الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى الصَّائِمِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَوْم) .
الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ:
١٨ - يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي بَحْثِ زَمْزَم مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ج ٢٤ ف ٣
_________
(١) المجموع / ٣١٢ وانظر بدائع الصنائع ٢ / ٩١ ومطالب أولي النهى ٢ / ١٩١، وبداية المجتهد ١ / ٢٩٠ نشر دار المعرفة.
شِرْب
التَّعْرِيفُ:
١ - الشِّرْبُ فِي اللُّغَةِ: الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ.
قَال تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ صَالِحٍ ﵊: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) .
وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَاءِ عَيْنِهِ، وَعَلَى النَّوْبَةِ. وَهِيَ الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لاِسْتِحْقَاقِ الشُّرْبِ، وَعَلَى الْمَوْرِدِ، وَالْجَمْعُ أَشْرَابٌ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: نَوْبَةُ الاِنْتِفَاعِ، أَوْ زَمَنُ الاِنْتِفَاعِ بِالشِّرْبِ لِسَقْيِ الشَّجَرِ أَوِ الزَّرْعِ (٣) .
_________
(١) سورة الشعراء / ١٥٥.
(٢) لسان العرب، ابن عابدين ٥ / ٢٨١، وبدائع الصنائع ٦ / ١٨٨.
(٣) المصادر السابقة.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الشَّفَةُ:
٢ - وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُهُ الإِْنْسَانُ مِنَ الْمَاءِ لِدَفْعِ عَطَشٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِلطَّبْخِ أَوِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِسَقْيِ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ لِدَفْعِ الْعَطَشِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنَاسِبُهَا (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَنْوَاعُ الْمِيَاهِ بِالنِّسْبَةِ لِحَقَّيِ الشِّرْبِ وَالشَّفَةِ:
تَنْقَسِمُ الْمِيَاهُ بِالنَّظَرِ إِلَى تَمَلُّكِهَا وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْمَاءُ الْعَامُّ:
٣ - وَهُوَ النَّابِعُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَلاَ صُنْعَ لِلآْدَمِيِّينَ فِي إِنْبَاطِهِ وَإِجْرَائِهِ كَالأَْنْهَارِ الْكَبِيرَةِ كَالنِّيل وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَسَائِرِ أَوْدِيَةِ الْعَالَمِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَال، فَهَذَا النَّوْعُ حَقٌّ لِلنَّاسِ جَمِيعًا وَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِلْكٌ فِي الْمَاءِ وَلاَ فِي الْمَجْرَى.
وَلِكُل وَاحِدٍ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِهِ بِالشَّفَةِ وَالشِّرْبِ، وَلَهُ شَقُّ الْجَدَاوِل مِنَ الأَْنْهَارِ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨١.
وَنَحْوِهَا، وَنَصْبُ آلاَتِ السَّقْيِ عَلَيْهَا لإِجْرَاءِ الْمِيَاهِ لأَِرْضِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وَسَائِل الاِنْتِفَاعِ بِالْمَاءِ.
وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ وَلاَ لِغَيْرِهِ مَنْعُ أَحَدٍ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ بِكُل الْوُجُوهِ، إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ ضَرَرٌ عَلَى النَّهْرِ أَوِ الْجَمَاعَةِ (١) .
لِخَبَرِ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ فِي الْكَلأَِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ (٢) . فَإِنْ أَضَرَّ فِعْلُهُ بِالْعَامَّةِ فَلِلْحَاكِمِ إِزَالَةُ الْقَدْرِ الضَّارِّ مِنْ فِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ لِحَدِيثِ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٣) وَلِلْعَامَّةِ أَيْضًا مَنْعُهُ مِنَ الإِْضْرَارِ بِحَقِّهِمْ (٤) .
وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ أَخَذَ كُل وَاحِدٍ مَا شَاءَ.
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٤، نهاية المحتاج ٦ / ٣٥١، البدائع ٦ / ١٩٢، تبيين الحقائق ٦ / ٣٩، حاشية الدسوقي ٤ / ٧٤، شرح الزرقاني ٧ / ٧٢ - ٧٣.
(٢) حديث: " المسلمون شركاء في ثلاثة. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٥١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث رجل من المهاجرين. وإسناده صحيح.
(٣) حديث: " لا ضرر ولا ضرار ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٤٥ - ط الحلبي) من حديث يحيى المازني مرسلا. ولكن له طرق أخرى موصولة يتقوى بها، ذكرها ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص٢٨٦ - ٢٨٧ - ط الحلبي) .
(٤) المصادر السابقة.
وَإِنْ قَل الْمَاءُ أَوْ ضَاقَ الْمَشْرَعُ قُدِّمَ السَّابِقُ، فَإِنْ جَاءَا مَعًا أَقُرِعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ احْتَاجَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَاءِ لِسَقْيِ الأَْرْضِ، وَالْبَعْضُ الآْخَرُ لِلشُّرْبِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ دَوَابِّهِ قُدِّمَ الْمُحْتَاجُ لِلشُّرْبِ.
قِسْمَةُ الْمِيَاهِ الْعَامَّةِ:
٤ - إِذَا أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضِيهِمْ مِنْ مِثْل هَذِهِ الْمِيَاهِ، فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ عَظِيمًا وَالْمَشْرَعُ وَاسِعًا يَفِي بِالْجَمِيعِ سَقَى مَنْ شَاءَ مَتَى شَاءَ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ ضَاقَ الْمَشْرَعُ، سَقَى الأَْوَّل أَرْضَهُ ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى الثَّانِي، ثُمَّ الثَّانِي إِلَى الثَّالِثِ، وَهَكَذَا.
هَذَا إِذَا كَانَ الأَْوَّل قَدْ تَقَدَّمَ فِي الإِْحْيَاءِ عَلَى الأَْسْفَل، أَوْ تَسَاوَيَا فِي الإِْحْيَاءِ، أَمَّا إِنْ تَقَدَّمَ الأَْسْفَل فَيُقَدَّمُ هُوَ (١) .
فَإِنْ لَمْ يَفْضُل عَنِ الأَْوَّل شَيْءٌ أَوْ عَنِ الثَّانِي أَوْ عَنْ مَنْ يَلِيهِمْ فَلاَ شَيْءَ لِلْبَاقِينَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ مَا فَضَل فَلَمْ يَفْضُل شَيْءٌ كَالْعَصَبَةِ فِي الْمِيرَاثِ (٢) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٥، أسنى المطالب ٣ / ٤٥٤، المغني ٥ / ٥٨٣، حاشية الدسوقي ٤ / ٧٤، رد المحتار ٥ / ٢٨٢.
(٢) المغني ٥ / ٥٨٣ والمصادر السابقة.
مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ قَال: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَْنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِل الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الأَْنْصَارِيُّ وَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَال: يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجُدُرِ (١) وَقَال الزُّبَيْرُ فَوَاَللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) . وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَظَرْنَا فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الْجُدُرِ فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٣) .
٥ - وَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّل النَّهْرِ اقْتَسَمَا الْمَاءَ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَيُقَدَّمُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، فَإِنْ كَانَ لاَ يَفْضُل عَنْ أَحَدِهِمَا سَقَى مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ تَرَكَهُ لِلآْخَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ جَمِيعَ الْمَاءِ؛ لأَِنَّ الآْخَرَ يُسَاوِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي
_________
(١) حديث: " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٩ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠ - ط الحلبي) .
(٢) سورة النساء - ٦٥.
(٣) المغني ٥ / ٥٨٥.
الاِسْتِيفَاءِ أَوَّلًا. لاَ فِي أَصْل الْحَقِّ بِخِلاَفِ الأَْعْلَى مَعَ الأَْسْفَل.
فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْضِ الآْخَرِ قُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الأَْرْضِ، لأَِنَّ الزَّائِدَ مِنْ أَرْضِ أَحَدِهِمَا مُسَاوٍ فِي الْقُرْبِ، فَاسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنَ الْمَاءِ كَمَا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ ثَالِثٍ (١) .
٦ - وَإِنْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ حَقُّ الشُّرْبِ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ أَوْ سَيْلٍ وَأَحْيَا غَيْرُهُمْ أَرْضًا مَوَاتًا أَقْرَبَ إِلَى رَأْسِ النَّهْرِ مِنْ أَرْضِهِمْ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَهُمْ لأَِنَّهُمْ أَسْبَقُ مِنْهُ إِلَى النَّهْرِ، وَلأَِنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا، وَالْمَاءُ أَهَمُّ الْمَرَافِقِ، فَلاَ يَمْلِكُ إِبْطَال حُقُوقِهَا، وَالشُّرْبُ مِنْ حُقُوقِهَا (٢) .
كَرْيُ الأَْنْهَارِ الْعَامَّةِ:
٧ - الْكَرْيُ: إِخْرَاجُ الطِّينِ مِنْ أَرْضِ النَّهْرِ وَحَفْرُهُ وَإِصْلاَحُ ضِفَّتَيْهِ، وَمُؤْنَةُ الْكَرْيِ وَجَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الإِْصْلاَحِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَال شَيْءٌ، أَجْبَرَ الْحَاكِمُ
_________
(١) المغني ٥ / ٥٨٤ - ٥٨٥، أسنى المطالب ٢ / ٤٥٤، روضة الطالبين ٥ / ٣٠٦.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٦، المغني ٥ / ٥٨٥ أسنى المطالب ٢ / ٤٥٤، ابن عابدين ٥ / ٢٨٤.
النَّاسَ عَلَى إِصْلاَحِ النَّهْرِ إِنِ امْتَنَعُوا عَنْهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَتَحْقِيقًا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ (١) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ فِي أَنْهَارٍ وَسَوَاقِي مَمْلُوكَةٍ:
٨ - مَنْ يَحْفِرُ نَهْرًا يَدْخُل فِيهِ الْمَاءُ مِنَ النَّهْرِ الْعَظِيمِ أَوْ مِنْ نَهْرٍ مُتَفَرِّعٍ مِنْهُ، فَالْمَاءُ فِي هَذَا بَاقٍ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَلَكِنْ مَالِكُ النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّيْل يَدْخُل فِي مِلْكِهِ، وَلِغَيْرِهِ حَقُّ الشِّرْبِ مِنْهُ وَالاِسْتِعْمَال، وَسَقْيِ الدَّوَابِّ لاَ سَقْيِ أَرْضِهِ وَشَجَرِهِ، فَإِنْ أَبَى صَاحِبُهُ كَانَ لِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ جَبْرًا، وَلَهُ إِنْ مَنَعَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ وَلَوْ بِالسِّلاَحِ لأَِنَّ الْمَاءَ فِي النَّهْرِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ بِشَرْطِ أَلاَّ يَجِدَ الْمُضْطَرُّ مَاءً مُبَاحًا (٢) . لأَِثَرِ عُمَرَ ﵁ " رَوَى أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ، فَلَمْ يَدُلُّوهُمْ عَلَيْهَا فَقَالُوا: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ تَتَقَطَّعُ مِنَ الْعَطَشِ، فَدُلُّونَا عَلَى الْبِئْرِ، وَأَعْطُونَا دَلْوًا نَسْتَقِي، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَذُكِرَ ذَلِكَ - لِعُمَرِ ﵁ فَقَال: هَلاَّ وَضَعْتُمِ السِّلاَحَ فِيهِمْ.
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٦، أسنى المطالب ٢ / ٤٥٤ ابن عابدين ٥ / ٢٨٤.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٧، أسنى المطالب ٢ / ٤٥٥، رد المحتار ٥ / ٢٨٢، بدائع الصنائع ٦ / ١٨٩، المغني ٥ / ٥٨٧ - ٥٨٩.
