الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
مِنْهُ. وَهَكَذَا كَانَ أَكْثَرُ وُضُوئِهِ ﷺ ثَلاَثًا ثَلاَثًا وَالطَّوَافُ مَاشِيًا وَأَكْثَرُ شُرْبِهِ جَالِسًا.
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ: لاَ يُكْرَهُ الشُّرْبُ قَائِمًا. وَأَضَافَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِلاَ عُذْرٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى لِلأَْحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَحَادِيثَ النَّهْيِ، وَقِيل: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ (١) .
(٦) مَصُّ الْمَاءِ:
٨ - يُنْدَبُ مَصُّ الْمَاءِ وَيُكْرَهُ عَبُّهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا وَلاَ يَعُبُّ عَبًّا فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ (٢) .
وَالْكُبَادُ وَجَعُ الْكَبِدِ، وَمِثْل الْمَاءِ كُل مَائِعٍ كَاللَّبَنِ (٣) .
وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: يَعُبُّ اللَّبَنَ لأَِنَّهُ طَعَامٌ (٤) .
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٩٥، روضة الطالبين ٧ / ٣٤٠، وعمدة القاري ٢١ / ١٩٣، وزاد المعاد ٤ / ٢٢٩.
(٢) حديث: " إذا شرب أحدكم فليمص مصا. . . ". أخرجه عبد الرزاق (١٠ / ٤٢٨ - ط المجلس العلمي) وعنه البيهقي (٧ / ٢٨٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن أبي حسين مرسلا، وكذا أعله البيهقي بالإرسال.
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ١٨٠، والشرح الصغير ٤ / ٧٥٤.
(٤) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٣.
(٧) تَقْلِيل الشَّرَابِ:
٩ - يُطْلَبُ تَخْفِيفَ الْمَعِدَةِ بِتَقْلِيل الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى قَدْرٍ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَلاَ كَسَلٌ عَنِ الْعِبَادَةِ (١) .
قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: اعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى بَالَغَ فِي تَقْلِيل الْغِذَاءِ أَوِ الشَّرَابِ فَأَضَرَّ بِبَدَنِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ قَصَّرَ عَنْ فِعْل وَاجِبٍ لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، كَالتَّكَسُّبِ لِمَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَإِلاَّ كُرِهَ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ عَنِ الأَْمْرِ الشَّرْعِيِّ (٢) .
(٨) الشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ:
١٠ - يُكْرَهُ الشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ، وَكَذَا اخْتِنَاثُ الأَْسْقِيَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ (٣) . وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: ﴿نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَْسْقِيَةِ (٤)
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ٧٥٢، ٧٥٣.
(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٢٠٠.
(٣) حديث: " نهى عن الشراب من فيّ السقاء ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٩٠ - ط السلفية) .
(٤) حديث: " نهى عن اختناث الأسقية ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٨٩ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٠٠ - ط الحلبي) .
يَعْنِي أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا (١) .
وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا لِلتَّنْزِيهِ، لاَ لِلتَّحْرِيمِ. وَنَقَل النَّوَوِيُّ الاِتِّفَاقَ عَلَى هَذَا (٢) . وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ تَدُل عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ. قَال الْعِرَاقِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْجَوَازِ وَبَيْنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْمَنْعِ: إِنَّهُ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاءً مُتَيَسِّرًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُل بِكَفِّهِ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ، وَعَلَى هَذَا تُحْمَل الأَْحَادِيثُ الَّتِي تَدُل عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَتُحْمَل عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ (٣) .
وَقِيل: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْجَوَازِ إِلاَّ بِفِعْلِهِ ﷺ وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ كُلُّهَا مِنْ قَوْلِهِ، فَهِيَ أَرْجَحُ (٤) .
وَوَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي النَّهْيِ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْ دُخُول شَيْءٍ مِنَ الْهَوَامِّ مَعَ الْمَاءِ فِي جَوْفِ السِّقَاءِ، فَيَدْخُل فَمَ الشَّارِبِ
_________
(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٨، والآداب الشرعية ٣ / ١٨٢، وروضة الطالبين ٧ / ٣٤٠.
(٢) عمدة القاري ٢١ / ١٩٩.
(٣) نيل الأوطار ٨ / ١٩٧ - ط العثمانية.
(٤) عمدة القاري ٢١ / ١٩٩.
