الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

سَمَاعُ الشَّهَادَةِ:

١٢ - الشَّهَادَةُ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِمَا عَلِمَهُ الشَّاهِدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١) . وَقَوْلِهِ - جَل ذِكْرُهُ -: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ حِكَايَةً عَنْ قَوْل إِخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا عَلِمْتَ مِثْل الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلاَّ فَدَعْ (٤) .

وَالْعِلْمُ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ يَحْصُل بِطَرِيقَتَيْنِ:

أ - الرُّؤْيَةُ:

وَتَكُونُ فِي الأَْفْعَال كَالْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالإِْكْرَاهِ وَنَحْوِهَا،

_________

(١) سورة الإسراء / ٣٦.

(٢) سورة الزخرف / ٨٦.

(٣) سورة يوسف / ٨١.

(٤) حديث: " إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ". أورده السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٢٩١) وعزاه إلى الحاكم والبيهقي. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: (ذُكر عند رسول الله ﷺ الرجل يشهد بشهادة فقال لي يا ابن عباس: " لا تشهد إلا على ما يضيء لك كضياء هذا الشمس " وأومأ رسول الله ﷺ بيده إلى الشمس، والحديث صححه الحاكم وأعله ال (المستدرك ٤ / ٩٨ نشر دار الكتاب العربي) .

كَمَا تَكُونُ فِي الصِّفَاتِ الْمَرْئِيَّةِ مِثْل الْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ وَالْمُؤَجَّرِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (١) .

ب - السَّمَاعُ: وَهُوَ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: سَمَاعُ الصَّوْتِ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي الأَْقْوَال سَوَاءٌ أَكَانَ السَّامِعُ مُبْصِرًا أَمْ غَيْرَ مُبْصِرٍ مِثْل مَا يَقَعُ بِهِ إِبْرَامُ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالرَّهْنِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى سَمَاعِ كَلاَمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، إِذَا عَرَفَهَا السَّامِعُ وَتَيَقَّنَ أَنَّهَا مَصْدَرُ مَا سَمِعَ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة) .

الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ (التَّسَامُعُ):

١٣ - وَهِيَ: الشَّهَادَةُ الَّتِي يَكُونُ طَرِيقُهَا حَاسَّةَ السَّمْعِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة) .

سَمَاعُ الْغِنَاءِ وَالْمُوسِيقَى:

١٤ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ سَمَاعِ الْغِنَاءِ

_________

(١) المغني مع الشرح الكبير ٢ / ٢١٢٠، مواهب الجليل ٦ / ١٤٥، جواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣.

(٢) البيان والتحصيل لابن رشد ٩ / ٤٤٤، ٤٤٥، ١٠ / ٥٧ - ٨٩ دار الغرب الإسلامي، المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٢١، جواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣، مواهب الجليل ٦ / ١٥٤.

وَالْمُوسِيقَى عَلَى مَذَاهِبَ تُنْظَرُ فِي (اسْتِمَاع، غِنَاء، مَعَازِف) .

حُكْمُ سَمَاعِ صَوْتِ الْمَرْأَةِ:

١٥ - سَامِعُ صَوْتِ الْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ يَتَلَذَّذُ بِهِ أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِتْنَةً حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهُ وَإِلاَّ فَلاَ.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (اسْتِمَاع) .

حُكْمُ سَمَاعِ الْقُرْآنِ:

١٦ - اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ عِنْدَ تِلاَوَتِهِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وَلاِسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ آدَابٌ وَأَحْكَامٌ مُبَيَّنَةٌ تَفْصِيلًا فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِمَاع، تِلاَوَة، قُرْآن) .

حُكْمُ سَمَاعِ الْحَدِيثِ:

١٧ - إِنَّ سَمَاعَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ وَطَلَبَ السُّنَنِ وَالآْثَارِ وَإِتْقَانَ ذَلِكَ وَضَبْطَهُ وَحِفْظَهُ وَوَعْيَهُ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لأَِنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِهَا مُتَلَقَّاةٌ مِنْ نَبِيِّنَا ﷺ بِصِفَتِهِ مُبَلِّغًا مَا نَزَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيٍ مَتْلُوٍّ مُعْجِزِ النِّظَامِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَوَحْيٍ مَرْوِيٍّ لَيْسَ

_________

(١) سورة الأعراف / ٢٠٤.

بِمُعْجِزٍ وَلاَ مَتْلُوٍّ وَلَكِنَّهُ مَقْرُوءٌ مَسْمُوعٌ وَهُوَ مَا وَرَدَ عَنْهُ فِي الأَْحَادِيثِ وَالأَْخْبَارِ.

وَمُهِمَّةُ جَمْعِهِ وَتَحْصِيلِهِ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَى كَوَاهِل الأُْمَّةِ وَخَاصَّةً أَعْلاَمَهَا وَذَوِي الْقُدْرَةِ مِنْ أَبْنَائِهَا، وَلاَ يَتِمُّ لَهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ بِالسَّمَاعِ وَالتَّقْيِيدِ وَالْحِفْظِ وَالتَّدْوِينِ (١) .

وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِل فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِل فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ (٢) .

وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ (٣) .

_________

(١) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص ٦، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١ / ٩٦، ٩٧، دار الآفاق الجديدة بيروت ط٢ سنة ١٤٠٢ هـ ١٩٨٣م.

(٢) حديث: " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه ". أخرجه الترمذي (٥ / ٣٣ ط، دار الكتب العلمية) وأبو داود (٤ / ٦٨، ٦٩ - ط، عزت عبيد الدعاس) وحسنه الترمذي.

(٣) حديث: " نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع ". أخرجه الترمذي (٥ / ٣٣ ط. دار الكتب العلمية) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وَحَثَّ ﵊ عَلَى اعْتِمَادِ هَذَا الطَّرِيقِ أَخْذًا وَعَطَاءً فَقَال فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -: تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ (١) .

وَلاَ يَخْفَى أَنَّ فِي الْحَدِيثَيْنِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يُرَادُ لِلْعِلْمِ الاِسْتِمَاعُ وَالإِْنْصَاتُ وَالْحِفْظُ وَالْعَمَل وَالنَّشْرُ (٢) .

وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَإِنْ فَهِمَ الْخِطَابَ وَرَدَّ الْجَوَابَ كَانَ مُمَيِّزًا صَحِيحَ السَّمَاعِ وَإِلاَّ فَلاَ، وَهُوَ رَأْيُ أَغْلَبِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مُوسَى بْنُ هَارُونَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ أَهْل الصَّنْعَةِ حَدَّدُوا أَوَّل زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ السَّمَاعُ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْعَمَل (٣) . اعْتِمَادًا

_________

(١) حديث: " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم ". أخرجه أبو داود (٤ / ٦٨ - ط، عزت عبيد الدعاس) وإسناده حسن (جامع الأصول في أحاديث الرسول ٨ / ١٩، ٢٠ ط. مطبعة الملاح) .

(٢) جامع بيان العلم ١ / ١١٨، دار الكتب العلمية، بيروت، والإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص ٢٢١.

(٣) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص ٦٢، ٦٥ - ٦٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١ / ١٧١، المكتبة السلفية، وتدريب الراوي في شرح تقريب المناوي ٢ / ٥ - ٦ دار التراث ط٢ سنة ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢م.

عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَال: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِنَا وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ. وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا هَذَا التَّحْدِيدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَدْنَى مَا يَحْصُل فِيهِ ضَبْطُ مَا يَسْمَعُ وَإِلاَّ فَمَرَدُّ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ وَحْدَهَا؛ إِذِ الأَْمْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ اسْتِعْدَادِ الأَْشْخَاصِ لِلأَْخْذِ وَالتَّلَقِّي كَمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ طُرُقِ التَّحَمُّل، وَهِيَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ ضَبَطَهَا أَهْل الرِّوَايَةِ فِي ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ، أَوَّلُهَا: سَمَاعُ الْحَدِيثِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَهُوَ أَرْفَعُ الأَْقْسَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْل الْعِلْمِ، وَأَدْنَاهَا الْوِجَادَةُ.

أَمَّا السِّنُّ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّالِبُ لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ فَقِيل ثَلاَثُونَ سَنَةً وَقِيل عِشْرُونَ، وَعَلَيْهِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِأَخْلاَقِ أَهْلِهِ وَأَنْ يَلْتَزِمَ بِزِيِّهِمْ وَيَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمَ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ وَالْمُوَاظَبَةَ فِي طَلَبِهِ وَإِخْلاَصَ النِّيَّةِ فِيهِ وَالتَّوَاضُعَ لِمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ وَالصَّبْرَ عَلَى مَا يَلْقَاهُ فِي سَبِيلِهِ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى الاِسْتِفَادَةِ وَالإِْفَادَةِ وَيُيَسِّرُ التَّحَمُّل وَالتَّحْمِيل (١) .

_________

(١) الإلماع ٤٥ - ٦٣ وما بعدها، جامع الأصول ٩ / ١٥، ٣٨ وما بعدها، وفتح الباري ١ / ١٧٢ البرهان ١ / ٦٤٤، والإلماع ص ٦٤، فتح الباري ١ / ١٧٣، وتدريب الراوي ٢ / ١٤٠ - ١٥٨.

سَمَاعُ اللَّغْوِ:

١٨ - اللَّغْوُ مِنَ الْكَلاَمِ: - مَا لاَ يُعْتَدُّ بِهِ إِمَّا لأَِنَّهُ يُورَدُ ارْتِجَالًا عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَدُونَ تَثَبُّتٍ وَتَفْكِيرٍ فَيَجْرِي مَجْرَى اللَّغَا الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى صَوْتِ الْعَصَافِيرِ وَنَحْوِهَا مِنَ الطُّيُورِ (١) .

