الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 61

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، مِنْ غَيْرِ سَرِفٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ.

(٩) أَنْ يُوَلِّيَ أَعْمَال الدَّوْلَةِ الأُْمَنَاءَ النُّصَحَاءَ أَهْل الْخِبْرَةِ.

(١٠) أَنْ يَهْتَمَّ بِنَفْسِهِ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ وَمَصَالِحِهَا، وَأَنْ يُرَاقِبَ أُمُورَ الدَّوْلَةِ وَيَتَصَفَّحَ أَحْوَال الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا (١) .

تَعْيِينُ الْعُمَّال وَفَصْلُهُمْ:

أ - تَعْيِينُ الْعُمَّال:

١٨ - لاَ يَسْتَطِيعُ الإِْمَامُ أَنْ يَتَوَلَّى أُمُورَ الْحُكْمِ كُلَّهَا بِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يُعَاوِنَهُ فِي ذَلِكَ عُمَّالٌ يُعَيِّنُهُمْ، وَكُلَّمَا اتَّسَعَتْ أُمُورُ الْحُكْمِ وَتَشَعَّبَتْ زَادَتِ الْحَاجَةُ إِلَى هَؤُلاَءِ الْعُمَّال. " وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ بَيِّنَةٌ فِي ضَرُورَاتِ الْعُقُول لاَ يَسْتَرِيبُ اللَّبِيبُ بِهَا " (٢) .

وَهَذَا مَا فَعَلَهُ الرَّسُول ﵊ حِينَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ. فَقَدْ وَلَّى عَلَى

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ١٥ - ١٧، وأدب الدنيا والدين ٧٠ - ٧١، ونصيحة الملوك ١٩٦ - ٢٢٥، غياث الأمم ١٣٥ - ١٧٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ١١ - ١٢، وتحرير الأحكام ٦٥ - ٦٨ (فقرة ٢٤) .

(٢) نصيحة الملوك ١٨٥ - ١٨٦، غياث الأمم ١١٦، ٢١٤، وتحرير الأحكام ٥٨ (فقرة ١٦) .

مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ ﵁ (١)، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ ﵁. وَبَعَثَ عَلِيًّا وَمُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى ﵃ إِلَى الْيَمَنِ (٢) . وَكَانَ يُؤَمِّرُ عَلَى السَّرَايَا، وَيَبْعَثُ جُبَاةَ الزَّكَاةِ وَيُرْسِل السُّفَرَاءَ إِلَى الْمُلُوكِ وَالْقَبَائِل (٣) . وَعَلَى هَذَا النَّهْجِ سَارَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.

وَقَدْ أَقَرَّ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ تَعْيِينَ الْعُمَّال مِنْ وَاجِبَاتِ الإِْمَامِ (٤) .

ب - صِفَاتُ الْعُمَّال:

١٩ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ أَهْل الدِّيَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْعَقْل وَالأَْصَالَةِ وَالصِّدْقِ وَالأَْمَانَةِ وَالْحَزْمِ وَالْكِفَايَةِ، وَتَكُونُ الْكِفَايَةُ بِحَسَبِ طَبِيعَةِ الْعَمَل (٥) .

_________

(١) حديث تولية عتاب بن أسيد أورده ابن إسحاق في السيرة كما في السيرة لابن هشام (٤ / ٨٤ - ط دار الكتاب العربي) وحديث تولية عثمان بن أبي العاص أورده موسى بن عقبة في المغازي كما في تاريخ الإسلام للذهبي (قسم المغازي - ص٦٧٠ - ط دار الكتاب العربي) .

(٢) حديث: بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن. أخرجه مسلم (٣ / ١٥٨٦ - ط الحلبي) .

(٣) لدراسة تكوين الدولة النبوية، وجهازها. يراجع كتاب التراتيب الإدارية لعبد الحي الكتاني، لأنه أوسع كتاب في هذا الموضوع.

(٤) تنظر الفقرة ١٧.

(٥) نصيحة الملوك ١٨٦، ١٨٧، والأحكام السلطانية - الماوردي ٢٠٩، وغياث الأمم ص ٢١٥ - ٢١٦، ٢١٩، وسراج الملوك ١١٤، والطرق الحكمية ٢٣٨.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ الأَْمْثَل فَالأَْمْثَل؛ لِحَدِيثِ: مَنْ وَلَّى رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ (١) . وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ التَّعْيِينَ وَفْقَ هَوَاهُ.

وَلاَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ امْتِحَانٍ وَتَجْرِبَةٍ (٢) .

