الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

ابْنُ جَرِيرٍ: أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ دُونَ سِوَاهُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ (١)، وَذَلِكَ حَقٌّ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ؛ لأَِنَّ مَبْنَى الْحِسَابِ فِي الآْخِرَةِ إِنَّمَا يَقُومُ عَلَى عَمَل النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ يُحَاسَبُ النَّاسُ عَلَى مَا اجْتَرَحُوا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ عَلَى أَسَاسِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَتْ أَحْكَامُهَا مُنَظِّمَةً لِلْحَيَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ وَأُمُورِ الْمُعَامَلاَتِ الأُْخْرَى.

٩ - وَمَا دَامَتِ الْحَاكِمِيَّةُ فِي هَذَا الْعَالَمِ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُل شُؤُونِ الْحَيَاةِ وَإِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، فَإِنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الآْيَاتِ جَاءَتْ آمِرَةً بِتَطْبِيقِ أَحْكَامِهَا وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَتْ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَتْ عَنْهُ. مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَْمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . قَال ابْنُ جَرِيرٍ: فَاتَّبِعْ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ الَّتِي جَعَلْنَاهَا لَكَ، وَلاَ تَتَّبِعْ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ بِاَللَّهِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِل، فَتَعْمَل بِهِ فَتَهْلِكُ إِنْ عَمِلْتَ بِهِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ.

وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ: فَاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ الثَّابِتَةَ بِالدَّلاَئِل وَالْحُجَجِ، وَلاَ تَتَّبِعْ مَا لاَ حُجَّةَ عَلَيْهِ

_________

(١) جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري) ٧ / ١٤٠ ط - ٤ - دار المعرفة - بيروت - ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠م) .

(٢) سورة الجاثية / ١٨.

مِنْ أَهْوَاءِ الْجُهَّال وَدِينِهِمُ الْمَبْنِيِّ عَلَى هَوًى وَبِدْعَةٍ (١) . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. قَال تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا أَمْرٌ يَعُمُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأُمَّتَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ دُونَهُ؛ أَيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ الإِْسْلاَمِ وَالْقُرْآنِ، وَأَحِلُّوا حَلاَلَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ الآْرَاءِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ (٤) .

١٠ - وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الأَْمْرَ بِاتِّبَاعِ مَا أَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى لاَ يَخُصُّ الْقُرْآنَ فَحَسْبُ، بَل يَعُمُّ السُّنَّةَ أَيْضًا، مَا جَاءَ فِي عَدَدٍ مِنَ الآْيَاتِ مِنَ الأَْمْرِ بِاتِّبَاعِهَا وَتَطْبِيقِهَا. مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ

_________

(١) تفسير الطبري ٢٥ / ٨٨، والكشاف ٣ / ٥١١ (ط - دار المعرفة - بيروت) .

(٢) سورة الأعراف / ٣.

(٣) سورة الحشر / ٧.

(٤) الجامع لأحكام القرآن ٧ / ١٦١ (ط - دار الكتب العربية - القاهرة - ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧م)، والكشاف ٢ / ٦٤.

وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) .

حَقُّ الإِْمَامِ فِي وَضْعِ الأَْنْظِمَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ:

١١ - تَقْرِيرُ مَبْدَأِ سِيَادَةِ الشَّرِيعَةِ لاَ يَعْنِي حِرْمَانَ الإِْمَامِ وَمِنْ دُونِهِ أَهْل الْحُكْمِ وَالسُّلْطَةِ مِنْ حَقِّ اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ وَالأَْنْظِمَةِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا لِسَيْرِ أُمُورِ الدَّوْلَةِ.

ذَلِكَ لأَِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ مَحْدُودَةٌ وَمُتَنَاهِيَةٌ، وَأَمَّا الْحَوَادِثُ وَتَطَوُّرُ الْحَيَاةِ وَالْمَسَائِل الَّتِي تُوَاجِهُ الأُْمَّةَ وَالدَّوْلَةَ مَعًا، فَغَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَلاَ مُتَنَاهِيَةٌ. وَلاَ بُدَّ لِلإِْمَامِ وَأَهْل الْحُكْمِ مِنْ مُوَاجِهَةِ كُل ذَلِكَ بِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَنْظِمَةٍ، وَلَكِنْ هَذَا الْحَقُّ لَيْسَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا لاَ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ، وَلاَ يَخْرُجُ عَلَى مَبَادِئِ الإِْسْلاَمِ وَقَوَاعِدِهِ الْعَامَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الأُْمَّةِ الْوَاجِبَةِ الرِّعَايَةِ، وَاَلَّتِي لأَِجْلِهَا قَامَتِ الدَّوْلَةُ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ وَالاِخْتِصَاصِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

الأَْسَاسُ الثَّانِي: الشُّورَى:

١٢ - الْحُكْمُ أَمَانَةٌ، وَالإِْمَامُ وَمَنْ يَتَوَلَّى

_________

(١) سورة محمد / ٣٣.

