال فِي شَأْنِ تَسْخِيرِهِ الأَْنْعَامَ: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤)﴾ .
ج - أَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ فَقَال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (٥)﴾ وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَعُودُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ نَفْعِ شُكْرِهِمْ بَل نَفْعُهُ لَهُمْ، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ .
د - أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِنَ النِّعَمِ، فَقَال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
_________
(١) سورة النحل / ١٢٠، ١٢١.
(٢) سورة الإسراء / ٣.
(٣) سورة النحل / ٧٨.
(٤) سورة الحج / ٣٦.
(٥) سورة آل عمران / ١٤٥.
(٦) سورة لقمان / ١٢.
لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (١)﴾
هـ - أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ شَاكِرًا شَكُورًا، بِأَنْ يَقْبَل الْعَمَل الْقَلِيل وَيُثْنِيَ عَلَى فَاعِلِهِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (٢)﴾ .
وَقَال: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣)﴾ .
وقِلَّةُ الْمُتَّصِفِينَ بِكَثْرَةِ الشُّكْرِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ (٤)﴾ قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: قِلَّةُ أَهْل الشُّكْرِ فِي الْعَالَمِينَ يَدُل عَلَى أَنَّهُمْ خَوَاصُّ اللَّهِ تَعَالَى.
ز - مَا وَرَدَ مِنْ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ أَنْ يُلْهِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى شُكْرَ نِعَمِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا كَقَوْل سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ (٥)﴾ وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا (٦) وَأَوْصَى مَنْ يُحِبُّهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى شُكْرِهِ فَقَال: ﴿
_________
(١) سورة إبراهيم / ٧.
(٢) سورة البقرة / ١٥٨.
(٣) سورة الشورى / ٢٣.
(٤) سورة سبأ / ١٣.
(٥) سورة النمل / ١٩.
(٦) حديث: " رب اجعلني لك شكارًا ". أخرجه الترمذي (٥ / ٥٥٤ - ط. الحلبي) من حديث ابن عباس، وقال: " حديث حسن صحيح ".
يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأَُحِبُّكَ. . أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُل صَلاَةٍ تَقُول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ (١) .
ح - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ الشُّكْرَ بِالصَّبْرِ فَقَال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآِيَاتٍ لِكُل صَبَّارٍ شَكُورٍ (٢)﴾ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَالشُّكْرُ عَلَى النِّعَمِ أَوْ زَوَال النِّقَمِ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ زَوَال النِّعَمِ أَوْ حُلُول الْبَلاَءِ. وَلأَِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الطَّاعَةِ عَيْنُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا (٣) .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: الإِْيمَانُ نِصْفَانِ فَنِصْفٌ فِي الصَّبْرِ وَنِصْفٌ فِي الشُّكْرِ (٤) وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مَوْقُوفًا (٥) .
مَا يَكُونُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ:
وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
٧ - الأَْوَّل: الشُّكْرُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي
_________
(١) حديث: " يا معاذ، والله إني لأحبك. . . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٨١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٣ / ٢٧٣ - ٢٧٤ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) سورة إبراهيم / ٥.
(٣) مدارج السالكين ٢ / ٢٤٣.
(٤) حديث: " الإيمان نصفان، فنصف في الصبر ونصف في الشكر ". أخرجه البيهقي في الشعب كما في الجامع الصغير للسيوطي (٣ / ١٨٨ - بشرحه الفيض، ط المكتبة التجارية)، وقال المناوي: " فيه يزيد الرقاشي، قال الذهبي وغيره: متروك ".
(٥) تفسير القرطبي عند الآية (٥) من سورة إبراهيم.
أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الشَّاكِرِ، وَالْعَبْدُ فِي كُل أَحْوَالِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ نَبَّهَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (١)﴾ وَكَثِيرٌ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَارِدَةٌ فِي تَعْدَادِ تِلْكَ النِّعَمِ بِالتَّفْصِيل، وَفِي لَفْتِ الأَْنْظَارِ إِلَى وُجُوهِ اللُّطْفِ فِيهَا، وَإِلَى الاِعْتِبَارِ بِهَا، وَبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَضَعَهَا لِيَبْتَلِيَ بِهَا الإِْنْسَانَ هَل يَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ.
فَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ خَلْقِ الأَْرْضِ فِرَاشًا وَالسَّمَاءِ بِنَاءً وَالشَّمْسِ ضِيَاءً وَالْقَمَرِ نُورًا وَتَقْدِيرِ الأَْقْوَاتِ فِي الأَْرْضِ وَإِنْزَال الْمَطَرِ مِنَ السَّمَاءِ شَرَابًا وَإِنْبَاتِ الزَّرْعِ فِيهَا وَسَائِرِ مَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُ الإِْنْسَانِ، وَخَلْقِ الأَْنْعَامِ وَمَا جَعَلَهُ فِيهَا لِلنَّاسِ مِنْ مَنَافِعَ مِنْ لَحْمِهَا وَلَبَنِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَرُكُوبِهَا وَالتَّجَمُّل بِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ خَلْقِ الإِْنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَخَلْقِ الأَْسْمَاعِ وَالأَْبْصَارِ وَالأَْفْئِدَةِ لِتَكُونَ وَسَائِل لِلإِْدْرَاكِ، وَتَعْلِيمِ الإِْنْسَانِ الْبَيَانَ.
وَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ إِرْسَال الرُّسُل وَإِنْزَال الْكُتُبِ وَالدَّلاَلَةِ عَلَى طُرُقِ الإِْيمَانِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا نِعَمٌ عَامَّةٌ لَمْ يُخَصَّ بِهَا مُؤْمِنٌ مِنْ كَافِرٍ (٢) .
_________
(١) سورة النحل / ٥٣.
(٢) عقد كل من الحليمي والغزالي فصلًا لبيان النعم وتعداد أصنافها ووجوهها كمقدمة لبيان أحكام الشكر، انظر المنهاج ٢ / ٥١٩ - ٥٤٤، والإحياء ٤ / ٩٦ - ١١٩.
وَمِنْهَا نِعَمٌ خَاصَّةٌ وَأَعْظَمُهَا التَّوْفِيقُ لِلإِْيمَانِ وَالاِهْتِدَاءُ لِلْحَقِّ وَالتَّيْسِيرُ لِلْعَمَل الصَّالِحِ، لأَِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْخَلاَصِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الآْخِرَةِ وَالتَّحْصِيل لِنِعَمِ اللَّهِ فِيهَا.
قَال الْحَلِيمِيُّ: وَأَوْلَى النِّعَمِ بِالشُّكْرِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ بِالإِْيمَانِ وَالإِْرْشَادِ إِلَى الْحَقِّ، وَالتَّوْفِيقِ لِقَبُولِهِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي لَيْسَ بِتَابِعٍ لِمَا سِوَاهُ، وَكُل غَرَضٍ سِوَاهُ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَالتَّيْسِيرُ لَهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ لَهَا بِالاِنْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِي وَإِتْبَاعِ الإِْيمَانِ حُقُوقَهُ؛ لأَِنَّ الإِْيمَانَ بِاللَّهِ عَهْدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَلِكُل عَهْدٍ وَفَاءٌ. وَكُل عِبَادَةٍ تَتْلُو الإِْيمَانَ مِنْ فِعْل شَيْءٍ فَهُوَ شُكْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّيْسِيرُ لِكُل شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ يَجِبُ شُكْرُهَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ (١) .
٨ - النَّوْعُ الثَّانِي: الشُّكْرُ عَلَى دَفْعِ النِّقَمِ سَوَاءٌ انْدَفَعَتْ عَنْهُ أَوْ عَنْ نَحْوِ وَلَدِهِ أَوْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ كَذَهَابِ مَرَضٍ أَوِ انْحِسَارِ طَاعُونٍ أَوْ عَدُوٍّ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُخْشَى ضَرَرُهُ كَغَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ وَمِنْهُ قَوْل أَهْل الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٢)﴾ .
_________
(١) المنهاج في شعب الإيمان ٢ / ٥٥٤.
(٢) سورة فاطر / ٣٤.
وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَال لَهُ جِبْرِيل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ (١) .
وَإِذَا رَأَى السَّلِيمُ مُبْتَلًى فِي عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ، سُنَّ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْعَافِيَةِ (٢)، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ (٣) .
وَوَرَدَ أَنَّ السَّلِيمَ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ (٤) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
الشُّكْرُ عِنْدَ الْمَكْرُوهَاتِ مِنَ الْبَلْوَى وَالْمَصَائِبِ وَالآْلاَمِ:
٩ - وَهُوَ مَشْرُوعٌ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَال اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُول: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ:
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ ليلة أسري به أتي بقدحين من خمر ولبن ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٣٩١ - ط. السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٩٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٩٩، وأسنى المطالب ١ / ١٩٩، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٩٠، والأذكار للنووي ص ١٠٤.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ سجد لرؤية زمن ". أخرجه البيهقي (٢ / ٣٧١ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وأعله بالإرسال.
(٤) حديث: " الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ". أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٩ / ٣٩١ - ٣٩٢ - ط. السلفية) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن غريب ".
