الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
شَحْم
التَّعْرِيفُ اللُّغَوِيُّ:
١ - الشَّحْمُ فِي الْحَيَوَانِ: هُوَ جَوْهَرُ السِّمَنِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي سَنَامَ الْبَعِيرِ شَحْمًا وَبَيَاضَ الْبَطْنِ شَحْمًا. وَالْجَمْعُ شُحُومٌ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالشَّحْمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ مِنْ شَحْمِ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ.
وَيَقُول الْبَعْضُ: الشَّحْمُ كُل مَا يَذُوبُ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدُّهْنُ:
٢ - الدُّهْنُ: مَا يُدْهَنُ بِهِ مِنْ زَيْتٍ وَغَيْرِهِ، وَجَمْعُهُ دِهَانٌ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير ومتن اللغة ولسان العرب.
(٢) المغني ٨ / ٨١٠ وفتح القدير ٤ / ٣٩٩، ٤٠٠ نشر دار إحياء التراث العربي، وحاشية الجمل ٥ / ٣٠٧.
(٣) المصباح المنير.
وَالدُّهْنُ أَعَمُّ مِنَ الشَّحْمِ لأَِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، وَالشَّحْمُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْحَيَوَانِ (١) .
ب - الدَّسَمُ:
٣ - الدَّسَمُ: هُوَ الْوَدَكُ، وَيَتَنَاوَل الأَْلْيَةَ وَالسَّنَامَ وَشَحْمَ الْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْجَنْبِ كَمَا يَتَنَاوَل الدُّهْنَ الْمَأْكُول. فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشَّحْمِ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّحْمِ:
٤ - شَحْمُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى حَلاَلٌ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ أُخِذَ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الْمَأْكُولَةِ كَالْخِنْزِيرِ فَشَحْمُهَا حَرَامٌ كَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ أَكْل شُحُومِ الْمَيْتَةِ فَلاَ تُؤَثِّرُ التَّذْكِيَةُ فِيهِ.
أَمَّا الاِنْتِفَاعُ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي غَيْرِ الأَْكْل فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِهِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ، قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ
_________
(١) المعجم الوسيط مادة (دهن) .
(٢) لسان العرب وحاشية الجمل ٥ / ٣٠٧، ٣٠٨.
الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ الاِنْتِفَاعِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَالاِسْتِصْبَاحِ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلاَ فِي بَدَنِ الآْدَمِيِّ. وَبِهَذَا قَال أَيْضًا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (٢) وَرَأَوْا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي هُوَ حَرَامٌ يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْعِ لاَ إِلَى مُطْلَقِ الاِنْتِفَاعِ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: اسْتِصْبَاح وَمَيْتَة) .
شُحُومُ ذَبَائِحِ أَهْل الْكِتَابِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي شُحُومِ ذَبَائِحِ أَهْل الْكِتَابِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُل ذِي ظُفُرٍ. . .﴾ (٣) الآْيَةَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ٦ والمغني ٨ / ٦١٠ وابن عابدين ٤ / ١١٤، والحطاب ١ / ١٢٠. وحديث: " إن الله حرم بيع الخمر والميتة. . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٢٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٠٧ - ط الحلبي) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٦ وأسنى المطالب ١ / ٢٧٨.
(٣) سورة الأنعام / ١٤٦.
الْمَذْهَبِ، وَمَالِكٌ فِي قَوْلٍ: إِلَى حِل هَذِهِ الشُّحُومِ وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا حَلاَلٌ لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً (&# x٦٦١ ;) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢)، فَقَدْ أَحَل اللَّهُ تَعَالَى طَعَامَ أَهْل الْكِتَابِ وَهُوَ ذَبَائِحُهُمْ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا شَيْئًا لاَ شَحْمًا وَلاَ غَيْرَهُ فَدَل عَلَى جَوَازِ أَكْل جَمِيعِ الشُّحُومِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَذَبَائِحِ الْمُسْلِمِينَ (٣) .
وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ دُلِّيَ مِنَ الْحِصْنِ فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَقَال: وَاَللَّهِ لاَ أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا. فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ (٤) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا ثَبَتَ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ شَاةً فَأَكَل مِنْهَا وَلَمْ يُحَرِّمْ شَحْمَ بَطْنِهَا وَلاَ غَيْرَهُ (٥) .
_________
(١) المجموع ٩ / ٧١ والمغني ٨ / ٥٨٢ وكشاف القناع ٦ / ٢١١ - ٢١٢ والمنتقى ٣ / ١١٢.
