الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الْقَاعِدَةُ الأُْولَى: " الْيَقِينُ لاَ يُزِيلُهُ الشَّكُّ ". وَالثَّانِيَةُ: " وَالشَّكُّ فِي النُّقْصَانِ كَتَحَقُّقِهِ ".
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ الشَّكُّ يَحْدُثُ لَهُ لأَِوَّل مَرَّةٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ وَلَمْ يَتَحَرَّ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِل صَلاَةً جَدِيدَةً.
وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ يَعْتَادُهُ وَيَتَكَرَّرُ لَهُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ بِحُكْمِ التَّحَرِّي وَيَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ بَعْدَ كُل رَكْعَةٍ يَظُنُّهَا آخِرَ صَلاَتِهِ لِئَلاَّ يَصِيرَ تَارِكًا فَرْضَ الْقَعْدَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الأَْقَل، وَقَال الثَّوْرِيُّ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - يَتَحَرَّى سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ أَوَّل مَرَّةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: يَتَحَرَّى، قَال: وَإِنْ نَامَ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ اسْتَأْنَفَ.
وَقَال اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا يَلْزَمُهُ وَلاَ يَزَال يَشُكُّ أَجْزَأَهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ عَنِ التَّحَرِّي، وَعَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يَلْزَمُهُ اسْتَأْنَفَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَتَيْهَا.
وَقَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الشَّكُّ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْيَقِينُ وَالتَّحَرِّي، فَمَنْ رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ أَلْغَى الشَّكَّ وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْل السَّلاَمِ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلاَمِ (١) . وَدَلِيلُهُ
_________
(١) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٢ / ١٣٧، التمهيد ٥ / ٣٦، ومراقي الفلاح ٢٥٩.
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ (١)
وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِالتَّحَرِّي فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ ثُمَّ - يَعْنِي - يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ (٢) .
الشَّكُّ فِي الزَّكَاةِ:
أ - الشَّكُّ فِي تَأْدِيَتِهَا:
١٩ - لَوْ شَكَّ رَجُلٌ فِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَدْرِ أَزَكَّى أَمْ لاَ؟ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا لأَِنَّ الْعُمُرَ كُلَّهُ وَقْتٌ لأَِدَائِهَا، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ صَاحِبِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَبَيْنَ مَنْ شَكَّ فِي الصَّلاَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَصَلَّى أَمْ لاَ؟ حَيْثُ ذَكَرُوا - كَمَا تَقَدَّمَ - إِعْفَاءَهُ مِنَ الإِْعَادَةِ لأَِنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ وَالزَّكَاةُ بِخِلاَفِهَا (٣) .
_________
(١) حديث: " إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٠٤ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٩٨ - ط الحلبي) .
(٢) حديث ابن مسعود: " إذا شك أحدكم في صلاته. . . " أخرجه النسائي (٣ / ٢٨ - ط المكتبة التجارية)، وإسناده صحيح.
(٣) الفروق للقرافي ١ / ٢٢٥، وغمز عيون البصائر على الأشباه (١ / ٢٢٣، ٢ / ٥٥)، ونزهة النواظر على الأشباه والنظائر ص ٦٧، ١٩٩.
ب - الشَّكُّ فِي تَأْدِيَةِ كُل الزَّكَاةِ أَوْ بَعْضِهَا:
٢٠ - ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ حَادِثَةً وَقَعَتْ مُفَادُهَا: أَنَّ رَجُلًا شَكَّ هَل أَدَّى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ أَوْ لاَ؟ حَيْثُ كَانَ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مُتَفَرِّقًا مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ، فَتَمَّ إِفْتَاؤُهُ بِلُزُومِ الإِْعَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ لأَِنَّ الزَّكَاةَ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهِ بِيَقِينٍ فَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالشَّكِّ (١) .
ج - الشَّكُّ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ:
٢١ - إِذَا دَفَعَ الْمُزَكِّي الزَّكَاةَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي أَنَّ مَنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ مَصْرِفٌ مِنْ مَصَارِفِهَا وَلَمْ يَتَحَرَّ، أَوْ تَحَرَّى وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّهُ مَصْرِفٌ، فَهُوَ عَلَى الْفَسَادِ إِلاَّ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مَصْرِفٌ (٢) . بِخِلاَفِ مَا إِذَا دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ وَتَحَرٍّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فِي الْوَاقِعِ كَالْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ (٣) . فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ زَكَاةٌ (ف ١٨٨ - ١٨٩ ج ٢٣ ٢٣٣) .
