الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ

٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، فَإِنْ تَقَابَضَا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ؛ لِوُجُودِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ عِنْدَ التَّقَابُضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآْخَرِ فَلاَ شُفْعَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ زُفَرَ تَجِبُ الشُّفْعَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

الشُّفْعَةُ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ:

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ أَوْ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مَعًا فَلاَ شُفْعَةَ حَتَّى يَجِبَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا لِجَوَازِ

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٦٩٦، ٢٧٠١، المبسوط ١٤ / ١٤١، الهداية ٩ / ٤٠٧، وشرح الكنز ٥ / ٢٥٣، ابن عابدين ٦ / ٢٣٧، ٢٣٨، والدسوقي ٢ / ٤٧٥، ٤٨٢، وما بعدها، بداية المجتهد ٢ / ٢٥٦، والخرشي ٦ / ١٧٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٨، ٢٩٩، وفتح العزيز ١١ / ٤٠٨، ٤٢٥، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٨، والمغني ٥ / ٤٦٨، ٤٧١، والمقنع ٢ / ٢٥٨ و٢٧٢ - ٢٧٤.

الشُّفْعَةِ زَوَال مِلْكِ الْبَائِعِ عَنِ الْمَبِيعِ (١) .

وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ لأَِنَّ خِيَارَهُ لاَ يَمْنَعُ زَوَال الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ يَقِفُ عَلَيْهِ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - لاَ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ لاَزِمٍ. لأَِنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ مُنْحَلٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ، إِلاَّ بَعْدَ مُضِيِّهِ وَلُزُومِهِ فَتَكُونُ الشُّفْعَةُ (٣) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فَفِي أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: الْمَنْعُ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْضَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ وَفِي الأَْخْذِ إِلْزَامٌ وَإِثْبَاتٌ لِلْعُهْدَةِ عَلَيْهِ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ الأَْظْهَرُ - يُؤْخَذُ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ فِيهِ إِلاَّ لِلْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ سُلِّطَ عَلَيْهِ بَعْدَ لُزُومِ الْمِلْكِ وَاسْتِقْرَارِهِ فَقَبْلَهُ أَوْلَى (٤) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ قَبْل انْقِضَاءِ الْخِيَارِ كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ (٥) .

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٠٧١، الخرشي ٦ / ١٧٠، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٩، وما بعدها، نهاية المحتاج ٥ / ١٩٨، المغني ٥ / ٤٧١، والمقنع ٢٠ / ٢٧٣ وما بعدها.

(٢) البدائع ٦ / ٢٧٠١.

(٣) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٣ وما بعدها، الخرشي ٦ / ١٧٠، بداية المجتهد ٢ / ٢٥٦.

(٤) فتح العزيز ١١ / ٤٠٨، وما بعدها، الأم ٤ / ٤.

(٥) المغني ٥ / ٤٧١.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ الْخِيَارَ لِلشَّفِيعِ فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ، لأَِنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ لِلشَّفِيعِ شَرْطٌ لِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَجَازَ الشَّفِيعُ الْبَيْعَ جَازَ وَلاَ شُفْعَةَ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَ ابْتِدَاءً. وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ لأَِنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ لَمْ يَزُل، وَالْحِيلَةُ لِلشَّفِيعِ فِي ذَلِكَ أَلاَّ يَفْسَخَ وَلاَ يُجِيزَ حَتَّى يُجِيزَ الْبَائِعُ أَوْ يُجَوِّزَ الْبَيْعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ (١) .

الشُّفْعَةُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ:

أ - الْبَيْعُ بِالْمَزَادِ الْعَلَنِيِّ:

٢٢ - إِذَا بِيعَ الْعَقَارُ بِالْمَزَادِ الْعَلَنِيِّ فَمُقْتَضَى صِيَغِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ لاَ يَمْنَعُونَ الشُّفْعَةَ فِيهِ لأَِنَّهُمْ ذَكَرُوا شُرُوطًا لِلشُّفْعَةِ إِذَا تَحَقَّقَتْ ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا الْبَيْعَ بِالْمُزَايَدَةِ.

ب - مَا بِيعَ لِيُجْعَل مَسْجِدًا:

٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اتَّخَذَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ مَسْجِدًا ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْمَسْجِدَ وَيَأْخُذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ يَتَحَرَّرُ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إِعْتَاقِ الْعَبْدِ. وَحَقُّ الشَّفِيعِ لاَ يَكُونُ

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٧٠١ وما بعدها.

أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ لاَ يَمْنَعُ حَقَّ الرَّاهِنِ فَكَذَلِكَ حَقُّ الشَّفِيعِ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ جَعْل الدَّارِ مَسْجِدًا.

وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ لِلشَّفِيعِ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ حَقًّا مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ جَعْلِهِ مَسْجِدًا، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَعَل جُزْءًا شَائِعًا مِنْ دَارِهِ مَسْجِدًا أَوْ جَعَل وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَصِرْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَذَلِكَ مَا فِيهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ إِذَا جَعَلَهُ مَسْجِدًا، وَهَذَا لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْجِدِ الضِّرَارِ لأَِنَّهُ قَصَدَ الأَْضْرَارَ بِالشَّفِيعِ مِنْ حَيْثُ إِبْطَال حَقِّهِ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ وَيَرْفَعَ الْمُشْتَرِي بِنَاءَهُ الْمُحْدَثَ (١) .

الْمَال الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ:

٢٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الأَْمْوَال الثَّابِتَةِ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ (٢) . وَأَمَّا الأَْمْوَال الْمَنْقُولَةُ فَفِيهَا خِلاَفٌ يَأْتِي بَيَانُهُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْعَقَارِ وَنَحْوِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁

_________

(١) المبسوط ١٤ / ١١٣ - ١١٤، والبدائع ٦ / ٢٧٠٢، وابن عابدين ٦ / ٢٣٣، ط ٢، والخرشي ٦ / ١٧٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٧، والفروع ٤ / ٥٥٠.

(٢) البدائع ٦ / ٢٧٠٠، تبيين الحقائق ٥ / ٢٥٢، حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٣٦، المبسوط ١٤ / ٩٨.

قَال: قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُل شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ (١) .

وَبِأَنَّ الشُّفْعَةَ فِي الْعَقَارِ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهِ: مَسْكَنًا، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِخَوْفِ أَذَى الدَّخِيل وَضَرَرِهِ عَلَى سَبِيل الدَّوَامِ وَذَلِكَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِي الْعَقَارِ (٢) .

وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الْعَقَارِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ الْعُلُوُّ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقَارُ مِمَّا يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ أَوْ مِمَّا لاَ يَحْتَمِلُهَا كَالْحَمَّامِ وَالرَّحَى وَالْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَالدُّورِ الصِّغَارِ. وَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ مِمَّا لَهُ ثَبَاتٌ وَاتِّصَالٌ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدَّمِ ذِكْرُهَا (٣) .

٢٥ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَنْقُول عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ تَثْبُتُ فِي الْمَنْقُول وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبَيِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ. بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ` ﵌ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُل

_________

(١) حديث جابر: " قضى رسول الله ﷺ " تقدم تخريجه ف ٤.

(٢) شرح العناية على الهداية ٩ / ٤٠٣، والبدائع ٦ / ٢٧٠٠.

(٣) البدائع ٦ / ٢٧٠٠، تبيين الحقائق ٥ / ٢٥٢، شرح العناية على الهداية ٩ / ٤٠٣، مع فتح القدير.

(٤) المبسوط ١٤ / ٩٥، البدائع ٦ / ٢٧٠٠، شرح الكنز ٥ / ٢٥٢، وفتح العزيز ١١ / ٣٦٤، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٣، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٦، والمغني ٥ / ٤٦٣ - ٤٦٥.

مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ (١) .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ وُقُوعَ الْحُدُودِ وَتَصْرِيفَ الطُّرُقِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُول.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَال: لاَ شُفْعَةَ إِلاَّ فِي دَارٍ أَوْ عَقَارٍ (٢) .، وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَهَا عَنْ غَيْرِ الدَّارِ وَالْعَقَارِ مِمَّا لاَ يَتْبَعُهُمَا وَهُوَ الْمَنْقُول، وَأَمَّا مَا يَتْبَعُهُمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهَا (٣) .

قَالُوا: وَلأَِنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَالضَّرَرُ فِي الْعَقَارِ يَكْثُرُ جِدًّا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ الشَّرِيكُ إِلَى إِحْدَاثِ الْمَرَافِقِ، وَتَغْيِيرِ الأَْبْنِيَةِ وَتَضْيِيقِ الْوَاسِعِ وَتَخْرِيبِ الْعَامِرِ وَسُوءِ الْجِوَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ بِخِلاَفِ الْمَنْقُول.