ج - مَا يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ نَحْوَ عُمَّالِهِ:

٢٠ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ عُمَّالِهِ بِعَدَمِ الظُّلْمِ، قَل أَوْ كَثُرَ، وَأَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ؛ لأَِنَّ الْعَامِل الظَّالِمَ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلدَّوْلَةِ.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أُمُورِ عُمَّالِهِ، فَإِنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّرْقِيَةَ رَقَّاهُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَل التَّرْقِيَةَ قَفْزًا دُونَ سَبَبٍ.

وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مُسِيئًا حَاسَبَهُ، وَلَهُ أَنْ

_________

(١) حديث: " من ولى رجلا على عصابة. . ". أخرجه الحاكم (٤ / ٩٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس بلفظ مقارب، وضعف الذهبي أحد رواته.

(٢) الطرق الحكمية ص ٢٣٨، وسراج الملوك ص ١١٤، ونصيحة الملوك ص ١٨٢.

يَعْفُوَ عَنْهُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَا أَتَاهُ يُوجِبُ حَدًّا، أَوْ تَعَدَّى عَلَى حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الرَّعِيَّةِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْعِقَابِ.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْزِل كُل مَنْ يُخِل بِوَاجِبِ الْعَمَل إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَقْوِيمُهُ.

وَلاَ يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِدَوَامِ مُرَاقَبَةِ الْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى أُمُورِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، وَعَلاَقَتِهِمْ مَعَ النَّاسِ، وَالْتِزَامِهِمْ بِتَنْفِيذِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ السِّيَاسَةِ. . وَيُعِينُهُ عَلَى هَذِهِ الْمُهِمَّةِ جِهَازٌ دَقِيقٌ يُطْلِعُهُ عَلَى جَمِيعِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ وَالأُْمَّةِ (١)

د - دِيوَانُ الْمُوَظَّفِينَ:

٢١ - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّوْلَةِ دِيوَانٌ يَخُصُّ الْعَامِلِينَ فِي أَجْهِزَتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ.

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (دِيوَان) .

ثَانِيًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمَال:

٢٢ - يُقْصَدُ بِالأَْمْوَال فِي هَذَا الْمَجَال: أَمْوَال الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ إِلَى خَزِينَةِ الدَّوْلَةِ. (٢)

_________

(١) نصيحة الملوك ١٧٦ - ١٧٨، ١٨٩ - ١٩٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٤، نصيحة الملوك ص ١٩٠، وغياث الأمم ص ١١٦، والتبر المسبوك ص ٨٦.

(٢) تحرير الأحكام ص ١٤٦ - ١٤٩.

وَهِيَ تَتَأَلَّفُ مِنْ أَنْوَاعٍ يُنْظَرُ بَيَانُهَا وَكَيْفِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهَا فِي مُصْطَلَحِ (بَيْت الْمَال) .

ثَالِثًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْوِلاَيَاتِ:

وِلاَيَةُ الْجَيْشِ:

٢٣ - لَمَّا كَانَ الْجَيْشُ لِلْجِهَادِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ، لِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ الْعِنَايَةُ بِتَرْتِيبِهِ وَإِعْدَادِهِ، وَتَنْظِيمِ قِيَادَتِهِ، وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِ، وَتَعَرُّفِ أَحْوَال الْعَدُوِّ، وَإِنَّ تَحْقِيقَ ذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِتَأْمِينِ الأَْمْوَال اللاَّزِمَةِ لِتَسْلِيحِهِ وَإِدَارَتِهِ وَدَفْعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَفْرَادُهُ بِشَكْلٍ مُنَظَّمٍ وَمُلاَئِمٍ (١) .

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جِهَاد) .

النَّظَرُ فِي أُمُورِ الْقُضَاةِ:

٢٤ - إِنَّ الْقَضَاءَ مَنْصِبٌ جَلِيلٌ وَخَطِيرٌ؛ لأَِنَّهُ يُحَقِّقُ الْعَدْل فِي الأُْمَّةِ، وَعَلَى الْعَدْل تَقُومُ الدَّوْلَةُ الصَّالِحَةُ، وَقَدْ أَحَاطَتِ الشَّرِيعَةُ هَذَا الْمَنْصِبَ بِاحْتِرَامٍ شَدِيدٍ وَنَظَّمَتْ أَحْكَامَهُ

_________

(١) المنهج المسلوك ١٠٤ - ١٠٧، سراج الملوك ٩٩، الأحكام السلطانية - للماوردي ٣٥ - ٥٤، الأحكام السلطانية - لأبي يعلى ٢٣ - ٣٥، نصيحة الملوك ٢٦٥ - ٢٨٨ـ غياث الأمم ١٥٦ - ١٥٨، تحرير الأحكام ٧٩ - ٨٦، ٩٤ - ٩٨، ١١٨ - ١٢١، ١٢٨ - ١٣٧، ١٤٤، ١٦٥ - ١٨٧.