_________
(١) المصادر السابقة والحموي ١ / ٢١٠، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق ٢ / ٢٢٨.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٥٠١، ٥٠٢، والفتاوى الهندية ١ / ١٩٠، المطبعة الأميرية. مصر سنة ١٣١٠ هـ، بدائع الصنائع ٢ / ٥٠.
(٣) المصادر السابقة، والتاج والإكليل ٢ / ٣٥٩، ومواهب الجليل ٢ / ٣٥٩.
الشَّكُّ فِي الصِّيَامِ:
أ - الشَّكُّ فِي دُخُول رَمَضَانَ:
٢٢ - إِذَا شَكَّ الْمُسْلِمُ فِي دُخُول رَمَضَانَ فِي الْيَوْمِ الْمُوَالِي لِيَوْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ يَبْنِي عَلَيْهِ مِثْل أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَلَمْ يَحُل دُونَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل سُحُبٌ وَلاَ غُيُومٌ وَمَعَ ذَلِكَ عَزَمَ أَنْ يَصُومَ غَدًا بِاعْتِبَارِهِ أَوَّل يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ وَلاَ يُجْزِئُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لأَِنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ الْحَاصِل بِطُرُقِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَحَيْثُ انْتَفَى ذَلِكَ فَلاَ يَصِحُّ قَصْدُهُ وَهُوَ رَأْيُ حَمَّادٍ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ الْمُنْذِرِ لأَِنَّ الصَّائِمَ لَمْ يَجْزِمِ النِّيَّةَ بِصَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إِلاَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى عَلَى قَوْل الْمُنَجِّمِينَ وَأَهْل الْمَعْرِفَةِ بِالْحِسَابِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَإِنْ كَثُرَتْ إِصَابَتُهُمْ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَقَال الثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ: يَصِحُّ إِذَا نَوَاهُ مِنَ اللَّيْل - وَكَانَ الأَْمْرُ كَمَا قَصَدَ - لأَِنَّهُ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل فَصَحَّ كَالْيَوْمِ الثَّانِي - وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا يُوَافِقُ الْمَذْهَبَيْنِ (١) .
ب الشَّكُّ فِي دُخُول شَوَّالٍ:
٢٣ - تَصِحُّ النِّيَّةُ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ رَمَضَانَ
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٢٤، ٢٥. وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٤ / ١٤٨، ونهاية المحتاج ٣ / ١٥٩، ونيل الأوطار ٤ / ١٩٢، ١٩٣.
رَغْمَ أَنَّ هُنَاكَ احْتِمَالًا فِي أَنْ يَكُونَ مِنْ شَوَّالٍ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ رَمَضَانَ وَقَدْ أُمِرْنَا بِصَوْمِهِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ إِذَا قَال الْمُكَلَّفُ: إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَأَنَا مُفْطِرٌ فَلاَ يَصِحُّ صَوْمُهُ عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ لأَِنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ وَالنِّيَّةُ قَصْدٌ جَازِمٌ، وَقِيل: تَصِحُّ نِيَّتُهُ لأَِنَّ هَذَا شَرْطٌ وَاقِعٌ وَالأَْصْل بَقَاءُ رَمَضَانَ (١) .
ج - الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ:
٢٤ - إِذَا شَكَّ الصَّائِمُ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَأْكُل لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الْفَجْرُ قَدْ طَلَعَ، فَيَكُونُ الأَْكْل إِفْسَادًا لِلصَّوْمِ وَلِذَلِكَ كَانَ مَدْعُوًّا لِلأَْخْذِ بِالأَْحْوَطِ لِقَوْلِهِ ﷺ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٢) . وَلَوْ أَكَل وَهُوَ شَاكٌّ، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فَسَادَ الصَّوْمِ مَحَل شَكٍّ وَالأَْصْل اسْتِصْحَابُ اللَّيْل حَتَّى يَثْبُتَ النَّهَارُ وَهَذَا لاَ يَثْبُتُ بِالشَّكِّ (٣) .
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٢٥، ٢٦، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٣ / ١٤٩، ونهاية المحتاج ٣ / ١٥٩.
(٢) حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨ - ط. الحلبي)، والحاكم (٤ / ٩٩ - ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث الحسن بن علي. وقال الذهبي: " سنده قوي ".
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٠٥، ونهاية المحتاج ٣ / ١٧١، والإقناع في فقه الإمام أحمد ١ / ٣١٦ - دار المعرفة لبنان.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ أَكَل شَاكًّا فِي الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْحُرْمَةِ رَغْمَ أَنَّ الأَْصْل بَقَاءُ اللَّيْل، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِصَوْمِ الْفَرْضِ، أَمَّا صَوْمُ النَّفْل فَقَدْ سَوَّى بَعْضُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْضِ فِي الْقَضَاءِ وَالْحُرْمَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا جَمَاعَةٌ فِي الْحُرْمَةِ حَيْثُ قَالُوا بِالْكَرَاهِيَةِ (١) .
د - الشَّكُّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ:
٢٥ - لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ لاَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَعَ الشَّكِّ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النَّهَارِ، وَلَوْ أَفْطَرَ عَلَى شَكِّهِ دُونَ أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَال بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا (٢) . وَالْحُرْمَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَذَلِكَ.
وَعَدَمُ الْكَفَّارَةِ فِي الأَْكْل مَعَ الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الأَْكْل مَعَ الشَّكِّ فِي الْغُرُوبِ فَمُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُهَا، فَإِنْ أَفْطَرَ مُعْتَقِدًا بَقَاءَ اللَّيْل أَوْ حُصُول الْغُرُوبِ ثُمَّ طَرَأَ الشَّكُّ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلاَ حُرْمَةٍ (٣) .
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٥٢٦، وما بعدها، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٣ / ١٦١.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٠٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٢٦، وما بعدها، ونهاية المحتاج ٣ / ١٧١، والإقناع في فقه الإمام أحمد ١ / ٣١٢، ٣١٥، وحلية العلماء ٣ / ١٦١.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٥٢٦، وما بعدها، وحلية العلماء ٣ / ١٦١.
الشَّكُّ فِي الْحَجِّ:
أ - الشَّكُّ فِي نَوْعِ الإِْحْرَامِ:
٢٦ - إِذَا شَكَّ الْحَاجُّ هَل أَحْرَمَ بِالإِْفْرَادِ أَوْ بِالتَّمَتُّعِ أَوْ بِالْقِرَانِ وَكُل ذَلِكَ قَبْل الطَّوَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ يَصْرِفُهُ إِلَى الْقِرَانِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الإِْحْرَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ جَعْلُهُ عُمْرَةً عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ، وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: يَتَحَرَّى فَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ لأَِنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الْعِبَادَةِ فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ.
وَسَبَبُ الْخِلاَفِ مَوَاقِفُ الأَْئِمَّةِ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ (١) .
وَأَمَّا إِنْ شَكَّ بَعْدَ الطَّوَافِ فَإِنَّ صَرْفَهُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِلَى الْعُمْرَةِ لأَِنَّ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ مَعَ رَكْعَتَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ (٢) .
ب - الشَّكُّ فِي دُخُول ذِي الْحِجَّةِ:
٢٧ - لَوْ شَكَّ النَّاسُ فِي هِلاَل ذِي الْحِجَّةِ
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٢٥٤، ٢٥٥، التاج والإكليل (بهامش مواهب الجليل) ٣ / ٤٧، مواهب الجليل ٣ / ٤٧، جواهر الإكليل ١ / ١٧١، المهذب للشيرازي ١ / ٢٠٥، ٢٠٦، نيل الأوطار ٤ / ٣٢٤.
(٢) المصادر السابقة.
فَوَقَفُوا بِعَرَفَةَ إِنْ أَكْمَلُوا عِدَّةَ ذِي الْقِعْدَةِ ثَلاَثِينَ يَوْمًا ثُمَّ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلاَل لَيْلَةَ كَذَا، وَتَبَيَّنَ أَنْ يَوْمَ وُقُوفِهِمْ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَوُقُوفُهُمْ صَحِيحٌ وَحَجَّتُهُمْ تَامَّةٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ (١) .
وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﵊ قَال: الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَْضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ (٢) .
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ الْمُتَمَثِّل فِي صِحَّةِ الْوُقُوفِ كَانَ اسْتِحْسَانًا لاَ قِيَاسًا (٣) . أَمَّا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَلاَ يُجْزِيهِمْ وُقُوفُهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ: أَنَّ الَّذِينَ وَقَفُوا يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلُوا مَا تَعَبَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنْ إِكْمَال الْعِدَّةِ دُونَ اجْتِهَادٍ بِخِلاَفِ الَّذِينَ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِمْ وَقَبُولِهِمْ شَهَادَةَ مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ (٤) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٢٦، بلغة السالك لأقرب المسالك للدردير ١ / ٢٥٩، نهاية المحتاج ٣ / ٢٩٠، المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٣٧٠.
(٢) حديث: " الصوم يوم تصومون " أخرجه الترمذي (٣ / ٧١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن غريب ".
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٢٦.
(٤) مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٣ / ٩٥.
ج - الشَّكُّ فِي الطَّوَافِ:
٢٨ - إِذَا شَكَّ الْحَاجُّ فِي عَدَدِ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَعَلَى هَذَا أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مَتَى شَكَّ فِيهَا وَهُوَ فِيهَا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ كَالصَّلاَةِ (١) . وَلأَِنَّ الشَّكَّ فِي النُّقْصَانِ كَتَحَقُّقِهِ (٢) . وَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بَعْدَ طَوَافِهِ رَجَعَ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الطَّوَافِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلاَةِ (٣) .
وَفِي الْمُوَطَّأِ: مَنْ شَكَّ فِي طَوَافِهِ بَعْدَ مَا رَكَعَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فَلْيُعِدْ لِيَتِمَّ طَوَافُهُ عَلَى الْيَقِينِ ثُمَّ لِيُعِدَ الرَّكْعَتَيْنِ لأَِنَّهُ لاَ صَلاَةَ لِطَوَافٍ إِلاَّ بَعْدَ إِكْمَال السَّبْعِ (٤) . وَإِذَا شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ شَكَّ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ قَبْل الْفَرَاغِ مِنْهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ (٥) .
الشَّكُّ فِي الذَّبَائِحِ:
٢٩ - مَنِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ حَرُمَتَا مَعًا لِحُصُول سَبَبِ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٣٩٨.
(٢) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ١٩٧. المطبعة المغربية.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٣٩٨.
(٤) المنتقى للباجي ٢ / ٢٨٩.
(٥) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٣ / ٢٨٠، المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٣٩٨.
الشَّكُّ (١) . وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى الْمُسْلِمُ طَرِيدَةً بِآلَةِ صَيْدٍ فَسَقَطَتْ فِي مَاءٍ وَمَاتَتْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُهَا، فَلاَ تُؤْكَل لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ (٢) . وَلَوْ وُجِدَتْ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ بِبَلَدٍ فِيهِ مَنْ تَحِل ذَبِيحَتُهُ وَمَنْ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَابِحِهَا لاَ تَحِل إِلاَّ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَهْل الْبَلَدِ مَنْ تَحِل ذَبِيحَتُهُمْ (٣) .
الشَّكُّ فِي الطَّلاَقِ:
٣٠ - شَكُّ الزَّوْجِ فِي الطَّلاَقِ لاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثِ حَالاَتٍ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي وُقُوعِ أَصْل التَّطْلِيقِ، أَيْ شَكَّ هَل طَلَّقَهَا أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلاَ يَزُول بِالشَّكِّ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (٥)﴾ .
_________
(١) الفروق ١ / ٢٢٦.
(٢) بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوي ١ / ٢٩٥، المكتبة التجارية الكبرى - بمصر ١٢٢٣ هـ. ومواهب الجليل للحطاب ٣ / ٢١٧.
(٣) نهاية المحتاج ٨ / ١٠٧، وغمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر ١ / ١٩٣.
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٠١، الفروق ١ / ١٢٦، قواعد المقري: القاعدة رقم (٦٥٠)، المهذب ٢ / ١٠٠، مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج ٣ / ٢٨١، بدائع الصنائع ٣ / ١٢٦، المغني مع الشرح الكبير ٨ / ٤٢٣، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٥٣. دار القلم. بيروت.
(٥) سورة الإسراء / ٣٦.