السُّلْطَةَ مَسْئُولُونَ عَنْ تِلْكَ الأَْمَانَةِ. لِذَلِكَ كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَبِدُّونَ بِرَأْيٍ وَلاَ يَغْفُلُونَ عَنِ الاِسْتِفَادَةِ مِنْ عُقُول الرِّجَال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) .

وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مِنَ الْمُقَرَّرِ فِقْهًا أَنَّ عَلَى الإِْمَامِ مُشَاوَرَةَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ النَّاصِحِينَ لِلدَّوْلَةِ وَلِلأُْمَّةِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْكَامِهِ كَيْ يَدُومَ حُكْمُهُ وَيَقُومَ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ (٢) .

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (شُورَى) .

الأَْسَاسُ الثَّالِثُ: الْعَدْل:

١٣ - الْعَدْل هُوَ الصِّفَةُ الْجَامِعَةُ لِلرِّسَالَةِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي جَاءَ الرُّسُل عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَحْقِيقِهَا، وَإِرْشَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَحَمْلِهِمْ عَلَيْهَا. فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) . وقَوْله تَعَالَى

: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِْحْسَانِ﴾ (٤) الآْيَةَ.

_________

(١) سورة الشورى / ٣٨.

(٢) سراج الملوك ٤١، وتحرير الأحكام ٧٢، (فقرة ٢٧) .

(٣) سورة الحديد / ٢٥.

(٤) سورة النحل / ٩٠.

فَالْعَدْل أَمْرٌ فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ السَّعْيَ لإِقَامَتِهِ فِي الأَْرْضِ، وَلِيَكُونَ مِنْ أَبْرَزِ خَصَائِصِهِمْ بَيْنَ الأُْمَمِ؛ لأَِنَّ دِينَهُمْ دِينُ الْعَدْل. حَتَّى قَال عُمَرُ ﵁ بِأَنَّهُ " لاَ رُخْصَةَ فِيهِ فِي قَرِيبٍ وَلاَ بَعِيدٍ وَلاَ فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ، وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِوُجُوبِهِ عَلَى كُل أَحَدٍ وَفِي كُل شَيْءٍ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَدْل) .

مَصْدَرُ السُّلُطَاتِ:

١٤ - نَصْبُ الإِْمَامِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَيَتَعَيَّنُ الإِْمَامُ بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَالإِْمَامُ مُكَلَّفٌ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمُلْزَمٌ بِالْحَلاَل وَالْحَرَامِ، وَمَسْئُولٌ عَنْ ذَلِكَ كَأَيِّ مُسْلِمٍ فِي الأُْمَّةِ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ مَسْئُولٌ عَنْ تَطْبِيقِ تِلْكَ الأَْحْكَامِ فِي كُل شَأْنٍ مِنْ شُئُونِ الدَّوْلَةِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْصِبِهِ أَقْوَى رَجُلٍ فِي الأُْمَّةِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا طَاعَتُهُ.

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (طَاعَة، الإِْمَامَة الْكُبْرَى، بَيْعَة.) .

_________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ٥٨٥، الفتاوى المصرية ٤١٢، اختصار أبي عبد الله محمد بن علي الحنبلي البعلي، وتعليق محمد حامد الفقي (ط - نشر الكتب الإسلامية - كوجرا نواله - باكستان - ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧م) .

أَنْوَاعُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ:

أَوَّلًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْحُكْمِ:

الإِْمَامَةُ:

١٥ - مِنَ الثَّابِتِ أَنَّ الإِْسْلاَمَ دِينٌ وَدَوْلَةٌ؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ كِتَابُ عَقِيدَةٍ كَمَا هُوَ كِتَابُ أَحْكَامٍ وَقَوَاعِدُ تُنَظِّمُ صِلَةَ الإِْنْسَانِ بِالإِْنْسَانِ وَالإِْنْسَانِ بِالْمُجْتَمَعِ، وَالْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي حَالَةِ السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.

وَهُوَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ يَحْوِي كُل أَنْوَاعِ الْحُقُوقِ وَفُرُوعِهَا. فَالْحُقُوقُ الْمَدَنِيَّةُ إِلَى جَانِبِ الْحُقُوقِ الْجَزَائِيَّةِ، وَالاِقْتِصَادِيَّة، وَالْمَالِيَّةِ، وَالتِّجَارِيَّةِ، وَالدُّوَلِيَّةِ بِفَرْعَيْهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.

وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْحُقُوقُ مَوَاعِظَ مَتْرُوكَةً لِرَغْبَةِ الإِْنْسَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَحْكَامٌ آمِرَةٌ وَاجِبَةُ التَّنْفِيذِ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِقِيَامِ الدَّوْلَةِ.

وَهَذِهِ الدَّوْلَةُ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ إِمَامٍ (رَئِيسٍ) يَتَوَلَّى أُمُورَهَا، كَمَا يَسْهَرُ عَلَى مَصْلَحَةِ الأُْمَّةِ، وَقَدْ أَرْشَدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآْيَةِ الْمَجِيدَةِ: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً. .﴾ (١) .

_________

(١) سورة البقرة / ٣٠.

قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الآْيَةُ أَصْلٌ فِي نَصْبِ إِمَامٍ وَخَلِيفَةٍ يُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ؛ لِتَجْتَمِعَ بِهِ الْكَلِمَةُ، وَتُنَفَّذَ بِهِ أَحْكَامُ الْخَلِيقَةِ (١) .

وَفِي السُّنَّةِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﵊ قَال: لاَ يَحِل لِثَلاَثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلاَةٍ إِلاَّ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ (٢) .

وَقَال: إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ (٣) .

قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَإِذَا شُرِعَ هَذَا لِثَلاَثَةٍ يَكُونُونَ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَْرْضِ أَوْ يُسَافِرُونَ، فَشَرْعِيَّتُهُ لِعَدَدٍ أَكْثَرَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالأَْمْصَارَ وَيَحْتَاجُونَ لِدَفْعِ التَّظَالُمِ وَفَصْل التَّخَاصُمِ، أَوْلَى وَأَحْرَى. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِقَوْل مَنْ قَال: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن ١ / ٢٦٤ (ط - دار الكتب العربية - القاهرة - ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م) .

(٢) حديث: " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم ". أخرجه أحمد (٢ / ١٧٧ - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده الهيثمي في المجمع (٨ / ٦٣ - ط القدسي) وقال: " وفيه ابن لهيعة وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح ".

(٣) حديث: " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ". أخرجه أبو داود (٣ / ٨١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ٣٧٦ - ط المكتب الإسلامي) .

نَصْبُ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ وَالْحُكَّامِ (١) . وَلَمَّا كَانَ صَلاَحُ الْبِلاَدِ وَأَمْنُ الْعِبَادِ وَقَطْعُ مَوَادِّ الْفَسَادِ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ قَاهِرٍ قَادِرٍ (٢) لِذَلِكَ وَجَبَ نَصْبُ إِمَامٍ يَقُومُ بِحِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ أُمُورِ الأُْمَّةِ، وَهُوَ فَرْضٌ بِالإِْجْمَاعِ (٣) .

وَأَمَّا صِفَاتُ هَذَا الإِْمَامِ وَشُرُوطُهُ وَمَا تَنْعَقِدُ بِهِ إِمَامَتُهُ فَتُنْظَرُ فِي (الإِْمَامَة الْكُبْرَى) (وَبَيْعَة) .

حُقُوقُ الإِْمَامِ:

١٦ - ذَهَبَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى إِلَى أَنَّ

_________

(١) نيل الأوطار ٨ / ٢٦٥ (ط - الحلبي) .

(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل - ابن حزم ٤ / ٨٧ (ط - ٢ - دار المعرفة - بيروت - ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م)، وشرح مقاصد الطالبين في علم أصول الدين - التفتازاني ٢ / ٢٠١ (ط - دار الطباعة استنبول - ١٢٧٧ هـ)، وسراج الملوك - الطرطوشي ٣٩ (مطبوع مع التبر المسبوك)، والسياسة الشرعية - ابن تيمية ١٣٨ - ١٣٩، وتحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام - بدر الدين بن جماعة ٤٨ (فقرة ٥) تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد (ط ١ - رئاسة المحاكم الشرعية - قطر ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م) .

(٣)

(٣) الفصل ٤ / ٨٧، وأصول الدين - البغدادي ٢٧١ (ط١ - مطبعة الدولة - استنبول - ١٣٤٦ هـ - ١٩٢٨م) والأحكام السلطانية - الماوردي ٥. والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٣، ونهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني ٤٧٨ - (تحقيق ألفريد جيوم ط - مكتبة المثنى - بغداد) والسياسة الشرعية - ابن تيمية ١٣٩، وحاشية البجيرمي ٤ / ٢٠٤، وتحرير الأحكام ٤٨ (فقرة ٥) .

