الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

تُؤَدَّى بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، يُسَلَّمُ عَلَى رَأْسِ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُتَرَوَّحُ كُل أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ يُذْكَرُ فِيهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تُصَلَّى الْوِتْرُ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَلِكَ (١) .

وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ سِتٌّ وَثَلاَثُونَ رَكْعَةً يُسَلَّمُ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْحَال فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٢) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ) .

وَقْتُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ:

٩ - السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ مُقْتَرِنَةٌ بِالْفَرَائِضِ، فَمِنْهَا مَا يُصَلَّى قَبْل الْفَرِيضَةِ، مِثْل سُنَّةِ الْفَجْرِ وَسُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْفَرِيضَةِ مِثْل سُنَّةِ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ، وَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَالْوِتْرِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ تَفْسِيرًا لَطِيفًا فِي تَقْدِيمِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا فَقَال: " أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ فَلأَِنَّ النُّفُوسَ لاِشْتِغَالِهَا بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا بَعِيدَةٌ عَنْ حَالَةِ الْخُشُوعِ وَالْحُضُورِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْعِبَادَةِ،

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٦٦، ٤٦٧، البناية ٢ / ٥٨٢، ٥٨٦، المجموع ٣ / ٤٨٤، المغني والشرح الكبير ١ / ٧٩٧، ٨٠٠.

(٢) الشرح الكبير ١ / ٣١٥.

فَإِذَا قُدِّمَتِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ أَنِسَتِ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تَقْرُبُ مِنَ الْخُشُوعِ، وَأَمَّا فِي تَأْخِيرِهَا عَنْهَا، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِل جَابِرَةٌ لِنَقْصِ الْفَرَائِضِ، فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ الْخَلَل الَّذِي يَقَعُ فِيهِ. وَلَكِنْ لاَ يَنْوِي فِيهِ نِيَّةَ الْجَبْرِ "

وَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ قَبْل الْفَرِيضَةِ فَوَقْتُهَا يَبْدَأُ مِنْ دُخُول وَقْتِ الْفَرِيضَةِ وَيَنْتَهِي بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ إِذَا كَانَتْ تُؤَدَّى فِي جَمَاعَةٍ؛ لأَِنَّهُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ، حَيْثُ إِنَّ الْفَرَائِضَ تُقَدَّمُ عَلَى النَّوَافِل دَائِمًا عِنْدَ التَّعَارُضِ، إِلاَّ إِذَا أَيْقَنَ الْمَرْءُ أَنَّ بِإِمْكَانِهِ أَدَاءَ النَّافِلَةِ، وَإِدْرَاكَ الْجَمَاعَةِ مَعَ الإِْمَامِ فَلاَ بَأْسَ عِنْدَئِذٍ مِنْ أَدَائِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَرْءُ يُؤَدِّي الصَّلاَةَ مُنْفَرِدًا فَوَقْتُ السُّنَّةِ يَسْتَمِرُّ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الْفَرِيضَةِ.

وَالأَْوْلَى لِلْمَرْءِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ الدُّخُول مَعَ الإِْمَامِ فِي الْفَرِيضَةِ، وَتُدْرَكُ النَّافِلَةُ بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنَ الْفَرِيضَةِ، وَيَظْهَرُ هَذَا فِي كُلٍّ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَسُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ.

أَمَّا السُّنَنُ الْبَعْدِيَّةُ: مِثْل سُنَّةِ الظُّهْرِ

الْبَعْدِيَّةِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَوَقْتُ كُلٍّ مِنْهَا مِنْ بَعْدِ الاِنْتِهَاءِ مِنَ الْفَرِيضَةِ إِلَى خُرُوجِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ وَدُخُول وَقْتِ الأُْخْرَى، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَمْ يُؤَدِّ السُّنَنَ الْبَعْدِيَّةَ فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ فَائِتَةً.

وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الْبَعْدِيَّةِ، وَأَمَّا صَلاَةُ الْوِتْرِ فَوَقْتُهَا يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ الاِنْتِهَاءِ مِنْ سُنَّةِ الْعِشَاءِ الْبَعْدِيَّةِ، وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى قُبَيْل أَذَانِ الْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الأَْفْضَل تَأْخِيرَهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل الأَْخِيرِ.

