الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَفِيهِ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ (١) .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ فِي صَدْرِهِ إِثْبَاتَ الشُّفْعَةِ فِي غَيْرِ الْمَقْسُومِ وَنَفْيَهَا فِي الْمَقْسُومِ؛ لأَِنَّ كَلِمَةَ إِنَّمَا لإِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ، وَآخِرُهُ نَفْيُ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحُدُودِ وَصَرْفِ الطُّرُقِ، وَالْحُدُودُ بَيْنَ الْجَارَيْنِ وَاقِعَةٌ وَالطُّرُقُ مَصْرُوفَةٌ فَكَانَتِ الشُّفْعَةُ مَنْفِيَّةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الشَّارِعُ يَقْصِدُ رَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الْجَارِ فَهُوَ أَيْضًا يَقْصِدُ رَفْعَهُ عَنِ الْمُشْتَرِي. وَلاَ يُدْفَعُ ضَرَرُ الْجَارِ بِإِدْخَال الضَّرَرِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي حَاجَةٍ إِلَى دَارٍ يَسْكُنُهَا هُوَ وَعِيَالُهُ، فَإِذَا سُلِّطَ الْجَارُ عَلَى انْتِزَاعِ دَارِهِ مِنْهُ أَضَرَّ بِهِ ضَرَرًا بَيِّنًا، وَأَيُّ دَارٍ اشْتَرَاهَا وَلَهُ جَارٌ فَحَالُهُ مَعَهُ هَكَذَا. وَتَطَلُّبُهُ دَارًا لاَ جَارَ لَهَا كَالْمُتَعَذَّرِ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ تَمَامِ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَنْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بِوُقُوعِ الْحُدُودِ وَتَصْرِيفِ الطُّرُقِ لِئَلاَّ يَضُرَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَعَذَّرُ عَلَى مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ دَارٍ لَهَا جَارٌ أَنْ يَتِمَّ لَهُ مَقْصُودُهُ (٢) .

_________

(١) حديث: " فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " تقدم تخريجه ف ٤.

(٢) أعلام الموقعين لابن القيم ٢ / ٢٥٩ وما بعدها.

الاِتِّجَاهُ الثَّانِي:

١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الْمُلاَصِقِ وَالشَّرِيكِ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْمَبِيعِ، فَسَبَبُ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ عِنْدَهُمْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ: الشَّرِكَةُ أَوِ الْجِوَارُ. ثُمَّ الشَّرِكَةُ نَوْعَانِ:

أ - شَرِكَةٌ فِي مِلْكِ الْمَبِيعِ.

ب - شَرِكَةٌ فِي حُقُوقِهِ، كَالشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ.

قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: " الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ كَالشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ، ثُمَّ لِلْجَارِ (١) ".

وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَال: " وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا سَعْدُ، ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ. فَقَال سَعْدٌ: وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا فَقَال الْمِسْوَرُ: وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَال سَعْدٌ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلاَفٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً، قَال أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ وَأَنَا

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٦٨١، تبيين الحقائق ٥ / ٢٣٩، المبسوط ١٤ / ٩٣ - ٩٤، والهداية مع الفتح ٩ / ٣٦٩ وما بعدها.

أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ ". (١)

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تُسْتَحَقُّ بِسَبَبِ الْجِوَارِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا (٢) .

عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٌ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: أَرْضِي لَيْسَ لأَِحَدٍ فِيهَا شَرِكَةٌ وَلاَ قِسْمَةٌ إِلاَّ الْجِوَارُ، فَقَال: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ. (٣)

اسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ ثَبَتَ فِي الشَّرِكَةِ لإِفْضَائِهَا إِلَى ضَرَرِ الْمُجَاوَرَةِ فَحَقِيقَةُ الْمُجَاوَرَةِ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ فِيهَا، وَهَذَا لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُتَأَذِّي بِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَضَرَرُ التَّأَذِّي بِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ بِاتِّصَال أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ بِالآْخَرِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَأَتَّى الْفَصْل فِيهِ.

وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمُجَاوَرَةِ حَتَّى يُرْغَبُ فِي مُجَاوَرَةِ بَعْضِ النَّاسِ لِحُسْنِ خُلُقِهِ وَيُرْغَبُ

_________

(١) حديث عمرو بن الشريد: " وقفت على سعد بن أبي وقاص. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٣٧ - ط السلفية) .

(٢) حديث: " الجار أحق بشفعته. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٤٢ - ط. الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب ".

(٣) حديث الشريد بن سويد: " أرضي ليس لأحد فيها. . . " أخرجه النسائي (٧ / ٣٢٠ - ط المكتبة التجارية) وإسناده حسن.