(٢) سورة المائدة / ٥.
(٣) المجموع ٩ / ٧١.
(٤) أحكام أهل الذمة ١ / ٢٥٩. وحديث عبد الله بن مغفل أن جرابا من شحم. . أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٣٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٩٣ - ط الحلبي) بألفاظ متقاربة.
(٥) أحكام أهل الذمة ١ / ١٥٩. وحديث أن يهودية أهدت لرسول الله ﷺ شاة. . . . أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٣٠ - ط السلفية) .
وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ وَسَوَّارٍ - إِلَى تَحْرِيمِ شُحُومِ ذَبَائِحِ أَهْل الْكِتَابِ (١)، لأَِنَّ اللَّهَ ﷾ أَبَاحَ لَنَا طَعَامَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَالشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ مِنْ طَعَامِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَنَا مُبَاحَةً (٢) .
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ شُحُومِ الْيَهُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ عِنْدَهُ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (٣) .
_________
(١) المنتقى ٣ / ١١٢، والمجموع ٩ / ٧١ والمغني ٨ / ٥٨٣ وأحكام أهل الذمة ١ / ٢٥٨.
(٢) أحكام أهل الذمة ١ / ٢٦٠.
(٣) المنتقى ٣ / ١١٢ وأحكام أهل الذمة ١ / ٢٥٨.
شُذُوذ
التَّعْرِيفُ:
١ - الشُّذُوذُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ شَذَّ يَشِذُّ شُذُوذًا: إِذَا انْفَرَدَ عَنْ غَيْرِهِ.
وَالشَّاذُّ: الْمُنْفَرِدُ عَنْ غَيْرِهِ، أَوِ الْخَارِجُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَمِنَ النَّاسِ خِلاَفُ السَّوِيِّ، وَعَنِ اللَّيْثِ: شَذَّ الرَّجُل: إِذَا انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ. وَكَذَا كُل شَيْءٍ مُنْفَرِدٍ فَهُوَ شَاذٌّ (١) .
وَالشَّاذُّ فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ هُوَ مَا كَانَ مُقَابِلًا لِلْمَشْهُورِ أَوِ الرَّاجِحِ أَوِ الصَّحِيحِ، أَيْ أَنَّهُ الرَّأْيُ الْمَرْجُوحُ أَوِ الضَّعِيفُ أَوِ الْغَرِيبُ. جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: الأَْصَحُّ مُقَابِلٌ لِلصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحُ مُقَابِلٌ لِلضَّعِيفِ، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الأَْشْبَاهِ لِبِيرِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْغَالِبِ؛ لأَِنَّا
_________
(١) لسان العرب والمعجم الوسيط والمصباح المنير.
وَجَدْنَا مُقَابِل الأَْصَحِّ الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (١) .
وَفِي فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ: خُرُوجُ الْمُقَلِّدِ مِنَ الْعَمَل بِالْمَشْهُورِ إِلَى الْعَمَل بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ لِلرُّخَصِ، صَحِيحٌ عِنْدَ كُل مَنْ قَال بِعَدَمِ لُزُومِ تَقْلِيدٍ أَرْجَحَ (٢) .
وَلَمْ نَجِدْ تَعْرِيفًا لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمْ يُعَبِّرِ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا نَعْلَمُ بِالشَّاذِّ، فَيَشْمَلُهُ كَلاَمُهُمْ عَنِ الضَّعِيفِ وَمَنْعُهُمُ الْعَمَل بِهِ دُونَ تَرْجِيحٍ.
قَال النَّوَوِيُّ: قَدْ يَجْزِمُ نَحْوُ عَشَرَةٍ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ بِشَيْءٍ وَهُوَ شَاذٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ وَمُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (٣) .
أَمَّا الشَّاذُّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَال الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ.
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاذَّ مَا
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥٠.
(٢) فتح العلي المالك ١ / ٦١ - ٦٢، وينظر الخرشي ١ / ٣٥ - ٣٦، والعدوي عليه.
(٣) المجموع للنووي ١ / ٨٣.
لَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ، يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ وَيُتَوَقَّفُ فِيمَا شَذَّ بِهِ الثِّقَةُ وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ وَيُرَدُّ مَا شَذَّ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّاذِّ مِنْ أَحْكَامٍ:
٢ - الْعَمَل أَوِ الْفُتْيَا أَوِ الْقَضَاءُ بِالْقَوْل الشَّاذِّ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ وَالْعَامِّيِّ.