وَأَمَّا صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ فَوَقْتُهَا يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ الاِنْتِهَاءِ مِنْ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَيَسْتَمِرُّ إِلَى قُبَيْل الْفَجْرِ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَسَعُ صَلاَةَ الْوِتْرِ بَعْدَهَا، وَيُفَضَّل أَنْ لاَ يُؤَخِّرَهَا إِذَا كَانَ فِي التَّأْخِيرِ فَوَاتُ الْجَمَاعَةِ؛ إِذْ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَبَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنْهَا تُصَلَّى الْوِتْرُ فِي جَمَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ. وَتُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ لِلْوِتْرِ فِي غَيْرِهِ.

مَا يُسْتَحَبُّ وَمَا يُكْرَهُ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ:

(١) الْقِرَاءَةُ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ:

١٠ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ: (الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ): إِلَى أَنَّهُ تُسَنُّ الْقِرَاءَةُ فِي النَّفْل وَالْوِتْرِ.

وَالْقِرَاءَةُ الْمُرَادَةُ هُنَا هِيَ ضَمُّ سُورَةٍ إِلَى الْفَاتِحَةِ، وَمِنَ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِيهَا سُورَةَ الْكَافِرُونَ وَالإِْخْلاَصِ، وَأَطَال الْقِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ.

وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مُخَفَّفَةً حَتَّى أَنِّي لأَقُول: هَل قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؟ .

وَيُسْتَحَبُّ الإِْسْرَارُ بِالْقِرَاءَةِ إِذَا كَانَتِ النَّافِلَةُ نَهَارًا اعْتِبَارًا بِصَلاَةِ النَّهَارِ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ فِي الصَّلاَةِ اللَّيْلِيَّةِ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، وَالْجَهْرُ أَفْضَل بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُشَوِّشَ عَلَى غَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّافِلَةُ أَوِ الْوِتْرُ تُؤَدَّى

جَمَاعَةً فَيَجْهَرُ بِهَا الإِْمَامُ لِيُسْمِعَ مَنْ خَلْفَهُ، وَيَتَوَسَّطُ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَهْرِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْل وَالْوِتْرِ؛ لأَِنَّ كُل شَفْعٍ مِنْهُ يُعْتَبَرُ صَلاَةً عَلَى حِدَةٍ، وَالْقِيَامُ إِلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ. وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلاِحْتِيَاطِ.

(٢) فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ:

١١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل أَدَاءُ النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ أَدَاءَ الرَّوَاتِبِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل. وَذَلِكَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ ﷺ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْل الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُل فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُل فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُل بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.

وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَسَاجِدِ الأَْمْصَارِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْمَسَاجِدِ الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال:

وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَالْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، وَإِنْ كَانَ الأَْجْرُ يَتَضَاعَفُ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلاَّ فِي الْمَكْتُوبَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل أَدَاءُ عَامَّةِ السُّنَنِ وَالنَّوَافِل فِي الْبَيْتِ، إِلاَّ أَنْ يَخْشَى أَنْ يَتَشَاغَل عَنْهَا إِذَا رَجَعَ.

وَيَجُوزُ أَدَاءُ النَّوَافِل فِي الْمَسْجِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ رَاتِبَةً أَمْ غَيْرَ رَاتِبَةٍ، وَالأَْفْضَل أَدَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَتْ تُؤَدَّى فِي جَمَاعَةٍ كَمَا فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ بَعْدَهَا، وَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ الْمَرْءُ فَضْل الْجَمَاعَةِ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَدَائِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْبَيْتِ.

