الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

قَامَ الإِْمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا. (١)

ج - الإِْصْغَاءُ:

٤ - هُوَ أَنْ يَجْمَعَ إِلَى حُسْنِ السَّمَاعِ الاِسْتِمَاعَ مُبَالَغَةً فِي الإِْنْصَاتِ، لِمَا تَتَضَمَّنُهُ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْ دَلاَلَةٍ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَمِعَ قَدْ أَمَال سَمْعَهُ أَوْ أُذُنَهُ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ أَوْ مَصْدَرِ الصَّوْتِ حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْ كُل شَيْءٍ يَشْغَلُهُ عَنْهُ (٢) .

د - الْغِنَاءُ:

٥ - الْغِنَاءُ بِالْمَدِّ - لُغَةً: صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ مُتَوَالٍ، وَقَال ابْنُ سِيدَهْ: الْغِنَاءُ - مِنَ الصَّوْتِ مَا طُرِبَ بِهِ.

وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِهِ: كَشَّافُ الْقِنَاعِ: أَنَّهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالشِّعْرِ وَمَا يُقَارِبُهُ مِنَ الرَّجَزِ عَلَى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ (٣) .

فَالْغِنَاءُ نَوْعٌ مِنَ السَّمَاعِ.

_________

(١) أثر (إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا) . أخرجه مالك من حديث عثمان بن عفان موقوفا عليه (الموطأ ١ / ١٠٤ ط عيسى الحلبي) .

(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر.

(٣) الإمتاع بأحكام السماع. مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس ورقم ١٧ وجه، وانظر أيضا: فرح الأسماع برخص السماع ص ٤٩ الدار العربية للكتاب بتونس تحقيق وتقديم: محمد الشريف الرحموني ط١ سنة ١٩٨٥م. والنهاية في غريب الحديث والأثر، ولسان العرب.

وَالتَّغْبِيرُ: ضَرْبٌ مِنَ الْغِنَاءِ يُذَكِّرُ بِالْغَابِرَةِ وَهِيَ الآْخِرَةُ. وَالْمُغَبِّرَةُ قَوْمٌ يُغَبِّرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ هَذَا الاِسْمُ لِتَزْهِيدِهِمُ النَّاسَ فِي الْفَانِيَةِ وَهِيَ الدُّنْيَا وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الْبَاقِيَةِ وَهِيَ الآْخِرَةُ، وَهُوَ مِنْ (غَبَرَ) الَّذِي يُسْتَعْمَل لِلْبَاقِي كَمَا يُسْتَعْمَل لِلْمَاضِي، وَقَدْ كَرِهَهُ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ لأَِنَّهُ يُلْهِي عَنِ الْقُرْآنِ وَاعْتَبَرَهُ مِنْ عَمَل الزَّنَادِقَةِ، وَقَال فِيهِ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّهُ مِنْ أَمْثَل أَنْوَاعِ السَّمَاعِ وَمَعَ ذَلِكَ كَرِهَهُ الأَْئِمَّةُ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

١ - حُكْمُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ يَسْمَعُ الأَْذَانَ:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ سَمِعَ الأَْذَانَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَا عَدَا الْجُمُعَةَ، فَذَهَبَ

_________

(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١ / ٢٩٨، ٦٢٩، ٣٦ / ٢٠٠، والمقدمة لابن خلدون ص ٤٢٦ وما بعدها، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، وإحياء علوم الدين ٢ / ٢٦٨، ٢٦٩ دار المعرفة بيروت ١٩٨٢م، وكتاب السماع ص ٣٧ وما بعدها تحقيق المراغي، لجنة إحياء التراث القاهرة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠م، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ٢١٥ - ٢٢٢، دار الشروق للطباعة القاهرة سنة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨م. وفرح الأسماع برخص السماع ص ٤٩، والمعيار ١١ / ٢٩ وما بعدها، ص ١٠٦ وما بعدها. دار الغرب الإسلامي سنة ١٤٠١ هـ ١٩٨١م.

بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ حُضُورِهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَل هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَحُضُورُهَا فَرْضُ عَيْنٍ بِشُرُوطِهِ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (صَلاَة الْجَمَاعَةِ، وَصَلاَة الْجُمُعَةِ (١»

مَا يَقُولُهُ سَامِعُ الأَْذَانِ:

٧ - يُسَنُّ لِمَنْ سَمِعَ الأَْذَانَ أَنْ يَقُول مِثْلَمَا يَقُول الْمُؤَذِّنُ لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵊ إِذَا سَمِعْتُمِ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول الْمُؤَذِّنُ (٢) .

وَفِي رِوَايَةٍ: إِلاَّ فِي حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ،

_________

(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ٢٣ / ٢٢٥، والنووي على صحيح مسلم ٥ / ١٥٥، ١٥٣، وابن قدامة: المغني ٢ / ٤ - ٥ مع الشرح الكبير، دار الفكر بيروت ٧ - سنة ١٤٠٤ هـ، مجموع الفتاوى ٢٣ / ٢٢٥ - ٢٢٦. ونيل الأوطار ٣ / ٢٣٤، والأم ١ / ١٥٣، دار المعرفة بيروت ط٢، ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣م، والقفال الشاشي: حلية العلماء في معرفة مذاهب العلماء ٢ / ١٥٥، مؤسسة الرسالة دار الأرقم عمان ط١ من ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠م.

(٢) حديث: " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٩٠ ط، السلفية) ومسلم (١ / ٨٨ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا.

حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ فَقُولُوا: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ (١) .

فَإِذَا تَمَّ الأَْذَانُ يُسَنُّ لِلسَّامِعِ أَنْ يَطْلُبَ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ قَال حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ - حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) . وَانْظُرْ (أَذَان) .

_________

(١) حديث: " إلا في حي على الصلاة حي على الفلاح فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله ". يدل عليه ما أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا بلفظ: " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا وأخرج البخاري نحوه من حديث معاوية وقال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ يقول: (فتح الباري ٢ / ٩١ ونيل الأوطار ٢ / ٣٥ نشر دار الجيل

(٢) حديث: " من قال حين يسمع النداء. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٩٤ ط السلفية) من حديث جابر بن عبد الله.

إِسْمَاعُ الْمُصَلِّي قِرَاءَةَ نَفْسِهِ:

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَقَل مَا يُجْزِئُ فِي حَالَةِ الإِْسْرَارِ قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ يُسْمِعُهَا نَفْسَهُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا، مِثْلَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي التَّكْبِيرِ لأَِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِقِرَاءَةٍ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي حَالَةِ الإِْسْرَارِ أَنْ يُسْمِعَ الْمُصَلِّي قِرَاءَتَهُ نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكْتَفِيَ فِيهَا - عِنْدَهُمْ - بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِالْقُرْآنِ دُونَ أَنْ يُلْزَمَ بِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: " تَحْرِيكُ لِسَانِ الْمُسِرِّ فَقَطْ يُجْزِئُهُ، وَلَوْ أَسْمَعَ أُذُنَيْهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ. وَلاَ يُجْزِئُ مَا دُونَ ذَلِكَ كَالْقِرَاءَةِ بِالْقَلْبِ؛ لأَِنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ شَرْطٌ أَدْنَى فِي صِحَّةِ الْقِرَاءَةِ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَ مَالِكٌ لاَ يَرَى مَا قَرَأَ بِهِ الرَّجُل فِي الصَّلاَةِ فِي نَفْسِهِ مَا لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ قِرَاءَةً، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ نُقِل عَنْ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لاَ يَقْرَأَ فَقَرَأَ بِقَلْبِهِ لَمْ يَحْنَثْ. وَأَنَّ الْجُنُبَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِقَلْبِهِ مَا لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ (١) ".

_________

(١) زروق على رسالة ابن أبي زيد القيرواني مع شرح ابن ناجي عليها ١ / ١٥٦، ١٧٩، ١٨٣، دار الفكر سنة ١٤٠٢ هـ، والتاج والإكليل لمختصر خليل ١ / ٥١٨، بهامش مواهب الجليل للحطاب. دار الفكر ط٢ سنة ١٣٩٨ هـ - ١٩٨٠م، والمدونة الكبرى ١ / ٦٥، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٥٥٩، دار الفكر، دمشق.