لِلإِْمَامِ حَقَّيْنِ: الطَّاعَةَ وَالنُّصْرَةَ.

وَقَال ابْنُ جَمَاعَةَ: إِنَّهَا عَشَرَةُ حُقُوقٍ: الطَّاعَةُ، وَالنَّصِيحَةُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالاِحْتِرَامُ، وَالإِْيقَاظُ عِنْدَ الْغَفْلَةِ، وَالإِْرْشَادُ عِنْدَ الْخَطَأِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كُل عَدُوٍّ، وَإِعْلاَمُهُ بِسِيرَةِ عُمَّالِهِ، وَإِعَانَتُهُ، وَجَمْعُ الْقُلُوبِ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَالنُّصْرَةُ (١) .

وَهَذِهِ الْحُقُوقُ لاَ تَكُونُ لِلإِْمَامِ إِلاَّ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَلَزِمَ فَرَائِضَهُ وَحُدُودَهُ، وَأَدَّى لِلأُْمَّةِ حُقُوقَهَا الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ. وَبِرِعَايَةِ الأُْمَّةِ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَصْفُو الْقُلُوبُ وَتَجْتَمِعُ الْكَلِمَةُ وَيَتَحَقَّقُ النَّصْرُ.

وَأَمَّا فِيمَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الإِْمَامَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يَسْتَوِي مَعَهُمْ جَمِيعًا فِي الْحُقُوقِ وَالأَْحْكَامِ. بَل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ خَشْيَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَأَحْسَنَهُمْ قِيَامًا بِأَدَاءِ

_________

(١) تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٤، الخراج، أبو يوسف ١٣ (ط٥ - السلفية - القاهرة - ١٣٩٦ هـ) ومنتخب كنز العمال، المتقي الهندي ٢ / ١٤٤ (ط - الحلبي - مصر - ١٣١٣ هـ)، ونهج البلاغة - الرضي ١ / ١٧٨ بشرح ابن أبي الحديد (ط٣ - دار الفكر للجميع - بيروت - ١٣٨٨ هـ (وينظر نحوه في كتاب الأموال - أبو عبيد القاسم بن سلام ١٢ (رقم ١١) تحقيق محمد خليل هراس (ط - الكليات الأزهرية - ١٣٨٩ هـ ١٩٦٩م) الأحكام السلطانية ص١٥، ١٧، وفي نصيحة الملوك ص ٥٣ زاد: التعظيم له، وترك الخلاف عليه، وتحرير الأحكام ٦١ - ٦٤ (فقرة ٢٢) .

فَرَائِضِهِ وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ؛ لأَِنَّهُ رَأْسُ الدَّوْلَةِ. (١)

وَاجِبَاتُ الإِْمَامِ:

١٧ - حُقُوقُ الأُْمَّةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَاتُ الإِْمَامِ يُمْكِنُ أَنْ تُجْمَعَ فِي عَشَرَةٍ:

(١) حِفْظُ الدِّينِ وَالْحَثُّ عَلَى تَطْبِيقِهِ، وَنَشْرُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَتَعْظِيمُ أَهْلِهِ وَمُخَالَطَتُهُمْ وَمُشَاوَرَتُهُمْ.

(٢) حِرَاسَةُ الْبِلاَدِ وَالدِّفَاعُ عَنْهَا، وَحِفْظُ الأَْمْنِ الدَّاخِلِيِّ.

(٣) النَّظَرُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَتَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ.

(٤) إقَامَةُ الْعَدْل فِي جَمِيعِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ.

(٥) تَطْبِيقُ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ.

(٦) إقَامَةُ فَرْضِ الْجِهَادِ.

(٧) عِمَارَةُ الْبِلاَدِ، وَتَسْهِيل سُبُل الْعَيْشِ، وَنَشْرُ الرَّخَاءِ.

(٨) جِبَايَةُ الأَْمْوَال عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَصَرْفُهَا فِي الْوُجُوهِ الْمَشْرُوعَةِ

_________

(١) نصيحة للملوك ص٥٣، ٥٤، الأحكام السلطانية للماوردي ١٧، وأدب الدنيا والدين الماوردي ٧١ (ط١ - الأدبية - مصر - ١٣١٧ هـ)، وتحرير الأحكام ص ٦٤ (فقرة ٢٣) .