(٣) صَلاَةُ الرَّوَاتِبِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فُرَادَى:

١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ النَّوَافِل.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ كَذَلِكَ: تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ فِي النَّوَافِل، لأَِنَّ شَأْنَ النَّفْل الاِنْفِرَادُ بِهِ، كَمَا تُكْرَهُ صَلاَةُ النَّفْل فِي جَمْعٍ قَلِيلٍ بِمَكَانٍ مُشْتَهِرٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةً وَالْمَكَانُ مُشْتَهِرًا فَلاَ تُكْرَهُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُسْتَحَبُّ الْجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ فِعْل سَائِرِ الرَّوَاتِبِ جَمَاعَةً.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً وَمُنْفَرِدًا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل الأَْمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، وَصَلَّى بِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ مَرَّةً، وَأَمَّ أَصْحَابَهُ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ مَرَّةً، فَعَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ السُّيُول لَتَحُول بَيْنِي وَبَيْنَ

مَسْجِدِ قَوْمِي، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَكَانٍ مِنْ بَيْتِي أَتَّخِذُهُ مَسْجِدًا، فَقَال: سَنَفْعَل، فَلَمَّا دَخَل قَال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ.

وَكَرِهَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ تَرْكَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ خَاصَّةً بِلاَ عُذْرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ عُذْرٌ فَلاَ بَأْسَ بِتَرْكِهَا.

وَبَعْضُ هَذِهِ الرَّوَاتِبِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ كَسُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْوِتْرِ وَسُنَّةِ الظُّهْرِ، وَهِيَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ آكَدُ لاِفْتِقَارِهِ إِلَى تَكْمِيل الثَّوَابِ الَّذِي فَاتَهُ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ.

صَلاَةُ الرَّوَاتِبِ فِي السَّفَرِ:

١٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَدَاءُ النَّوَافِل فِي السَّفَرِ؛ لأَِنَّهَا مُكَمِّلاَتٌ لِلْفَرَائِضِ وَلِمُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى فِعْلِهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَسْفَارِهِ، وَصَلاَتُهُ لَهَا أَحْيَانًا رَاكِبًا، وَمِنْ ذَلِكَ صَلاَتُهُ الضُّحَى يَوْمَ

الْفَتْحِ، وَصَلاَتُهُ سُنَّةَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ.

وَلِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى فِعْل الرَّوَاتِبِ عُمُومًا، وَالأَْمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكٌ لِلْمُكَلَّفِ وَهِمَّتِهِ وَوَرَعِهِ.

قَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ تَرْكُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ إِلاَّ فِي السَّفَرِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا إِلاَّ الْفَجْرَ وَالْوِتْرَ فَيُفْعَلاَنِ فِي السَّفَرِ كَالْحَضَرِ لِتَأَكُّدِهِمَا.

حُكْمُ قَضَائِهَا إِذَا فَاتَتْ:

١٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ عُمُومًا إِذَا فَاتَتْ فَإِنَّهَا لاَ تُقْضَى، إِلاَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّهَا تُقْضَى مَعَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، أَمَّا إِذَا فَاتَتْهُ وَحْدَهَا فَلاَ يَقْضِيهَا قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ مُطْلَقِ النَّفْل، وَهُوَ مَكْرُوهٌ بَعْدَ الصُّبْحِ إِلَى أَنْ

تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﷺ أَدَّاهُمَا فِي غَيْرِ وَقْتِهِمَا عَلَى الاِنْفِرَادِ، وَإِنَّمَا قَضَاهُمَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لاَ يَقْضِيهِمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا إِلَى وَقْتِ الزَّوَال لِفِعْلِهِ ﷺ حَيْثُ قَضَاهُمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ، وَلَيْلَةُ التَّعْرِيسِ كَانَتْ حِينَ قَفَل النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.

وَأَمَّا سُنَّةُ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةُ إِذَا فَاتَتْ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بَعْدَ الْفَرْضِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى السُّنَّةِ الْبَعْدِيَّةِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُؤَدِّيهِمَا بَعْدَ السُّنَّةِ الْبَعْدِيَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُؤَدِّيهِمَا قَبْل السُّنَّةِ الْبَعْدِيَّةِ.

وَأَمَّا بَقِيَّةُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ إِذَا فَاتَتْ مَعَ فَرَائِضِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ تُقْضَى تَبَعًا كَمَا لاَ تُقْضَى قَصْدًا، وَهُوَ الأَْصَحُّ. وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ: تُقْضَى تَبَعًا لِلْفَرْضِ بِنَاءً عَلَى جَعْل الْوَارِدِ فِي قَضَاءِ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَارِدًا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّنَنِ