الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
شَفَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الشَّفَةُ فِي اللُّغَةِ وَاحِدَةُ الشَّفَتَيْنِ، وَهُمَا طَبَقَا الْفَمِ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ، لأَِنَّ تَصْغِيرَهَا شُفَيْهَةٌ. وَقِيل: أَصْلُهَا شَفْوٌ. قَال الْفَيُّومِيُّ نَقْلًا عَنِ الأَْزْهَرِيِّ: تُجْمَعُ الشَّفَةُ عَلَى شَفَهَاتٍ وَشَفَوَاتٍ، وَالْهَاءُ أَقْيَسُ، وَالْوَاوُ أَعَمُّ.
وَلاَ تَكُونُ الشَّفَةُ إِلاَّ مِنَ الإِْنْسَانِ، أَمَّا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ فَتُسْتَعْمَل فِيهَا كَلِمَاتٌ أُخْرَى، كَالْمِشْفَرِ لِذِي الْخُفِّ، وَالْجَحْفَلَةِ لِذِي الْحَافِرِ، وَالْمِنْسَرِ وَالْمِنْقَارِ لِذِي الْجَنَاحِ، وَهَكَذَا (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ الشَّفَةُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، أَيْ: طَبَقَةُ الْفَمِ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَقَدْ حَدَّهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهَا فِي عَرْضِ الْوَجْهِ إِلَى الشِّدْقَيْنِ، وَقِيل مَا يَرْتَفِعُ عِنْدَ انْطِبَاقِ
_________
(١) متن اللغة والمصباح المنير ولسان العرب.
الْفَمِ. وَفِي الطُّول إِلَى مَا يَسْتُرُ اللِّثَةَ (١) .
وَالثَّانِي: شِرْبُ بَنِي آدَمَ وَالْبَهَائِمِ بِالشِّفَاهِ دُونَ سَقْيِ الزَّرْعِ (٢) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذَا أَصْلُهُ. وَالْمُرَادُ اسْتِعْمَال بَنِي آدَمَ لِدَفْعِ الْعَطَشِ أَوْ لِلطَّبْخِ أَوِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل أَوْ غَسْل الثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ الْبَهَائِمِ الاِسْتِعْمَال لِلْعَطَشِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنَاسِبُهَا (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الشِّرْبُ:
٢ - الشِّرْبُ لُغَةً: نَصِيبٌ مِنَ الْمَاءِ، وَشَرْعًا: نَوْبَةُ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَاءِ سَقْيًا لِلزِّرَاعَةِ وَالدَّوَابِّ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٤) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالشَّفَةُ أَخَصُّ مِنَ الشِّرْبِ لاِخْتِصَاصِهَا بِالْحَيَوَانِ دُونَهُ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلًا: حُكْمُ الشَّفَةِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل: (عُضْوِ الإِْنْسَانِ):
٣ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِالشَّفَةِ بِهَذَا
_________
(١) شرح المنهج مع حاشية الجمل ٥ / ٦٦، وانظر كشاف القناع ٦ / ٤٠.
(٢) نتائج الأفكار والعناية على الهداية ٨ / ١٤٤، وابن عابدين ٥ / ٢٨١.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٨١.
(٤) سورة الشعراء / ١٥٥.
(٥) الاختيار ٣ / ٦٩، وابن عابدين ٥ / ٢٨١.
الْمَعْنَى فِي مَوْضُوعَيْنِ: غَسْلِهَا حِينَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل: وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بِالْقَطْعِ أَوْ إِذْهَابِ الْمَنَافِعِ.
أ - غَسْل الشَّفَتَيْنِ حِينَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الشَّفَتَيْنِ، أَيْ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ انْضِمَامِهِمَا ضَمًّا طَبِيعِيًّا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ جُزْءٌ مِنَ الْوَجْهِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) .
أَمَّا مَا يَنْكَتِمُ عِنْدَ الاِنْضِمَامِ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْفَمِ، فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) بَل يُسَنُّ. وَكَذَلِكَ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ غَسْل الْفَمِ وَالأَْنْفِ فَرْضٌ فِي الْغُسْل (٣) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفَمَ وَالأَْنْفَ مِنَ الْوَجْهِ فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ: الصُّغْرَى (الْوُضُوءِ) وَالْكُبْرَى (الْغُسْل (٤» .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (غُسْلٌ، مَضْمَضَةٌ، وُضُوءٌ) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤، جواهر الإكليل على مختصر خليل ١ / ١٤، والإقناع ١ / ٣٨، وكشاف القناع ١ / ٩٦.
(٢) سورة المائدة / ٦.
(٣) ابن عابدين ١ / ١٠٢، والهندية ١ / ٤، والدسوقي ١ / ٩٧، ١٣٦، ونهاية المحتاج ١ / ٢٨٠.
(٤) كشاف القناع ١ / ٩٦، والمغني ١ / ١١٨.
ب - الْجِنَايَةُ عَلَى الشَّفَتَيْنِ:
٥ - الْجِنَايَةُ عَلَى الشَّفَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ عَمْدًا يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُسَاوَاةِ. (ر: قِصَاصٌ) .
أَمَّا إِذَا كَانَتْ خَطَأً فَفِي قَطْعِ كِلْتَا الشَّفَتَيْنِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ (١) .
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فِي قَطْعِ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ؛ لأَِنَّ الْعُضْوَيْنِ إِذَا وَجَبَتْ فِيهِمَا دِيَةٌ فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (٢) .
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ فِي الشَّفَةِ الْعُلْيَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي السُّفْلَى الثُّلُثَانِ؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعْظَمُ، لأَِنَّهَا هِيَ الَّتِي تَتَحَرَّكُ وَتَحْفَظُ الرِّيقَ وَالطَّعَامَ (٣) .
وَكَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي قَطْعِ الشَّفَتَيْنِ تَجِبُ كَذَلِكَ فِي إِذْهَابِ مَنَافِعِهِمَا، بِأَنْ ضَرَبَ
_________
(١) حديث عمرو بن حزم: " وفي الشفتين الدية ". أخرجه النسائي (٨ / ٥٨ - ٥٩ - ط. المكتبة التجارية)، وخرجه ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧ - ١٨ - ط. شركة الطباعة الفنية) . وتكلم على أسانيده، ونقل تصحيحه عن جماعة من العلماء.
(٢) الاختيار ٥ / ٣١، والبدائع ٧ / ٣٠٨، وروضة الطالبين ٩ / ١٨٢، والزيلعي ٦ / ١٢٩، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٥ / ٥٤٩.
(٣) المغني لابن قدامة ٨ / ١٤.
الشَّفَتَيْنِ فَأَشَلَّهُمَا، أَوْ تَقَلَّصَتَا فَلَمْ تَنْطَبِقَا عَلَى الأَْسْنَانِ (١) .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي: (دِيَاتٌ) .
ثَانِيًا: الشَّفَةُ بِمَعْنَى الشِّرْبِ:
٦ - تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ لِحُكْمِ الشَّفَةِ بِمَعْنَى شِرْبِ الإِْنْسَانِ وَالْبَهَائِمِ بِالشِّفَاهِ عِنْدَ بَيَانِ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ،
وَقَدْ قَسَمَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْمِيَاهَ بِاعْتِبَارِ الشِّرْبِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، قَال الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ:
الْمِيَاهُ أَنْوَاعٌ: الأَْوَّل مَاءُ الْبَحْرِ، وَهُوَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ الاِنْتِفَاعُ بِهِ بِالشَّفَةِ وَسَقْيِ الأَْرَاضِيِ وَشَقِّ الأَْنْهَارِ، لاَ يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَالاِنْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْهَوَاءِ.
وَالثَّانِي: الأَْوْدِيَةُ وَالأَْنْهَارُ الْعِظَامُ كَجَيْحُونَ وَسَيَحُونَ وَالنِّيل وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ. فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فِي الشَّفَةِ وَسَقْيِ الأَْرَاضِيِ وَنَصْبِ الأَْرْحِيَّةِ وَالدَّوَالِي إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا يَجْرِي فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لِقَرْيَةٍ، فَلِغَيْرِهِمْ فِيهِ شَرِكَةٌ فِي الشَّفَةِ، وَهُوَ الشِّرْبُ وَالسَّقْيُ لِلدَّوَابِّ، وَلَهُمْ أَخْذُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَغَسْل الثِّيَابِ وَالطَّبْخِ لاَ غَيْرُ. وَالْبِئْرُ وَالْحَوْضُ حُكْمُهُمَا حُكْمُ النَّهْرِ الْخَاصِّ.
_________
(١) المراجع السابقة، وكشاف القناع ٦ / ٤٠.
وَالرَّابِعُ: مَا أُحْرِزَ فِي جُبٍّ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهِ، وَلَهُ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّهُ مَلَكَهُ بِالإِْحْرَازِ، وَلَوْ كَانَتِ الْبِئْرُ أَوِ الْعَيْنُ أَوِ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ الشُّرْبَ مِنَ الدُّخُول فِي مِلْكِهِ إِنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ بِقُرْبِهِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُخْرِجَ الْمَاءَ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ وَهُوَ يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَطِيَّتِهِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلاَحِ. وَفِي الْمُحْرَزِ بِالإِْنَاءِ يُقَاتِلُهُ بِغَيْرِ سِلاَحٍ (١) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ مَعَ تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ (٢) . يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شِرْبٌ، وَمِيَاهٌ) .
شَفِيعٌ
انْظُرْ: شُفْعَةً
شِقٌّ
انْظُرْ: قَبْرٌ
_________
(١) الاختيار للموصلي ٣ / ٧٠، ٧١.
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٣١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٣، ٣٧٥، وكشاف القناع ٤ / ١٨٩، ١٩٠، ١٩٨، والقليوبي ٣ / ٩٥ - ٩٧، وابن عابدين ٥ / ٢٨١، ٢٨٢، والمغني ٥ / ٥٨٣ - ٥٩٠.
شُكْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الشُّكْرُ: مَصْدَرُ شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ أَشْكُرُ شُكْرًا وَشُكُورًا وَشُكْرَانًا. وَهُوَ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ: الاِعْتِرَافُ بِالْمَعْرُوفِ الْمُسْدَى إِلَيْكَ وَنَشْرُهُ وَالثَّنَاءُ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي مُقَابَلَةِ مَعْرُوفٍ وَنِعْمَةٍ (١) . وَشُكْرُ النِّعْمَةِ مُقَابِل كُفْرِهَا. قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْل لُقْمَانَ: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢) .
وَالشُّكْرُ: هُوَ ظُهُورُ أَثَرِ النِّعْمَةِ عَلَى اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ بِأَنْ يَكُونَ اللِّسَانُ مُقِرًّا بِالْمَعْرُوفِ مُثْنِيًا بِهِ، وَيَكُونَ الْقَلْبُ مُعْتَرِفًا بِالنِّعْمَةِ، وَتَكُونَ الْجَوَارِحُ مُسْتَعْمَلَةً فِيمَا يَرْضَاهُ الْمَشْكُورُ (٣) . عَلَى حَدِّ قَوْل الشَّاعِرِ:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلاَثَةً
يَدَيَّ وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
_________
(١) لسان العرب، ومدارج السالكين ٢ / ٢٤٤، ٢٤٦، والمجموع للنووي ١ / ٧٤، المطبعة المنيرية، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢. .
(٢) سورة لقمان / ١٢.
(٣) تفسير القرطبي ١ / ١٣٣ - ط. دار الكتب المصرية، ومدارج السالكين ٢ / ٢٤٤، ٢٤٦.
وَالشُّكْرُ لِلَّهِ فِي الاِصْطِلاَحِ: صَرْفُ الْعَبْدِ النِّعَمَ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ فِي طَاعَتِهِ (١) .