وَإِمَّا لأَِنَّهُ يُورَدُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّوَابِ كَمَنْ قَال لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ، وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ (٢) . أَوْ كَمَنْ دَعَا لأَِهْل الدُّنْيَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (٣) . وَقَدْ يُطْلَقُ اللَّغْوُ

_________

(١) المفردات في غريب القرآن ص ٤٥١، روح المعاني ٢٧ / ١٣٩، ٣٠ / ٢٢، ٢٣.

(٢) حديث: " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤١٤ ط. السلفية) ومسلم (٢ / ٥٨٣) من حديث أبي هريرة مرفوعا

(٣) قال ابن العربي: لقد رأيت الزهاد بمدينة السلام والكوفة إذا بلغ الإمام إلى الدعاء لأهل الدنيا قاموا فصلوا ورأيتهم يتكلمون مع جلسائهم فيما يحتاجون إليه من أمرهم أو في علم ولا يصغون إليهم حينئذ لأنه عندهم لغو فلا يلزم استماعهم لاسيما وبعض الخطباء يكذبون حينئذ

عَلَى كُل كَلاَمٍ قَبِيحٍ بَاطِلٍ، كَالْخَوْضِ فِي الْمَعَاصِي، وَالسَّبِّ، وَالشَّتْمِ، وَالرَّفَثِ، وَمَا إِلَيْهَا (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) . أَيْ: كَنُّوا عَنِ الْقَبِيحِ وَتَعَفَّفُوا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَقِيل: مَعْنَاهُ: إِذَا صَادَفُوا أَهْل اللَّغْوِ لَمْ يَخُوضُوا مَعَهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ أَوْ فِي سَقَطِ كَلاَمِهِمْ.

وَمَا دَامَ اللَّغْوُ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لاَ يَجْلِبُ نَفْعًا وَلاَ يَدْفَعُ إِثْمًا، وَلاَ يَتَّصِل بِقَصْدٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّ سَمَاعَهُ كَالْخَوْضِ فِيهِ لاَ يَخْرُجُ حُكْمُهُ عَنِ الْحَظْرِ وَالْكَرَاهَةِ، تَبَعًا لِشِدَّةِ اتِّصَالِهِ بِالْمَفَاسِدِ، وَانْفِكَاكِهِ عَنْهَا (٣) .

وَالْمُؤْمِنُونَ مُطَالَبُونَ بِالإِْعْرَاضِ عَنْهُ، وَالإِْحْجَامِ عَنْ سَمَاعِهِ، وَالْخَوْضِ فِيهِ إِطْلاَقًا لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَخْلاَقِهِمْ وَلاَ يَتَنَاسَبُ - فِي أَقَل صُوَرِهِ - مَعَ جِدِّهِمْ وَكَمَال نُفُوسِهِمْ.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

_________

(١) أحكام القرآن ٣ / ٣١٢، ٤٢٨ - المطبعة البهية بمصر سنة ١٣٤٧ هـ، روح المعاني ٢٧ / ١٣٩، ٣٠ / ٢٢، ٢٣.

(٢) سورة الفرقان / ٧٢.

(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٢٨، والمفردات في غريب القرآن ص ٤٥١، روح المعاني ١٩ / ٥١، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ١٢٦.

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَاَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (١) .

وَقَال جَل ذِكْرُهُ فِي صِفَتِهِمْ: ﴿وَاَلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) . وَقَال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٣) .

_________

(١) سورة المؤمنون / ١ - ٣.

(٢) سورة الفرقان / ٧٢.

(٣) سورة القصص / ٥٥.

سَمْت

التَّعْرِيفُ

١ - مِنْ مَعَانِي السَّمْتِ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ. وَالْمُسَامَتَةُ: الْمُوَازَاةُ وَالْمُقَابَلَةُ، يُقَال: سَامَتَ الْقِبْلَةَ مُسَامَتَةً: إِذَا اسْتَقْبَلَهَا وَاتَّجَهَ نَحْوَهَا. وَسَمَتَ سَمْتَهُ: نَحَا نَحْوَهُ، وَيُطْلَقُ السَّمْتُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْهُدَى، فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: " إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ لاَبْنُ أُمِّ عَبْدٍ (١) .

وَالسَّمْتُ أَيْضًا " هَيْئَةُ أَهْل الْخَيْرِ " يُقَال: رَجُلٌ حَسَنُ السَّمْتِ، وَمَا أَحْسَنَ سَمْتَهُ؛ أَيْ: هَدْيَهُ. وَالتَّسْمِيتُ (بِالسِّينِ وَالشِّينِ)، الدُّعَاءُ لِلْعَاطِسِ (٢) .

_________

(١) قول حذيفة: " إن أشبه الناس دلاّ وسمتا ". . . . أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٠٩ - ط السلفية) وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود ﵁

(٢) لسان العرب، المصباح المنير.