أَمَّا حَالَةُ الْجَهْرِ - فَإِنَّ أَدْنَى مَا يُطْلَبُ مِنَ الْمُصَلِّي فِيهَا أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ وَلاَ حَدَّ لأَِعْلاَهُ خَاصَّةً إِذَا كَانَ إِمَامًا إِذْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَالِغَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ لأَِنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ لَهُ دُونَ الْقِرَاءَةِ (١) .

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صَلاَة الْجَمَاعَةِ) .

أَمَّا الْمَرْأَةُ فَدُونَ الرَّجُل فِي الْجَهْرِ إِذْ عَلَيْهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا خَاصَّةً مِثْلَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي حَقِّهَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّلْبِيَةِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ أَعْلَى جَهْرِهَا وَأَدْنَاهُ وَاحِدًا فَيَسْتَوِي فِي حَقِّهَا الْحَالَتَانِ (٢) .

سَمَاعُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ:

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ،

_________

(١) الحطاب: مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٥٢٥، والمواق: التاج والإكليل ١ / ٥٢٥ بهامش المصدر السابق - زروق مع ابن ناجي على رسالة ابن أبي زيد ١ / ١٨٣، وأبو الحسن على الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٢٥٥، دار المعرفة، بيروت، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٦٤٣، أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٢٦٠.

(٢) المعيار ١ / ١٥١ - ١٥٣، دار الغرب الإسلامي - بيروت، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ١٣٨ - ١٤٩، الرسالة السادسة، والحطاب: مواهب الجليل ١ / ٥٢٥ - زروق على الرسالة مع ابن ناجي عليها ١ / ١٧٩ - شرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٢٥٥، ٢٥٦ المغني مع الشرح الكبير ١ / ٥٥٩، ٥٦٠، ومواهب الجليل ١ / ٥١٨.

وَالأَْوْزَاعِيُّ، إِلَى وُجُوبِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ لِمَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ.

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ.

انْظُرْ: مُصْطَلَحَيْ (اسْتِمَاع، وَصَلاَةُ الْجُمُعَةِ) .

السُّجُودُ لِسَمَاعِ آيِ السَّجْدَةِ:

١٠ - يَتَرَتَّبُ سُجُودُ التِّلاَوَةِ عَلَى اسْتِمَاعِ آيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ فِي حُكْمِهِ.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سُجُود التِّلاَوَةِ) .

سَمَاعُ الدَّعْوَى:

١١ - سَمَاعُ الدَّعْوَى - فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ - لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْقَاضِي أَوْ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (١) . وَهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذَا السَّمَاعِ أَمْرَيْنِ مُتَتَالِيَيْنِ:

الأَْوَّل: الإِْنْصَاتُ وَالإِْصْغَاءُ إِلَيْهَا لاِسْتِيعَابِهَا وَإِدْرَاكِ خَفَايَاهَا عِنْدَ رَفْعِهَا إِلَيْهِ مِنَ

_________

(١) كصاحب الشرطة أو صاحب الحسبة أو صاحب الرد أو صاحب المدينة، كما نص على ذلك غير واحد من الفقهاء (النباهي: المرقبة العليا ص٥) .

الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلِهِ حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ هُنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَامِلًا شَامِلًا مُحَصِّلًا لِلْفَهْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ فِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ الْمَشْهُورَةِ، حِينَ قَال: " فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ إِذْ لاَ يَتَمَكَّنُ أَيُّ حَاكِمٍ مَهْمَا كَانَتْ دَرَجَتُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ إِلاَّ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْفَهْمِ.

النَّوْعُ الأَْوَّل: فَهْمُ الدَّعْوَى الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِفَهْمِ الْوَاقِعِ وَالْفِقْهِ فِيهِ (١) .

الثَّانِي: فَهْمُ الْوَاجِبِ فِي الْوَاقِعِ وَهُوَ فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَاقِعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.

وَقَدْ حَرَصَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَوْفِيرِ كُل مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى سَلاَمَةِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مَرْحَلَةِ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَفَهْمِهَا فَنَبَّهُوا:

أَوَّلًا: إِلَى أَنَّ سَلاَمَةَ السَّمْعِ وَالنُّطْقِ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَافَرَ فِي الْقَاضِي لاِسْتِمْرَارِ وِلاَيَتِهِ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَثَانِيًا: إِلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ - إِذَا لَمْ يُدْرِكْ كَلاَمَ

_________

(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١ / ٨٥ - دار الجيل، بيروت.

أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ - أَنْ يُطَالِبَهُ بِالإِْعَادَةِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُ مَا يَقُول فَهْمًا كَافِيًا (١) .

وَأَخِيرًا أَكَّدُوا عَلَى تَجَنُّبِ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْغَل السَّامِعَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ وَالاِنْتِبَاهِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ وَاسْتِصْفَاءِ الْفِكْرِ كَالْغَضَبِ وَالْجُوعِ الْمُفْرِطِ وَالْعَطَشِ الشَّدِيدِ وَالأَْلَمِ الْمُزْعِجِ وَمُدَافَعَةِ أَحَدِ الأَْخْبَثَيْنِ، وَشِدَّةِ النُّعَاسِ، وَالْحُزْنِ وَالْفَرَحِ وَمَا إِلَيْهَا. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ ﵊: لاَ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ لاَ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (٢) وَقَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ: " إِيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ لَهُمْ عِنْدَ الْخُصُومَةِ.

الأَْمْرُ الثَّانِي: قَبُول الدَّعْوَى مِنَ الْمُدَّعِي يُقَال: سَمِعَ الْقَاضِي دَعْوَى فُلاَنٍ: إِذَا

_________

(١) إعلام الموقعين ١ / ٨٧ - ٨٨، والمغني مع الشرح الكبير ١١ / ٢٨٢، ٣٩٦ - ٣٩٩ وتبصرة الحكام ١ / ٢٥، ٣٧ بهامش فتح العلي المالك. وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل ٢ / ٢٢١، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ٩٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٦٠ وللماوردي ٦٦.

(٢) حديث: (لا يقضي القاضي أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان) . أخرجه الشافعي بهذا اللفظ كما في الفتح (١٣ / ١٣٧ ط. السلفية) وأخرجه البخاري من حديث أبي بكرة مرفوعا بلفظ (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان) (فتح الباري ١٣ / ١٣٦ ط. السلفية) .

قَبِلَهَا، وَيُقَال: لَمْ يَسْمَعْهَا: إِذَا رَدَّهَا، كَمَا يُقَال: هَذِهِ دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ؛ أَيْ: مُسْتَجْمِعَةٌ لِشُرُوطِ الْقَبُول، وَتِلْكَ دَعْوَى غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ؛ أَيْ: أَنَّهَا لَمْ تَسْتَكْمِل مَا يُطْلَبُ لِسَمَاعِهَا.

وَقَدْ عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الدَّعْوَى بِتَعْرِيفَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ يَدْعَمُ بَعْضُهَا الْبَعْضَ وَيَشْرَحُهُ.

وَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ ذِكْرُهُ هُنَا أَنَّ الدَّعْوَى - مَهْمَا كَانَ نَوْعُهَا (١) - لاَ يُتَّجَهُ سَمَاعُهَا وَلاَ يَتَحَتَّمُ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ:

الأُْولَى: أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً مُسْتَجْمِعَةً لِشُرُوطِهَا.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ مَدْعُومَةً بِبَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَشْهَدُ بِصِدْقِ دَعْوَى الْمُدَّعِي.

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (دَعْوَى) .

فَسَمَاعُ الدَّعْوَى فِي الْحَالَةِ الأُْولَى يُوجِبُ لِلْمُدَّعِي طَلَبَ الْجَوَابِ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ حَمْلِهِ عَلَى الْيَمِينِ إِنْ أَنْكَرَ، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يُوجِبُ سَمَاعُهَا الْحُكْمَ لِلْمُدَّعِي بِمُقْتَضَى الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَهَا (٢) .

_________

(١) إعلام الموقعين ١ / ٨٦، ٢ / ١٧٥، المغني مع الشرح الكبير ١١ / ٣٩٥، جواهر الإكليل ٢ / ٢٢٥، مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ١٢٢، المغني مع الشرح الكبير ١١ / ٥، التبصرة ٢ / ١٣٢، المصباح المنير ١ / ٣٩٢، ٣٩٣.

(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥ / ٣٩٠.