الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
لِلْمُقَلِّدِ - وَهُوَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الاِجْتِهَادِ - وَالْعَامِّيِّ هَل يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لاَ؟ وَهَل يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ أَوْ لاَ؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُول أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنِ الأَْرْجَحِ عِلْمًا؟ قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ: إِذَا عَرَفْتَ هَذَا اسْتَبَانَ لَكَ أَنَّ خُرُوجَ الْمُقَلِّدِ مِنَ الْعَمَل بِالْمَشْهُورِ إِلَى الْعَمَل بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ لِلرُّخَصِ صَحِيحٌ عِنْدَ كُل مَنْ قَال بِعَدَمِ لُزُومِ تَقْلِيدِ أَرْجَحَ (١) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ فِي ذَلِكَ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (اجْتِهَاد وَتَقْلِيد) .
وَقَال ابْنُ أَبِي زَيْدٍ لاَ يَصِحُّ تَخْيِيرُ الْمُقَلِّدِ بَل يَتَعَيَّنُ الْقَوْل الرَّاجِحُ، فَإِنْ تَأَهَّل لِلتَّرْجِيحِ وَجَبَ الأَْرْجَحُ بِرُجْحَانِ الْقَائِل، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الاِجْتِهَادِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ تَقْلِيدَ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الْفَاضِل مَمْنُوعٌ وَهَذَا الْقَوْل تُعَضِّدُهُ الْقَوَاعِدُ الأُْصُولِيَّةُ، وَعَلَيْهِ بَنَى حُجَّةُ الإِْسْلاَمِ الْغَزَالِيُّ وَالإِْمَامُ الْمَازِرِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَالتَّحْقِيقُ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلًا غَيْرَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا، فَقَدِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهَلَكَ فِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، فَالْعَمَل بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ
_________
(١) فتح العلي المالك ١ / ٦٠ - ٦١ نشر دار المعرفة أو ١ / ٥١ - ٥٢ الطبعة التجارية.
كُل عَالِمٍ مُتَمَكِّنٍ، وَإِذَا اطَّلَعَ الْمُقَلِّدُ عَلَى خِلاَفٍ فِي مَسْأَلَةٍ تَخُصُّهُ وَفِيهَا قَوْلٌ رَاجِحٌ بِشُهْرَةٍ أَوْ عَمَلٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ وَلاَ يُفْتِي بِغَيْرِهِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ فَادِحَةٍ وَالْتِزَامِ مَفْسَدَةٍ وَاضِحَةٍ (١) .
وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الْمُقَلِّدُ أَوِ الْمُفْتِي لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ إِلاَّ بِالْمَشْهُورِ (٢) .
وَقَال أَبُو الْفَضْل قَاسِمُ الْعُقْبَانِيُّ: إِنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِالشَّاذِّ يُنْظَرُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي عَدَل بِهِ عَنِ الْمَشْهُورِ إِلَى الشَّاذِّ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ لِمَظِنَّةِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ نُقِضَ حُكْمُهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ الشَّاذُّ إِلاَّ أَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّظَرِ مِمَّنْ يُدْرِكُ الرَّاجِحَ وَالْمَرْجُوحَ مَضَى حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ زُجِرَ عَنْ مُوَافَقَةِ مِثْل هَذَا، أَيْ وَلَمْ يَمْضِ حُكْمُهُ.
وَقَدْ كَانَ الْمَازِرِيُّ - وَهُوَ فِي طَبَقَةِ الْمُجْتَهِدِينَ - لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْفَتْوَى بِالْمَشْهُورِ وَلاَ يَرْضَى حَمْل النَّاسِ عَلَى خِلاَفِهِ - لَكِنَّهُ أَفْتَى مَرَّةً بِالشَّاذِّ وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الدَّاوُدِيِّ عَنْ مَالِكٍ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِضَعْفِهَا وَشُذُوذِهَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْقَاقِ الأَْرْضِ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ بَعْدَ
_________
(١) فتح العلي ١ / ٦٢ - ٦٣ نشر دار المعرفة.
(٢) فتح العلي ١ / ٥٥ - ٥٦، ٦٤ - ٦٥.
الزِّرَاعَةِ وَخُرُوجِ الإِْبَّانِ، وَخَالَفَ الْمَعْهُودَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْوُقُوفِ مَعَ الْمَشْهُورِ وَمَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ وَالْجُمْهُورُ لِلتَّشْدِيدِ عَلَى الظَّلَمَةِ وَالْمُتَعَدِّينَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، وَهُوَ مَأْلُوفٌ فِي الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ (١) .
٥ - وَقَال السُّبْكِيُّ: إِذَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَرَجَّحَ قَوْلًا مَنْقُولًا بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ، جَازَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْصْحَابِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّاذِّ الْغَرِيبِ فِي مَذْهَبِهِ - أَيْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَذْهَبِ - وَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الإِْمَامُ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ أَوِ الْعُرْفِ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَشْمَلْهُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ لِمَنِ انْتَسَبَ لِمَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ لإِمَامِهِ أَوْ وَجْهَيْنِ لأَِحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا، بَل
_________
(١) فتح العلي المالك ١ / ٦٤ - ٦٥ ط مصطفى محمد.
(٢) الأشباه للسيوطي ص ١٠٤ - ١٠٥ - ط دار الكتب العلمية.
عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيَّهُمَا أَقْرَبُ مِنَ الأَْدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَعْمَل بِهِ لِقُوَّتِهِ (١) .
شِرَاء
انْظُرْ: بَيْع
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٥٨، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٤٧.
شُرْب
التَّعْرِيفُ:
١ - الشُّرْبُ - بِالضَّمِّ - لُغَةً: تَنَاوُل كُل مَائِعٍ، مَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. (١)
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - الأَْصْل جَوَازُ شُرْبِ الْمَشْرُوبَاتِ كُلِّهَا إِلاَّ مَا قَامَتْ دَلاَلَةُ تَحْرِيمِهِ (٢) .
وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الشُّرْبِ يُتْلِفُ نَفْسَ الإِْنْسَانِ أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَوْ يُضْعِفُهُ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ مَا يَزُول مَعَهُ خَوْفُ الضَّرَرِ (٣) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ
_________
(١) المفردات للراغب الأصفهاني، والتعريفات للجرجاني، وطلبة الطلبة ص٣١٩ نشر دار القلم.
(٢) الجصاص ٣ / ٤١ ط المطبعة البهية المصرية.
(٣) الجصاص ٣ / ٤١، وابن عابدين ٥ / ٢١٥.
وَهُوَ مَا سَكَّنَ الظَّمَأَ فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْحَوَاسِّ (١) .
وَقَال الْجَصَّاصُ: أَمَّا الْحَال الَّتِي لاَ يَخَافُ الإِْنْسَانُ ضَرَرًا فِيهَا بِتَرْكِ الشُّرْبِ فَالشُّرْبُ مُبَاحٌ (٢) .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي شُرْبِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيل حَرَامٌ. وَقِيل مَكْرُوهٌ، قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (٣) .
آدَابُ الشُّرْبِ:
١) التَّسْمِيَةُ عَلَى الشُّرْبِ:
٣ - تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّل الشُّرْبِ.
قَال صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى: يُسَمِّي الشَّارِبُ عِنْدَ كُل ابْتِدَاءٍ وَيَحْمَدُ عِنْدَ كُل قَطْعٍ.
وَقَال الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَيْهَا. وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الشُّرْبِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَاجِزًا لِعَارِضٍ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ أَثْنَاءَ شُرْبِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْهَا، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ
_________
(١) القرطبي ٧ / ١٩١.
(٢) الجصاص ٣ / ٤١.
(٣) القرطبي ٧ / ١٩١ وابن العربي ٢ / ٧٧١.
وَيَقُول: " بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ " لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (١) .
وَتَحْصُل التَّسْمِيَةُ بِقَوْلِهِ: " بِسْمِ اللَّهِ " فَإِنْ قَال: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " كَانَ حَسَنًا (٢) .
(٢) الشُّرْبُ بِالْيَمِينِ:
٤ - يُسْتَحَبُّ الشُّرْبُ بِالْيَمِينِ، وَيُكْرَهُ الشُّرْبُ بِالشِّمَال إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ؛ لِخَبَرِ إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُل بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُل بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ (٣) . فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الشُّرْبَ بِالْيَمِينِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي الشِّمَال (٤) .
_________
(١) حديث: " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله ". أخرجه أبو داود (٤ / ١٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢٨٨ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٨٩ والمنتقى ٥ / ١٣٥ والشرح الصغير ٤ / ٧٥٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٤١، ٢٤٤ والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) حديث: " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٩٨ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٩١ - ١٩٢، والشرح الصغير ٤ / ٧٥٥، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٩.
(٣) الشُّرْبُ ثَلاَثَةُ أَنْفَاسٍ:
٥ - السُّنَّةُ: أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ فِي ثَلاَثَةِ أَنْفَاسٍ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِْنَاءِ ثَلاَثًا وَفِي لَفْظٍ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلاَثًا، وَيَقُول: إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ (١) . وَمَعْنَى أَرْوَى: أَيْ أَكْثَرُ رَيًّا، وَأَبْرَأُ: أَيْ أَسْلَمُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ أَذًى يَحْصُل بِسَبَبِ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ، وَأَمْرَأُ: أَيْ أَكْمَل انْسِيَاغًا.
قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَدِيثِ: هَذِهِ الأُْمُورُ الثَّلاَثَةُ إِنَّمَا تَحْصُل بِأَنْ يَشْرَبَ ثَلاَثَةَ أَنْفَاسٍ خَارِجَ الْقَدَحِ (٢) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشُّرْبِ بِنَفْسٍ وَاحِدٍ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُمَا أَجَازَاهُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ كَرَاهَةُ الشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ شُرْبُ الشَّيْطَانِ (٣) .
_________
(١) حديث: " كان يتنفس في الإناء ثلاثا ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٩٢ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٠٢ - ١٦٠٣ - ط الحلبي)، وقوله: " إنه أروى وأبرأ وأمرأ " تفرد به مسلم.
(٢) عمدة القاري ٢ / ٢٩٥، نيل الأوطار ٨ / ١٩٢ - ط العثمانية.
(٣) عمدة القاري ٢١ / ٢٠١.
(٤) عَدَمُ التَّنَفُّسِ فِي الإِْنَاءِ:
٦ - يُنْدَبُ إِبْعَادُ الْقَدَحِ حِينَ التَّنَفُّسِ حَالَةَ الشُّرْبِ، وَيُكْرَهُ التَّنَفُّسُ فِي الإِْنَاءِ كَمَا يُكْرَهُ النَّفْخُ فِيهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِْنَاءِ أَوْ يَنْفُخَ فِيهِ (١) .
قَال أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنِ النَّفْخِ فِي الإِْنَاءِ: نَهَى ﷺ عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ حَمْلًا لأُِمَّتِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، لأَِنَّ النَّافِخَ فِي آنِيَةِ الْمَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْ رِيقِهِ فِيهَا شَيْءٌ مَعَ النَّفْخِ فَيَتَقَذَّرَهُ النَّاظِرُ وَيُفْسِدَهُ عَلَيْهِ (٢) .
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: النَّهْيُ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي (الإِْنَاءِ) الَّذِي يُشْرَبُ مِنْهُ لِئَلاَّ يَخْرُجَ مِنَ الْفَمِ بُزَاقٌ يَسْتَقْذِرُهُ مَنْ شَرِبَ بَعْدَهُ مِنْهُ، أَوْ تَحْصُل فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالإِْنَاءِ (٣) .
(٥) عَدَمُ الشُّرْبِ قَائِمًا:
٧ - كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الشُّرْبُ قَاعِدًا، هَذَا
_________
(١) حديث: " نهى أن يتنفس في الإناء ". أخرجه الترمذي (٤ / ٣٠٤ - الحلبي) وقال: (حديث حسن صحيح) .
(٢) المنتقى ٧ / ٢٣٦، وانظر الآداب الشرعية ٣ / ١٨٠ ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٨.
(٣) الشرح الصغير ٤ / ٧٥٤، ٧٥٥، ونيل الأوطار ٨ / ١٩٢.
كَانَ هَدْيُهُ الْمُعْتَادُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا (١)، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ الَّذِي شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيءَ (٢)، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. أَمَّا شُرْبُهُ ﷺ قَائِمًا فَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ، فَلاَ إِشْكَال وَلاَ تَعَارُضَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
ثُمَّ قَال: فَإِنْ قِيل: كَيْفَ يَكُونُ الشُّرْبُ قَائِمًا مَكْرُوهًا وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ إِذَا كَانَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لاَ يَكُونُ مَكْرُوهًا بَل الْبَيَانُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ﷺ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ، مَعَ أَنَّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا وَالطَّوَافَ مَاشِيًا أَكْمَل. وَنَظَائِرُ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، فَكَانَ ﷺ يُنَبِّهُ عَلَى جَوَازِ الشَّيْءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ وَيُوَاظِبُ عَلَى الأَْفْضَل
_________
(١) حديث: " نهى عن الشرب قائما ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٠٠ - ط الحلبي) من حديث أنس.
(٢) حديث: " أمر الذي شرب قائما أن يستقئ ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٠١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: " صح عنه أنه شرب قائما ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٨١ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٠١ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.