عَنْ جِوَارِ الْبَعْضِ لِسُوءِ خُلُقِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْجَارُ الْقَدِيمُ يَتَأَذَّى بِالْجَارِ الْحَادِثِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ بِالشُّفْعَةِ دَفْعًا لِهَذَا الضَّرَرِ (١) .

شُرُوطُ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ:

١٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجِوَارَ سَبَبٌ لِلشُّفْعَةِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِالْجِوَارِ عَلَى عُمُومِهِ، بَل اشْتَرَطُوا لِذَلِكَ أَنْ تَتَحَقَّقَ الْمُلاَصَقَةُ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَيِّ حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ، سَوَاءٌ امْتَدَّ مَكَانُ الْمُلاَصَقَةِ حَتَّى عَمَّ الْحَدَّ أَمْ قَصُرَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْ.

فَالْمُلاَصِقُ لِلْمَنْزِل وَالْمُلاَصِقُ لأَِقْصَى الدَّارِ سَوَاءٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ لأَِنَّ مِلْكَ كُل حَدٍّ مِنْهُمْ مُتَّصِلٌ بِالْبَيْعِ.

أَمَّا الْجَارُ الْمُحَاذِي فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ بِالْمُجَاوَرَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَقْرَبَ بَابًا أَمْ أَبْعَدَ؛ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشُّفْعَةِ هُوَ الْقُرْبُ وَاتِّصَال أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ بِالآْخَرِ وَذَلِكَ فِي الْجَارِ الْمُلاَصِقِ دُونَ الْجَارِ الْمُحَاذِي فَإِنَّ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ طَرِيقًا نَافِذًا (٢)

وَقَال شُرَيْحٌ (٣): الشُّفْعَةُ بِالأَْبْوَابِ، فَأَقْرَبُ الأَْبْوَابِ إِلَى الدَّارِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ. لِمَا

_________

(١) المبسوط للسرخسي ١٤ / ٩٥، والبدائع للكاساني ٦ / ٢٦٨٢.

(٢) المبسوط ١٤ / ٩٣، ٩٤، البدائع ٦ / ٢٦٩١، ابن عابدين ٥ / ١٦٥، وشرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٤١، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٧٦.

(٣) المبسوط ١٤ / ٩٣.

وَرَدَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَال: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا (١) .

وَلاَ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِلْجَارِ الْمُقَابِل. لأَِنَّ سُوءَ الْمُجَاوَرَةِ لاَ يَتَحَقَّقُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكُ أَحَدِهِمَا مُتَّصِلًا بِمِلْكِ الآْخَرِ وَلاَ شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا فِي حُقُوقِ الْمِلْكِ.

وَحَقُّ الشُّفْعَةِ يَثْبُتُ لِلْجَارِ الْمُلاَصِقِ لِيُتَرَفَّقَ بِهِ مِنْ حَيْثُ تَوَسُّعُ الْمِلْكِ وَالْمَرَافِقِ، وَهَذَا فِي الْجَارِ الْمُلاَصِقِ يَتَحَقَّقُ لاَمِكَانِ جَعْل إِحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ الأُْخْرَى.

وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْجَارِ الْمُقَابِل لِعَدَمِ إِمْكَانِ جَعْل إِحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ الأُْخْرَى بِطَرِيقٍ نَافِذٍ بَيْنَهُمَا.

وَلَكِنْ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ الْمُقَابِل إِذَا كَانَتِ الدُّورُ كُلُّهَا فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، لإِمْكَانِ جَعْل بَعْضِهَا مِنْ مَرَافِقِ الْبَعْضِ بِأَنْ تُجْعَل الدُّورُ كُلُّهَا دَارًا وَاحِدَةً.

وَلاَ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إِلاَّ لِلْجَارِ الْمَالِكِ، فَلاَ تَثْبُتُ لِجَارِ السُّكْنَى، كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ ضَرَرِ التَّأَذِّي بِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَجِوَارُ السُّكْنَى لَيْسَ بِمُسْتَدَامٍ، وَضَرَرُ التَّأَذِّي بِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ، بِاتِّصَال أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ بِالآْخَرِ عَلَى وَجْهٍ لاَ

_________

(١) حديث عائشة: " إن لي جارين. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٣٨ - ط. السلفية) .

يَتَأَتَّى الْفَصْل فِيهِ (١) .

الشُّفْعَةُ بَيْنَ مُلاَّكِ الطَّبَقَاتِ:

١٣ م - مُلاَّكُ الطَّبَقَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُتَجَاوِرُونَ فَيَحِقُّ لَهُمُ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِسَبَبِ الْجِوَارِ (٢) .

وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ صَاحِبُ الْعُلُوِّ السُّفْل بِالشُّفْعَةِ حَتَّى انْهَدَمَ الْعُلُوُّ فَعَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ - لأَِنَّ الاِتِّصَال بِالْجِوَارِ قَدْ زَال، كَمَا لَوْ بَاعَ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا قَبْل الأَْخْذِ.

وَعَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبِ الْبِنَاءِ بَل بِالْقَرَارِ وَحَقُّ الْقَرَارِ بَاقٍ.

وَإِنْ كَانَتْ ثَلاَثَةَ أَبْيَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَبَابُ كُلٍّ إِلَى السِّكَّةِ فَبِيعَ الأَْوْسَطُ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلأَْعْلَى وَالأَْسْفَل وَإِنْ بِيعَ الأَْسْفَل أَوِ الأَْعْلَى، فَالأَْوْسَطُ أَوْلَى، بِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الْقَرَارِ؛ لأَِنَّ حَقَّ التَّعَلِّي يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْقُولٍ فَتُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ كَالْعَقَارِ (٣) .

وَلَوْ كَانَ سُفْلٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِ عُلُوٌّ لأَِحَدِهِمَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَبَاعَ هُوَ السُّفْل وَالْعُلُوَّ كَانَ الْعُلُوُّ لِشَرِيكِهِ فِي الْعُلُوِّ

_________

(١) المبسوط ١٤ / ٩٥، ٩٦.

(٢) مرشد الحيران محمد قدري باشا م ١٠١، والمجلة م ١٠١١.

(٣) ابن عابدين ٥ / ١٤٣.

وَالسُّفْل لِشَرِيكِهِ فِي السُّفْل، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرِيكٌ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ فِي حَقِّهِ وَجَارٌ فِي حَقِّ الآْخَرِ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْحَقِّ إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا.

وَلَوْ كَانَ السُّفْل لِرَجُلٍ وَالْعُلُوُّ لآِخَرَ فَبِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا فَالشُّفْعَةُ لَهُمَا (١) .

أَرْكَانُ الشُّفْعَةِ:

١٤ - أَرْكَانُ الشُّفْعَةِ ثَلاَثَةٌ (٢):

(١) الشَّفِيعُ: وَهُوَ الآْخِذُ.

(٢) وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ: وَهُوَ الْمُشْتَرِي الَّذِي يَكُونُ الْعَقَارُ فِي حِيَازَتِهِ.

(٣) الْمَشْفُوعُ فِيهِ: وَهُوَ الْعَقَارُ الْمَأْخُوذُ أَيْ مَحَل الشُّفْعَةِ.

وَلِكُل رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ وَأَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي.

الشُّرُوطُ الْوَاجِبُ تَوَافُرُهَا فِي الشَّفِيعِ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: مِلْكِيَّةُ الشَّفِيعِ لِمَا يَشْفَعُ بِهِ:

١٥ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ مَالِكًا لِلْعَقَارِ الْمَشْفُوعِ بِهِ وَقْتَ شِرَاءِ الْعَقَارِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ. لأَِنَّ سَبَبَ الاِسْتِحْقَاقِ جَوَازُ الْمِلْكِ، وَالسَّبَبُ إِنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَالاِنْعِقَادُ أَمْرٌ

_________

(١) شرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٤١، والفتاوى الهندية ٥ / ١٦٤.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٩٦.

زَائِدٌ عَلَى الْوُجُودِ (١) .

قَال الْكَاسَانِيُّ: لاَ شُفْعَةَ لَهُ بِدَارٍ يَسْكُنُهَا بِالإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ وَلاَ بِدَارٍ بَاعَهَا قَبْل الشِّرَاءِ وَلاَ بِدَارٍ جَعَلَهَا مَسْجِدًا وَلاَ بِدَارٍ جَعَلَهَا وَقْفًا (٢) . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ الشُّفْعَةِ فِي الْكِرَاءِ كَمَا سَبَقَ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: بَقَاءُ الْمِلْكِيَّةِ لِحِينِ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ:

١٦ - يَجِبُ أَنْ يَبْقَى الشَّفِيعُ مَالِكًا لِلْعَقَارِ الْمَشْفُوعِ بِهِ حَتَّى يَمْتَلِكَ الْعَقَارَ الْمَشْفُوعَ فِيهِ بِالرِّضَاءِ أَوْ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ لِيَتَحَقَّقَ الاِتِّصَال وَقْتَ الْبَيْعِ (٣) .

الشُّفْعَةُ لِلْوَقْفِ:

١٧ - لاَ شُفْعَةَ لِلْوَقْفِ لاَ بِشَرِكَةٍ وَلاَ بِجِوَارٍ.

فَإِذَا بِيعَ عَقَارٌ مُجَاوِرٌ لِوَقْفٍ، أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ بَعْضُهُ مِلْكٌ وَبَعْضُهُ وَقْفٌ وَبِيعَ الْمِلْكُ فَلاَ شُفْعَةَ لِلْوَقْفِ، لاَ لِقَيِّمِهِ وَلاَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (٤) .