نَعَمْ. فَيَقُول: مَاذَا قَال عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُول اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ (١) .
وَوَجْهُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا مَا فِيهَا مِنْ تَكْفِيرِ الْخَطَايَا وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَمَا فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا مِنَ الأَْجْرِ.
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ: يَكُونُ الشُّكْرُ كَظْمًا لِلْغَيْظِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَسَتْرًا لِلشَّكْوَى، وَرِعَايَةً لِلأَْدَبِ، وَسُلُوكًا لِمَسْلَكِ الْعِلْمِ، لأَِنَّهُ شَاكِرٌ لِلَّهِ شُكْرَ مَنْ رَضِيَ بِقَضَائِهِ (٢) .
وَلِذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَرِيضِ إِنْ سُئِل عَنْ حَالِهِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الشَّكْوَى إِلَى طَبِيبٍ. قَالُوا: لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: إِذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْل الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍ (٣) قَال الْبُهُوتِيُّ: وَكَانَ
_________
(١) حديث: " إذا مات ولد العبد. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٣٢ - ط. الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب ".
(٢) مدارج السالكين ٢ / ٢٥٤، وإحياء علوم الدين ٤ / ١٢٥ - ١٢٩.
(٣) حديث: " إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك ". أورده القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١ / ١٥١ - ١٥٢ - ط. مطبعة الاعتدال بدمشق) من طريق بشر بن الحارث الذي ذكره بإسناده.
أَحْمَدُ أَوَّلًا يَحْمَدُ اللَّهَ فَقَطْ فَلَمَّا دَخَل عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ طَبِيبُ السُّنَّةِ وَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ صَارَ إِذَا سَأَلَهُ قَال: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، أَجِدُ كَذَا وَكَذَا (١) .
مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:
١٠ - يَتَحَقَّقُ شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ بِأُمُورٍ:
أَوَّلُهَا: مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ، بِأَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا نِعْمَةٌ، وَيَعْرِفَ قَدْرَهَا وَيَعْرِفَ وَجْهَ كَوْنِهَا نِعْمَةً وَيَسْتَحْضِرَهَا فِي الذِّهْنِ وَيُمَيِّزَهَا، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تُحْسِنُ إِلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَدْرِي. وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (٢) .
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِاللَّهِ، أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ النِّعَمَ مِنْهُ، لَمْ يُتَصَوَّرْ شُكْرُهُ لَهُ، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ أَحَبَّهُ عَلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ: قَبُول النِّعْمَةِ بِإِظْهَارِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَمَعْرِفَةِ أَنَّ وُصُولَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنَ الْعَبْدِ وَلاَ بَذْل ثَمَنٍ بَل
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٧٩.
(٢) حديث: " انظروا إلى من هو أسفل منكم. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٧٥ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة.
بِمَحْضِ فَضْل اللَّهِ تَعَالَى.
وَالرَّابِعُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُنْعِمِ بِهَا، وَعَدَمُ كِتْمَانِهَا فَإِنَّ كِتْمَانَهَا كُفْرَانٌ لَهَا، وَالثَّنَاءُ إِمَّا عَامٌّ كَوَصْفِهِ تَعَالَى بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْبِرِّ وَالإِْحْسَانِ، وَإِمَّا خَاصٌّ وَهُوَ التَّحَدُّثُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وَإِسْنَادُ التَّفَضُّل بِهَا إِلَى الْمُنْعِمِ بِهَا، وَحَمْدُهُ عَلَيْهَا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١)﴾ وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ (٢) .
وَالْخَامِسُ: تَرْكُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا يَكْرَهُهُ الْمُنْعِمُ بِهَا، وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِيهِ فِيهَا (٣) .
وَالسَّادِسُ: فِعْل الطَّاعَاتِ شُكْرًا عَلَى النِّعَمِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً. . .﴾ الآْيَةَ (٤) وَوَرَدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ. فَقِيل يَا رَسُول اللَّهِ:
_________
(١) سورة الضحى / ١١.
(٢) حديث: " التحدث بنعمة الله شكر ". أخرجه أحمد (٤ / ٢٧٨ - ط. الميمنية) من حديث النعمان بن بشير، وإسناده حسن.
(٣) مدارج السالكين ٢ / ٢٤٤، ٢٤٧ - ٢٥٨، والمنهاج في شعب الإيمان ٢ / ٥٤٥، ٥٤٦، وإحياء علوم الدين ٤ / ٧٩ نشر مصطفى الحلبي، ١٣٥٨ هـ.
(٤) سورة البقرة ٢١، ٢٢.