أَمَّا الْمُجْتَهِدُ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ فِي الْجُمْلَةِ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الأَْدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَمَل فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ فِي الإِْفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (اجْتِهَاد - تَقْلِيد - قَضَاء - فَتْوَى) .
٣ - هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، أَمَّا
_________
(١) الباعث الحثيث ص ٣٤ ط دار الفكر بيروت، والمجموع للنووي ١ / ١٠١ تحقيق المطبعي.
(٢) فتح القدير ٧ / ٣٠١، ٣٠٥، نشر دار الفكر بيروت، والزيلعي وحاشية الشلبي ٤ / ١٨٩ - ١٩٠، وابن عابدين ٤ / ٣٢٩ - ٣٣٠، ومنح الجليل ٢ / ٥٨، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٥٦ - ٥٧، والقوانين الفقهية / ٢٩٢، والمجموع ١ / ٧٦، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٦، والمغني ٧ / ٢٧٤ - ٢٧٥، ٩ / ٥٢، ٥٦، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٧٨، وكشاف القناع ٦ / ٣١٥، والأشباه لابن نجيم ص ١٠٨.
الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَذْهَبِ فَعَلَيْهِ النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِمَامُ الْمَذْهَبِ وَأَصْحَابُهُ فَيَعْمَل بِمَا يَرَاهُ أَرْجَحَ أَوْ أَصَحَّ فِي نَظَرِهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّأْيُ شَاذًّا مَرْجُوعًا عَنْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلًا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ، الْقَدِيمَ وَالْجَدِيدَ، وَالْجَدِيدُ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْعَمَل؛ لأَِنَّ الْقَدِيمَ إِذَا خَالَفَهُ الْجَدِيدُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ مِنَ الْقَدِيمِ. وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْقَدِيمِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، فَلاَ يُعْتَبَرُ هَذَا مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِالْقَدِيمِ أَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَيْهِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ عِنْدَهُمْ، قَال أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ: فَيَكُونُ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمْ لِلْقَدِيمِ فِيهَا مِنْ قَبِيل اخْتِيَارِهِ مَذْهَبَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَا اجْتِهَادٍ اتُّبِعَ اجْتِهَادُهُ، وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادًا مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِتَقْلِيدٍ، نُقِل ذَلِكَ الشَّوْبُ مِنَ التَّقْلِيدِ عَنْ ذَلِكَ الإِْمَامِ، وَإِنْ أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ، قَال النَّوَوِيُّ: مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ وَالاِجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيل فِي الْعَمَل وَالْفُتْيَا، وَأَنْ يُبَيِّنَ فِي فَتْوَاهُ أَنَّ هَذَا رَأْيُهُ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ (١) .
وَكَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ
_________
(١) المجموع ١ / ١١٣ - ١١٤.
يَأْخُذُونَ بِمَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فِي نَظَرِهِمْ وَلَوْ كَانَ مَرْجُوعًا عَنْهُ، قَال أَبُو يُوسُفَ: مَا قُلْتُ قَوْلًا خَالَفْتُ فِيهِ أَبَا حَنِيفَةَ إِلاَّ قَوْلًا قَدْ كَانَ قَالَهُ، وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ قَال: مَا خَالَفْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فِي شَيْءٍ إِلاَّ قَدْ قَالَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ مَا سَلَكُوا طَرِيقَ الْخِلاَفِ بَل قَالُوا مَا قَالُوا عَنِ اجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ (١) .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: أَنَّ فَائِدَةَ تَدْوِينِ الأَْئِمَّةِ لِلأَْقْوَال الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا إِمَامُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهَا الْمُجْتَهِدُ أَوْ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ التَّرْجِيحِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ أَهْل الْمَذْهَبِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنَ الْكِتَابِ، وَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُول أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ (٢) .
٤ - وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ لِمَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ، فَإِنَّ الأَْصْل الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْعَمَل أَوِ الإِْفْتَاءَ أَوِ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقَوْل الْمَشْهُورِ أَوِ الرَّاجِحِ أَوِ الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ دُونَ الْقَوْل الشَّاذِّ (٣) .
ذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ الْخِلاَفَ بِالنِّسْبَةِ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٤٦، ٤٨، ٥٢ - ٥٣.
(٢) فتح العلي المالك ١ / ٦٥.
(٣) ابن عابدين ١ / ٥١ - ٥٢، ٤ / ٣٣٥.