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٧٠٣)، المبسوط ١٤ / ٩٥، وشرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٥٢، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٧٦، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٨، نهاية المحتاج ٥ / ١٩٨، منتهى الإرادات ١ / ٥٣٠.

(٢) البدائع ٦ / ٢٧٠٣.

(٣) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي مع حاشية الشلبي ٥ / ٢٢٥، ط ١ سنة ١٣١٥ هـ.

(٤) البدائع ٦ / ٢٧٠٣، حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٣٣، الخرشي ٦ / ١٦٣، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٧، فتح العزيز ١١ / ٣٩٢، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٤١.

وَاشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا أَلاَّ يَتَضَمَّنَ التَّمَلُّكُ بِالشُّفْعَةِ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ لأَِنَّ الشُّفْعَةَ لاَ تَقْبَل التَّجْزِئَةَ. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قِطْعَةً وَاحِدَةً وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا فَلاَ يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَطْلُبَ بَعْضَ الْمَبِيعِ وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ الآْخَرَ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْقِطْعَةُ وَاحِدَةً، وَكَانَ الْمُشْتَرِي مُتَعَدِّدًا فَيَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَطْلُبَ نَصِيبَ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ يَطْلُبَ الْكُل، وَلاَ يُعْتَبَرُ هَذَا تَجْزِئَةً لِلشُّفْعَةِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ مُسْتَقِلٌّ بِمِلْكِيَّةِ نَصِيبِهِ تَمَامَ الاِسْتِقْلاَل. وَإِذَا كَانَتِ الْقِطَعُ مُتَعَدِّدَةً وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا أَخَذَ كُل شَفِيعٍ الْقِطْعَةَ الَّتِي يَشْفَعُ فِيهَا، فَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرُونَ أَيْضًا فَلِكُل شَفِيعٍ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ بَعْضِهِمْ أَوْ يَأْخُذَ الْكُل وَيُقَدِّرَ لِكُل قِطْعَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الثَّمَنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا فِي الْعَقْدِ (١) .

الْمَشْفُوعُ مِنْهُ:

١٨ - وَتَجُوزُ الشُّفْعَةُ عَلَى أَيِّ مُشْتَرٍ لِلْعَقَارِ الْمَبِيعِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَرِيبًا لِلْبَائِعِ أَمْ كَانَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ. لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْمُثَبِّتَةِ لِلشُّفْعَةِ.

التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الشُّفْعَةُ:

١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ الْمُجِيزَ

_________

(١) المبسوط ١٤ / ١٠٤، البدائع ٦ / ٢٧٢٩، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٩٠، القليوبي ٣ / ٤٩، ٥٠، المغني ٥ / ٤٨٣، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٩، المقنع ٢ / ٢٦٣.

لِلشُّفْعَةِ هُوَ عَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ الْبَيْعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. فَلاَ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ يَكُونُ بِمِثْل مَا مَلَكَ فَإِذَا انْعَدَمَتِ الْمُعَاوَضَةُ تَعَذَّرَ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ.

وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي كُل مِلْكٍ انْتَقَل بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، وَالصَّدَقَةِ، مَا عَدَا الْمِيرَاثَ فَإِنَّهُ لاَ شُفْعَةَ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ. وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا اعْتَبَرَتِ الضَّرَرَ فَقَطْ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَهْرِ وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَالصُّلْحِ وَبَدَل الْخُلْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا الْمِرْدَاوِيُّ إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ الأَْمْوَال لأَِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ فَقَطْ وَلَيْسَتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ؛ وَلاِسْتِحَالَةِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الشَّفِيعُ بِمِثْل مَا تَمَلَّكَ بِهِ هَؤُلاَءِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ بِجَامِعِ الاِشْتِرَاكِ فِي الْمُعَاوَضَةِ مَعَ لُحُوقِ الضَّرَرِ ثُمَّ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي هَذِهِ الْحَال فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ وَفِي قَوْلٍ: بِقِيمَةِ مُقَابِلِهِ (١) .

_________

(١) الهداية مع الفتح ٩ / ٣٧٩، ٣٨١، ٤٠٥، الزيلعي ٥ / ٢٥٢، ٢٥٣، ابن عابدين ٦ / ٢٣١، ٢٣٦، والبدائع ٦ / ٢٦٩٦، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، والمبسوط ١٤ / ١٤١، ١٤٥، وبداية المجتهد ٢ / ٢٥٥، والدسوقي ٣ / ٤٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٦، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٩، وفتح العزيز ١١ / ٤٢٥، والمغني ٥ / ٤٦٧، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٧، والمقنع ٢ / ٢٥٨، وتصحيح الفروع ٤ / ٥٣٦، ٥٣٧.