وَيَجُوزُ لِغَيْرِ مَالِكِ النَّهْرِ أَنْ يَحْفِرَ فَوْقَ نَهْرِهِ نَهْرًا إِنْ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضَيَّقَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
فَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْحَفْرِ اشْتَرَكُوا فِي الْمِلْكِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ، فَإِنِ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ مِنَ الأَْرْضِ يَكُونُ عَمَل كُل وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ أَرْضِهِ، فَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرْضِهِ مُتَطَوِّعًا فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَى الْبَاقِينَ. فَإِنْ أُكْرِهَ أَوْ شَرَطُوا لَهُ عِوَضًا رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِأُجْرَةِ مَا زَادَ، وَلَيْسَ لِلأَْعْلَى حَبْسُ الْمَاءِ عَنِ الأَْسْفَل.
وَإِذَا اقْتَسَمُوا الْمَاءَ بِالأَْيَّامِ وَالسَّاعَاتِ جَازَ؛ لأَِنَّهُ حَقَّهُمْ لاَ يَخْرُجُ عَنْهُمْ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي قِسْمَتِهِ قَسَمَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلاَكِهِمْ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ مِنَ النَّهْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ (١)، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْصِبَ خَشَبَةً فِي عَرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ. وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمُ التَّصَرُّفُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ بِتَوْسِيعِ فَمِ النَّهْرِ أَوْ تَضْيِيقِهِ وَلاَ بِنَاءِ قَنْطَرَةٍ عَلَيْهِ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ. وَعِمَارَتُهُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْمِلْكِ لاِشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمِلْكِ وَالاِنْتِفَاعِ، وَلَهُمْ أَنْ
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٧، المغني ٥ / ٥٨٥ - ٥٨٦، ابن عابدين ٥ / ٢٨٤ - ٢٨٥، المصادر السابقة.
يَقْتَسِمُوا مُهَايَأَةً بِأَنْ يَسْقِيَ كُل وَاحِدٍ يَوْمًا أَوْ بَعْضُهُمْ يَوْمًا فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ حِصَّتِهِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنِ الْمُهَايَأَةِ مَتَى شَاءَ، وَلَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوا بِكُل مَا يُتَوَصَّل بِهِ لإِعْطَاءِ كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنَ الْمَاءِ (١) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَنْبَعُ مَمْلُوكًا:
٩ - كَأَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ لِلتَّمَلُّكِ، أَوِ انْفَجَرَتْ فِي مِلْكِهِ عَيْنٌ. فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْمَاءَ لأَِنَّهُ نَمَاءٌ مَلَكَهُ كَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْل الْفَاضِل مِنَ الْمَاءِ عَنْ شُرْبِهِ لِشُرْبِ غَيْرِهِ، وَبَذْل مَا فَضَل عَنْ مَاشِيَتِهِ لِمَاشِيَةِ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الْكَلأَِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ (٢) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ كَلأٌَ تَرْعَى الْمَاشِيَةُ مِنْهُ، وَلاَ يَجِدُ مَاءً مُبَاحًا أَوْ مَمْلُوكًا يَبْذُلُهُ صَاحِبُهُ لَهُ مَجَّانًا.
وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، لِلنَّهْيِ عَنْ
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ٤٥٥، روضة الطالبين ٥ / ٣٠٧، المحلي على القيوبي ٣ / ٩٦ - ٩٧، المغني ٥ / ٥٨٥، ٥٨٦، ابن عابدين ٥ / ٢٨٥، بدائع الصنائع ٦ / ١٩٠ - ١٩١، تبيين الحقائق ٦ / ٤٢، القوانين الفقهية ٣٣١، حاشية الدسوقي ٤ / ٧٤.
(٢) حديث: " الناس شركاء في ثلاث. . . ". تقدم تخريجه ف٢.