وَقَالُوا أَيْضًا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْقُول وَغَيْرِهِ أَنَّ الضَّرَرَ فِي غَيْرِ الْمَنْقُول يَتَأَبَّدُ بِتَأَبُّدِهِ وَفِي الْمَنْقُول لاَ يَتَأَبَّدُ فَهُوَ ضَرَرٌ عَارِضٌ فَهُوَ كَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ (٤) .

_________

(١) حديث: " قضى بالشفعة. . . . " تقدم تخريجه ف ٤.

(٢) حديث: " لا شفعة إلا في دار أو عقار " أخرجه البيهقي (٦ / ١٠٩ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وقال: " الإسناد ضعيف ".

(٣) إعلام الموقعين ٢ / ٢٥١.

(٤) إعلام الموقعين ٢ / ٢٥١.

٢٦ - الْقَوْل الثَّانِي: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَنْقُول وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ (١) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُل مَا لَمْ يُقْسَمْ (٢) .

قَالُوا: إِنَّ الرَّسُول ﵌ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي كُل مَا لَمْ يُقْسَمْ وَهَذَا يَتَنَاوَل الْعَقَارَ وَالْمَنْقُول. لأَِنَّ " مَا " مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَنْقُول كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَقَارِ.

وَقَالُوا: وَلأَِنَّ الضَّرَرَ بِالشَّرِكَةِ فِيمَا لاَ يَنْقَسِمُ أَبْلَغُ مِنَ الضَّرَرِ بِالْعَقَارِ الَّذِي يَقْبَل الْقِسْمَةَ فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ مُرِيدًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ الأَْدْنَى فَالأَْعْلَى أَوْلَى بِالدَّفْعِ (٣) .

مَرَاحِل طَلَبِ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ:

٢٧ - عَلَى الشَّفِيعِ أَنْ يُظْهِرَ رَغْبَتَهُ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ بِمَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ، ثُمَّ يُؤَكِّدَ هَذِهِ الرَّغْبَةَ وَيُعْلِنَهَا وَيُسَمَّى هَذَا طَلَبَ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ، فَإِذَا لَمْ تَتِمَّ لَهُ الشُّفْعَةُ تَقَدَّمَ لِلْقَضَاءِ بِمَا يُسَمَّى بِطَلَبِ الْخُصُومَةِ وَالتَّمَلُّكِ (٤) .

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) حديث: " قضى بالشفعة. . . " تقدم تخريجه ف ٤.

(٣) إعلام الموقعين ٢ / ٢٥٠.

(٤) تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٢، والبدائع ٦ / ٢٧١٠، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٢، المبسوط ١٤ / ٩٢، ابن عابدين ٦ / ٢٢٤ - ٢٢٥، تكملة المجموع ١٤ / ١٤٤، المغني ٥ / ٤٧٧، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٨، المقنع ٢ / ٢٦٠.

أ - طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ

٢٨ - وَقْتُ هَذَا الطَّلَبِ هُوَ وَقْتُ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ، وَعِلْمُهُ بِالْبَيْعِ قَدْ يَحْصُل بِسَمَاعِهِ بِالْبَيْعِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ يَحْصُل بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ لَهُ.

وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ.

فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُشْتَرَطُ أَحَدُ هَذَيْنِ إِمَّا الْعَدَدُ فِي الْمُخْبِرِ وَهُوَ رَجُلاَنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَإِمَّا الْعَدَالَةُ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ، فَلَوْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ بِالشُّفْعَةِ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، فَسَكَتَ وَلَمْ يَطْلُبْ عَلَى فَوْرِ الْخَبَرِ عَلَى رِوَايَةِ الأَْصْل أَوْ لَمْ يَطْلُبْ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ. بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عِنْدَهُمَا إِذَا ظَهَرَ كَوْنُ الْخَبَرِ صَادِقًا. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَدَدَ وَالْعَدَالَةَ لاَ يُعْتَبَرَانِ شَرْعًا فِي الْمُعَامَلاَتِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَةِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ.

وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الإِْلْزَامِ. أَلاَ تَرَى أَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ يَبْطُل لَوْ لَمْ يَطْلُبْ بَعْدَ الْخَبَرِ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَحَدُ شَرْطَيِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْعَدَدُ أَوِ الْعَدَالَةُ (١) .

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٧١٠، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٤.

٢٩ - وَشَرْطُ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ فَوْرِ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ (١) . إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَسَكَتَ عَنِ الطَّلَبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَطَل حَقُّ الشُّفْعَةِ فِي رِوَايَةِ الأَْصْل. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ وَخِيَارِ الْقَبُول مَا لَمْ يَقُمْ عَنِ الْمَجْلِسِ أَوْ يَتَشَاغَل عَنِ الطَّلَبِ بِعَمَلٍ آخَرَ لاَ تَبْطُل شُفْعَتُهُ وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ ثَبَتَ نَظَرًا لِلشَّفِيعِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّأَمُّل أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ هَل تَصْلُحُ بِمِثْل هَذَا الثَّمَنِ وَأَنَّهُ هَل يَتَضَرَّرُ بِجِوَارِ هَذَا الْمُشْتَرِي فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، أَمْ لاَ يَتَضَرَّرُ بِهِ فَيَتْرُكُ. وَهَذَا لاَ يَصِحُّ بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى التَّأَمُّل شَرْطُ الْمَجْلِسِ فِي جَانِبِ الْمُخَيَّرَةِ، وَالْقَبُول، كَذَا هَاهُنَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ الأَْصْل مَا رُوِيَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: الشُّفْعَةُ كَحَل الْعِقَال (٢) وَلأَِنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ، إِذِ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ تَمَلُّكُ مَالٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ لِخَوْفِ ضَرَرٍ

_________

(١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٣، ابن عابدين ٦ / ٢٢٤ - ٢٢٥، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٨، المقنع ٢ / ٢٦٠.

(٢) حديث: " الشفعة كحل العقال " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٣٥ - ط. الحلبي) من حديث ابن عمر، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٦٢ - ط دار الجنان)، وانظر سبل السلام ٣ / ٧٦.

يَحْتَمِل الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ فَلاَ يَسْتَقِرُّ إِلاَّ بِالطَّلَبِ عَلَى الْمُوَاثَبَةِ (١) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْمُوَاثَبَةِ حَالاَتٍ يُعْذَرُ فِيهَا بِالتَّأْخِيرِ كَمَا إِذَا سَمِعَ بِالْبَيْعِ فِي حَال سَمَاعِهِ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ سَلَّمَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْل طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .

وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ مَخُوفٌ، أَوْ أَرْضٌ مَسْبَعَةٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَانِعِ، لاَ تَبْطُل شُفْعَتُهُ بِتَرْكِ الْمُوَاثَبَةِ إِلَى أَنْ يَزُول الْحَائِل (٣) .

٣٠ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ بَل وَقْتُ وُجُوبِهَا مُتَّسِعٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْل مَالِكٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ هَل هُوَ مَحْدُودٌ أَمْ لاَ؟ فَمَرَّةً قَال: هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَأَنَّهَا لاَ تَنْقَطِعُ أَبَدًا، إِلاَّ أَنْ يُحْدِثَ الْمُبْتَاعُ بِنَاءً أَوْ تَغْيِيرًا كَثِيرًا بِمَعْرِفَتِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ عَالِمٌ سَاكِتٌ، وَمَرَّةً حَدَّدَ هَذَا الْوَقْتَ بِسَنَةٍ، وَهُوَ الأَْشْهَرُ كَمَا يَقُول ابْنُ رُشْدٍ وَقِيل أَكْثَرُ مِنَ السَّنَةِ وَقَدْ قِيل عَنْهُ إِنَّ الْخَمْسَةَ الأَْعْوَامَ لاَ تَنْقَطِعُ فِيهَا الشُّفْعَةُ (٤) .

٣١ - وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الشُّفْعَةَ يَجِبُ طَلَبُهَا عَلَى الْفَوْرِ لأَِنَّهَا حَقٌّ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٧١١، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٢.

(٢) ابن عابدين ٦ / ٢٢٤، ٢٢٥.

(٣) البدائع ٦ / ٢٧١٣، الهداية مع الفتح ٩ / ٣٨٤، والزيلعي ٥ / ٢٤٢.

(٤) بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٢٦٣ وما بعدها، والدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤٨٤.