وَلاَ يَدْرِي. فَعَلَى هَذَا لَوْ مَلأَ السِّقَاءَ وَهُوَ يُشَاهِدُ الْمَاءَ الَّذِي يَدْخُل فِيهِ ثُمَّ رَبَطَهُ رَبْطًا مُحْكَمًا، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ حَلَّهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، لاَ يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَقِيل: مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ لأَِنَّ ذَلِكَ يُنْتِنُهُ (١) وَهَذَا عَامٌّ. وَقِيل: إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ مَنْ فِي السِّقَاءِ قَدْ يَغْلِبُهُ الْمَاءُ فَيَنْصَبُّ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَتِهِ فَلاَ يَأْمَنُ أَنْ يَشْرَقَ بِهِ أَوْ تَبْتَل ثِيَابُهُ (٢) .
(٩) الشُّرْبُ مِنْ ثُلْمَةِ الإِْنَاءِ:
١١ - يُكْرَهُ الشُّرْبُ مِنْ ثُلْمَةِ الإِْنَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَأَنْ يَنْفُخَ فِي الشَّرَابِ (٣) .
قَال الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ لأَِنَّهُ إِذَا شَرِبَ مِنْهَا تَصَبَّبَ الْمَاءُ
_________
(١) حديث: " نهى أن يشرب من فيّ السقاء، لأن ذلك ينتنه ". أخرجه الحاكم (٤ / ١٤٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة وقواه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٩١ - ط السلفية) .
(٢) عمدة القاري ٢١ / ١٩٩ - ٢٠٠، والآداب الشرعية ٣ / ١٨٢.
(٣) حديث: " نهى عن الشرب من ثلمة القدح ". أخرجه أبو داود (٤ / ١١١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وإسناده حسن لغيره، وله شواهد ذكرها الهيثمي في المجمع (٥ / ٧٨ - ط القدسي) .
وَسَال قَطْرُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَثَوْبِهِ، لأَِنَّ الثُّلْمَةَ لاَ تَتَمَاسَكُ عَلَيْهَا شَفَةُ الشَّارِبِ، كَمَا تَتَمَاسَكُ عَلَى الْمَوْضِعِ الصَّحِيحِ مِنَ الْكُوزِ وَالْقَدَحِ (١) .
(١٠) الْحَمْدُ عَقِبَ الشُّرْبِ:
١٢ - يُسَنُّ لِلشَّارِبِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَقِبَ الشُّرْبِ (٢)؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُل الأَْكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا (٣) .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَل أَوْ شَرِبَ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَل لَهُ مَخْرَجًا (٤) .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَال:
_________
(١) الآداب الشرعية ٣ / ١٨٣ ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٨، ومعالم السنن للخطابي ٤ / ٢٧٤ - ط المطبعة العلمية بحلب.
(٢) الفتوحات الربانية ٥ / ٢٨٨، ٢٢٩، والإقناع للشربيني الخطيب ٢ / ٢٣٩.
(٣) حديث: " إن الله ليرضى عن العبد. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٥ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٤) حديث: " كان إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى ". أخرجه أبو داود (٤ / ١٨٧ - ١٨٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ (١) .
قَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: " يُنْدَبُ أَنْ يَشْرَبَ فِي ثَلاَثَةِ أَنْفَاسٍ، بِالتَّسْمِيَةِ فِي أَوَائِلِهَا وَبِالْحَمْدِ فِي أَوَاخِرِهَا (٢) ".
(١١) التَّيَامُنُ فِي مُنَاوَلَةِ الشَّرَابِ:
١٣ - يُسَنُّ التَّيَامُنُ فِي مُنَاوَلَةِ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا. قَال الرَّحِيبَانِيُّ: إِذَا شَرِبَ لَبَنًا أَوْ غَيْرَهُ سُنَّ أَنْ يُنَاوِل الأَْيْمَنَ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي مُنَاوَلَتِهِ الأَْكْبَرَ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ نَاوَلَهُ لَهُ (٣) .
فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الأَْعْرَابِيَّ، وَقَال: الأَْيْمَنَ الأَْيْمَنَ (٤) . وَمِنْ حَدِيثِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ الأَْنْصَارِيِّ:
_________
(١) حديث: " كان إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ١٨٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأعله الذهبي بالاضطراب وبجهالة أحد رواته، كذا في " الميزان " (١ / ٢٢٨ - ط الحلبي) .
(٢) أسنى المطالب ٣ / ٢٢٨.
(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٥١.
(٤) حديث أنس: أن رسول الله (ص) أتى بلبن. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٨٦ - ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٦٠٣ - ط الحلبي) .
أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَْشْيَاخُ، فَقَال لِلْغُلاَمِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَال: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَال: فَتَلَّهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ (١) . قَال الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ التَّيَامُنِ فِي الْمُنَاوَلَةِ آكَدُ مِنْ حُكْمِ السِّنِّ (٢) .
الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
١٤ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ تَحْرِيمَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَإِنَاءِ الْفِضَّةِ، وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ. (٣)
وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ، إِلاَّ مَا نُقِل عَنِ التَّابِعِيِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، وَنُقِل عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي سَمَاعِ حَرْمَلَةَ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ لأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالأَْعَاجِمِ (٤) .
٠
_________
(١) حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ " أتى بشراب. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٨٦ - ط السلفية) .
(٢) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٧، والمنتقى ٧ / ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٧٥ وما بعدها والدسوقي ١ / ٦٤، والمجموع ١ / ٢٥٠ والمنتقى ٧ / ٢٣٥ والهداية وشروحها ٨ / ٨١.
(٤) المجموع ١ / ٢٤٩ وفتح الباري ١٠ / ٩٤.
شُرْبُ الْجُنُبِ:
١٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ أَنْ يَتَوَضَّأَ لإِرَادَةِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُل أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ (١) .
قَال أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: وَلاَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْحَائِضِ لأَِنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا، وَيُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجَنَابَةِ؛ لأَِنَّهُ يُخَفِّفُهُ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (٢) .
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْجُنُبَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْوُضُوءِ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ.
قَال مَالِكٌ: لاَ يَتَوَضَّأُ إِلاَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَقَطْ وَهُوَ جُنُبٌ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ أَوْ يُعَاوِدَ الْجِمَاعَ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْوُضُوءِ (٣) .
الشُّرْبُ فِي الصَّلاَةِ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِنْ
_________
(١) حديث: " رخص رسول الله ﷺ للجنب. . . ". أورده صاحب مطالب أولي النهى (١ / ١٨٦ - ط المكتب الإسلامي) وعزاه إلى أحمد وقال: " بإسناد صحيح ".
(٢) مطالب أولي النهى ١ / ١٨٦ والمغني ١ / ٢٢٩ والإقناع للشربيني الخطيب ١ / ٦١ والمجموع ٢ / ١٥٥.
(٣) المنتقى ١ / ٩٨.
الشُّرْبِ، وَأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ عَامِدًا لَزِمَهُ الإِْعَادَةُ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ سَاهِيًا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَيُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَدَمَ بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَا إِذَا كَانَ الشُّرْبُ يَسِيرًا، أَمَّا كَثِيرُ الشُّرْبِ فَيُبْطِل الصَّلاَةَ مُطْلَقًا (٢) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ الصَّلاَةَ يُفْسِدُهَا الشُّرْبُ مُطْلَقًا وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ، لأَِنَّهُ فِعْلٌ مُبْطِلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَالْعَمَل الْكَثِيرِ (٣) .
وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَيُبْطِلُهُ الشُّرْبُ الْمُتَعَمَّدُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ مَا أَبْطَل الْفَرْضَ أَبْطَل التَّطَوُّعَ كَسَائِرِ مُبْطِلاَتِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لاَ يُبْطِلُهُ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا شَرِبَا فِي
_________
(١) المجموع ٤ / ٨٩، ٩٠ المغني ٢ / ٦١، الشرح الصغير ١ / ٣٤٣، والزرقاني ١ / ٢٥١، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص١٧٧.
(٢) المغني ٢ / ٦٣ ومطالب أولي النهى ١ / ٥٣٨ والمجموع ٤ / ٩٠ والزرقاني ١ / ٢٥٢.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٢٤٢ وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص١٧٧ والمجموع ٤ / ٩٠ والمغني ٢ / ٦٢.
التَّطَوُّعِ. وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَال إِسْحَاقُ، لأَِنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ غَيْرَ الأَْكْل.
فَأَمَّا إِنْ كَثُرَ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُهَا، لأَِنَّ غَيْرَ الأَْكْل مِنَ الأَْعْمَال يُفْسِدُ إِذَا كَثُرَ، فَالأَْكْل وَالشُّرْبُ أَوْلَى (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَلاَة) .
شُرْبُ الصَّائِمِ:
١٧ - يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الأَْكْل وَالشُّرْبُ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ (٢) . فَإِنْ شَرِبَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ مُخْتَارٌ بَطَل صَوْمُهُ، لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّل بَيْنَ الأَْصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (٣) . فَدَل عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَصَل إِلَى الدِّمَاغِ شَيْءٌ بَطَل صَوْمُهُ.
_________
(١) المغني ٢ / ٦١ - ٦٢.
(٢) سورة البقرة / ١٨٧.
(٣) حديث: " أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ١٤٦ - ط الحلبي) من حديث لقيط بن صبرة، وقال: " حديث حسن صحيح ".