وَقَوَاعِدَهُ وَصِفَاتِ مَنْ يَتَوَلاَّهُ وَأُصُول التَّقَاضِي (١) .

وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَال الْقُضَاةِ وَيَتَحَرَّى عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَعَنْ سِيرَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَعَنْ أَحْكَامِهِمْ، وَيَسْأَل الثِّقَاتِ الصَّالِحِينَ عَنْ كُل ذَلِكَ (٢) .

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (قَضَاء) .

النَّظَرُ فِي وِلاَيَةِ الصَّدَقَاتِ:

٢٥ - الزَّكَاةُ هِيَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ تَكَفَّلَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِبَيَانِ مَحِلِّهَا وَنِصَابِهَا وَجِبَايَتِهَا وَأُصُول صَرْفِهَا وَمُسْتَحَقِّيهَا.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ عَلَى رَئِيسِ الدَّوْلَةِ أَنْ يُوَلِّيَ أُمُورَ الزَّكَاةِ الْمُسْلِمَ الْعَدْل الْعَالِمَ بِأَحْكَامِهَا لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى الاِجْتِهَادِ فِي تَطْبِيقِهَا. وَقَدْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ شَامِلَةً جِبَايَةَ الزَّكَاةِ وَقِسْمَتَهَا، وَقَدْ تَكُونُ لِلْجِبَايَةِ دُونَ الْقِسْمَةِ، وَقَدْ تَكُونُ مُطْلَقَةً، فَلَهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْسِمَهَا، وَلَهُ أَنْ

_________

(١) الأحكام السلطانية - الماوردي ٦٥ - ٧٦، والأحكام السلطانية - لأبي يعلى ٤٨ - ٥٧، وتحرير الأحكام ٨٨ - ٩٠ (فقرة ٤٧ - ٤٩) .

(٢) الأحكام السلطانية - للماوردي ٦٦ - ٦٧، والأحكام السلطانية - لأبي يعلى ٤٦، والمبسوط - السرخسي ١٦ / ٧٠ (ط - دار المعرفة - بيروت ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م)، وتبصرة الحكام ١ / ٧٧.

يَتْرُكَ الْقِسْمَةَ. أَمَّا إِنْ كَانَ مُكَلَّفًا بِأَخْذِ مَالٍ مُحَدَّدٍ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِهَا، لأَِنَّهُ عِنْدَئِذٍ يَكُونُ كَالْوَكِيل بِالْقَبْضِ (١) .

وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة) .

السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي شَأْنِ الْمُخَالِفِينَ مِنْ بُغَاةٍ وَغَيْرِهِمْ:

٢٦ - قَدْ تَخْرُجُ فِئَةٌ مُسَلَّحَةٌ مُنَظَّمَةٌ. فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا عَلَى الدِّينِ كَانَتْ مُرْتَدَّةً.

وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا عَلَى الإِْمَامِ كَانَتْ فِئَةً بَاغِيَةً (٢) .

وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْفِقْهِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ (انْظُرْ: رِدَّة. بُغَاة. حِرَابَة) .

رَابِعًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعُقُوبَةِ:

أ - الْعُقُوبَةُ سِيَاسَةً:

٢٧ - تَنْقَسِمُ الْعُقُوبَةُ إِلَى:

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ١١٣ - ١١٤، ١١٦. والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٩٩ - ١٠٢.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥٥ - ٥٨، والأحكام السلطانية - لأبي يعلى ص ٣٥ - ٣٨، وغياث الأمم ١٦٠، ١٦٩، ١٧٠، ونصيحة الملوك ٢٥٤.

عُقُوبَاتٍ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ.

وَعُقُوبَاتٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ، وَهِيَ التَّعْزِيرُ.

أَمَّا الْعُقُوبَةُ سِيَاسَةً: فَتَكُونُ عِنْدَ اقْتِرَافِ جَرِيمَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَبِهَذَا تُرَادِفُ التَّعْزِيرَ:

فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ النَّبَّاشَ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ، فَإِنِ اعْتَادَ النَّبْشَ أَمْكَنَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ عَلَى سَبِيل السِّيَاسَةِ. ر: مُصْطَلَحَ (سَرِقَة) .

كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ قَدْ تُزَادُ الْعُقُوبَةُ سِيَاسَةً. فَإِذَا أُقِيمَ حَدُّ السَّرِقَةِ - مَثَلًا - فَقُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ جَازَ حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ (١) .

كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ لِلإِْمَامِ حَبْسَ مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِارْتِكَابِ جَرَائِمَ ضِدَّ الأَْشْخَاصِ، أَوِ الأَْمْوَال وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِفْ جَرِيمَةً جَدِيدَةً، وَيَسْتَمِرُّ حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ؛ لأَِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَجَنَ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ وَكَانَ مِنْ لُصُوصِ بَنِي تَمِيمٍ وَفُتَّاكِهِمْ، حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ.

وَكَذَلِكَ يُفْعَل مَعَ مَنْ عُرِفَ بِالشَّرِّ وَالأَْذَى

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٩٤، والبحر الرائق ٥ / ١١.

وَخِيفَ أَذَاهُ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ وَالْبِلاَدَ (١) . (ر: عُقُوبَة - تَعْزِير) .

التَّغْرِيبُ سِيَاسَةً:

٢٨ - ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَزَّرَ الْمُخَنَّثِينَ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَنَفْيِهِمْ (٢) .

وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْفِي شَارِبَ الْخَمْرِ إِلَى خَيْبَرَ زِيَادَةً فِي عُقُوبَتِهِ.

وَنَفَى نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ لَمَّا خَافَ فِتْنَةَ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ بِجَمَالِهِ، بَعْدَ أَنْ قَصَّ شَعْرَهُ فَرَآهُ زَادَ جَمَالًا.

وَلِذَلِكَ جَازَ نَفْيُ أَمْثَال هَؤُلاَءِ إِلَى بَلَدٍ يُؤْمَنُ فَسَادُ أَهْلِهِ. فَإِنْ خَافَ بِهِ عَلَيْهِمْ حُبِسَ. وَبِهَذَا أَخَذَ أَحْمَدُ؛ لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ

_________

(١) المبسوط ٢٤ / ٣٦، ٧٦، درر الحكام ٢ / ٨١، والبحر الرائق ٥ / ٧٥، وغنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام - حسن بن عمر الشرنبلالي ٢ / ٨١ (مطبوع على هامش درر الحكام) والفتاوى الهندية ٢ / ١٨٩ - ١٩٠ (ط٤ - إحياء التراث العربي - بيروت) وأقضية رسول الله - أبو عبد الله بن فرج المالكي تحقيق محمد ضياء الرحمن الأعظمي ٩٧ - ٩٨ (ط١ -، دار الكتاب المصري، واللبناني - القاهرة وبيروت - ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨م) وتبصرة الحكام ٢ / ١٦٣.

(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج المخنثين ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٥٩ - ط السلفية) .

الْمُعَاقَبَةِ، وَإِنَّمَا مِنْ قَبِيل الْخَوْفِ مِنَ الْفَاحِشَةِ قَبْل وُقُوعِهَا. (١) (ر: تَغْرِيب) .

وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ تَغْرِيبُ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ بَعْدَ جَلْدِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ (٢) .

وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ جُزْءٌ مِنَ الْحَدِّ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يُغَرَّبُ حَدًّا، وَأَجَازُوا تَغْرِيبَهُ سِيَاسَةً، دُونَ تَحْدِيدِهِ بِسَنَةٍ، بَل بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الإِْمَامُ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ حَبْسِهِ بَعْدَ الْحَدِّ. فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ جَازَ لِلإِْمَامِ حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ. وَقِيل: حَتَّى يَمُوتَ (٣) .

الْقَتْل سِيَاسَةً:

٢٩ - يُجِيزُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقَتْل عَلَى سَبِيل

_________

(١) الطرق الحكمية ٢٦٦، وفتاوى ابن تيمية ١٥ / ٣١٣، والمبسوط ٩ / ٤٥، وجامع الرموز ٢ / ٢٩٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٤، ٦٦، إعلام الموقعين ٤ / ٣٧٧.

(٢) حديث زيد بن خالد الجهني في " تغريب الزاني غير المحصن ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٥٦ - ط السلفية) .

(٣) المبسوط ٩ / ٤٥، البحر الرائق ٥ / ١١، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٩، وجامع الرموز ٢ / ٢٩٠، ودرر الحكام ٢ / ٦٤، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٤، ٦٦ - ٦٧، والفروع ٦ / ٥٧.