أَوْ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ. وَشُكْرُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَزْكُو عِنْدَهُ الْقَلِيل مِنَ الْعَمَل فَيُضَاعِفُ لِعَامِلِهِ الْجَزَاءَ (٢) . وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُل الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُل خُفَّهُ فَجَعَل يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (٣)، وَلِذَا كَانَ مِنْ أَوْصَافِهِ تَعَالَى: " الشَّكُورَ " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَدْحُ:
٢ - الْمَدْحُ لُغَةً: حُسْنُ الثَّنَاءِ. وَالْمَدْحُ يَكُونُ لِلْحَيِّ وَغَيْرِهِ حَتَّى إِنَّ مَنْ رَأَى لُؤْلُؤَةً ذَاتَ حُسْنٍ فَوَصَفَهَا بِالْحُسْنِ فَقَدْ مَدَحَهَا، وَالْمَدْحُ عَلَى الإِْحْسَانِ يَكُونُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَلاَ يَكُونُ الشُّكْرُ إِلاَّ بَعْدَهُ (٥) .
ب - الْحَمْدُ:
٣ - الْحَمْدُ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِجَمِيل
_________
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ١ / ٢٢، وأسنى المطالب ١ / ٣، وشرح مسلم الثبوت ١ / ٤٧.
(٢) فتح الباري ١ / ٢٧٨.
(٣) حديث: " أن رجلًا رأى كلبًا يأكل الثرى. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٧٨ - ط. السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧٦١ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
(٤) سورة التغابن / ١٧.
(٥) لسان العرب، وتفسير الرازي ١ / ٢١٩.
صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ، وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ. فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشُّكْرَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى نِعْمَةٍ أَسْدَاهَا الْمَشْكُورُ إِلَى الشَّاكِرِ خَاصَّةً، وَالْحَمْدُ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الإِْنْعَامِ عَلَى الشَّاكِرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَصْلًا بَل لِمُجَرَّدِ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالأَْوْصَافِ الْحَسَنَةِ وَالْفَضَائِل. فَلاَ يُقَال: شَكَرْنَا اللَّهَ عَلَى حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَيُقَال: حَمِدْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْحَمْدَ لَيْسَ إِلاَّ بِاللِّسَانِ، فَيَجْتَمِعُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى الأَْوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ فِيمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ (١) . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ فَمَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ (٢) .
_________
(١) المجموع للنووي ١ / ٧٤، وتفسير الرازي ١ / ٢١٩، ونهاية المحتاج ١ / ٢١، ومدارج السالكين ٢ / ٢٤٦، وأسنى المطالب ١ / ٣.
(٢) حديث: " الحمد رأس الشكر. . . . ". أخرجه البيهقي في الشعب كما في فيض القدير للمناوي (٣ / ٤١٨ - ط. المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأعل بالانقطاع بين عبد الله بن عمرو والراوي عنه.
أَحْكَامُ الشُّكْرِ:
٤ - الشُّكْرُ نَوْعَانِ، شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَشُكْرٌ لِعِبَادِ اللَّهِ.
أَوَّلًا: شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَدِ اسْتَدَل الْحَلِيمِيُّ لِذَلِكَ بِالآْيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَْمْرُ، نَحْوِ قَوْله تَعَالَى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (١) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) .
ثُمَّ قَال الْحَلِيمِيُّ: فَثَبَتَ بِهَاتَيْنِ الآْيَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وُجُوبُ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ لِنِعَمِهِ السَّابِغَةِ عَلَيْهِمْ (٣) .
ثُمَّ احْتَجَّ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٤) قَال: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَنِ النَّعِيمِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ شُكْرِهِ (٥) .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ هَل وَجَبَ بِالْعَقْل ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ مُقَرِّرًا
_________
(١) سورة البقرة / ١٥٢.
(٢) سورة الأعراف / ٦٩.
(٣) المنهاج في شعب الإيمان ٢ / ٥٤٥ ط. بيروت، دار الفكر ١٣٩٩ هـ.
(٤) سورة التكاثر / ٨.
(٥) المنهاج ٢ / ٥٥٥.