الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ حِينَ كَتَبَ إِلَى هِرَقْل مَلِكِ الرُّومِ.

وَإِذَا مَرَّ وَاحِدٌ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ - وَلَوْ وَاحِدًا - وَكُفَّارٌ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ وَيَقْصِدَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُسْلِمَ. لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاَطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَالْيَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ (١) .

رَدُّ السَّلاَمِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ:

٢٢ - وَأَمَّا رَدُّ السَّلاَمِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ إِذَا تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ مِنْ لَفْظِ السَّلاَمِ مِنَ الذِّمِّيِّ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَيَقْتَصِرُ فِي الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ: وَعَلَيْكُمْ، بِالْوَاوِ وَالْجَمْعِ، أَوْ: وَعَلَيْكَ، بِالْوَاوِ دُونَ الْجَمْعِ عِنْدَ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤ - ٢٦٥ ط المصرية، الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٥ - ٤٢٦ ط الثالثة - نهاية المحتاج ٨ / ٤٩ ط. المكتبة الإسلامية، تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٦ ط. دار صادر، الأذكار / ٤٠٥ - ٤٠٦ ط. الأولى، روضة الطالبين ١٠ / ٢٣١ ط. المغني ٨ / ٥٣٦ ط. الرياض.

الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِكَثْرَةِ الأَْخْبَارِ فِي ذَلِكَ (١) .

فَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ (٢) وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُول أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُل: وَعَلَيْكَ (٣) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَقُول فِي الرَّدِّ: عَلَيْكَ، بِغَيْرِ وَاوٍ بِالإِْفْرَادِ أَوِ الْجَمْعِ (٤) . لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُول أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُل: عَلَيْكَ (٥) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ

_________

(١) الاختيار ٤ / ١٦٥ ط. المعرفة، الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٥ - ذ٤٢ ط. الثالثة، نهاية المحتاج ٨ / ٤٩ ط. المكتبة الإسلامية، كشاف القناع ٣ / ١٣٠ ط. النصر.

(٢) " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٤٢ ط. السلفية) ومسلم (٤ / ١٧٠٥ ط. الحلبي) .

(٣) حديث: " إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم. . . ". أخرجه البخاري (١١ / ٤٢ ط. السلفية) .

(٤) رياض الصالحين / ٣٤٩ ط. دار الكتاب العربي، صحيح مسلم بشرح النووي ١٤ / ١٤٤ ط. الأولى، الأذكار / ٤٠٤، ٤٠٥ ط الأولى.

(٥) حديث: " إن اليهود إذا سلموا عليكم ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٠٦ ط. الحلبي) .

قَال: عَلَيْكُمْ. بِالْجَمْعِ وَبِغَيْرِ وَاوٍ.

وَنَقَل النَّفْرَاوِيُّ عَنِ الأَُجْهُورِيُّ قَوْلَهُ: إِنْ تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الذِّمِّيَّ نَطَقَ بِالسَّلاَمِ بِفَتْحِ السِّينِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الدُّعَاءَ.

مَنْ يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ:

٢٣ - يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيل عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ.

لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيل عَلَى الْكَثِيرِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ زِيَادَةُ: الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ (٢) وَهَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ السُّنَّةُ، فَلَوْ خَالَفُوا فَسَلَّمَ الْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ، أَوِ الْجَالِسُ عَلَيْهِمَا لَمْ يُكْرَهْ، وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا لاَ يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ الْكَثِيرِينَ بِالسَّلاَمِ عَلَى الْقَلِيل، وَالْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَيَكُونُ هَذَا تَرْكًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ سَلاَمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا تَلاَقَى الاِثْنَانِ فِي طَرِيقٍ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ عَلَى قُعُودٍ أَوْ قَاعِدٍ،

_________

(١) يسلم الراكب على الماشي. أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٥ - ط. السلفية) .

(٢) رواية: " الصغير على الكبير " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٤ - ط. السلفية) .

فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ عَلَى كُل حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَانَ كَبِيرًا، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.

وَإِذَا لَقِيَ رَجُلٌ جَمَاعَةً فَأَرَادَ أَنْ يَخُصَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ بِالسَّلاَمِ كُرِهَ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ السَّلاَمِ الْمُؤَانَسَةُ وَالأُْلْفَةُ، وَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ إِيحَاشٌ لِلْبَاقِينَ، وَرُبَّمَا صَارَ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ، وَإِذَا مَشَى فِي السُّوقِ أَوِ الشَّوَارِعِ الْمَطْرُوقَةِ كَثِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْمُتَلاَقُونَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ السَّلاَمَ هُنَا إِنَّمَا يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ. قَال: لأَِنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى كُل مَنْ لَقِيَ لَتَشَاغَل بِهِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَلَخَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُرْفِ.

اسْتِحْبَابُ السَّلاَمِ عِنْدَ دُخُول بَيْتٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ:

٢٤ - يُسْتَحَبُّ إِذَا دَخَل بَيْتَهُ أَنْ يُسَلِّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ وَلْيَقُل: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ (١) . وَكَذَا إِذَا دَخَل مَسْجِدًا، أَوْ بَيْتًا لِغَيْرِهِ فِيهِ أَحَدٌ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ وَأَنْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (٢) .

_________

(١) قال الإمام مالك في الموطأ (٢ / ٩٦٢ - ط. الحلبي) . أنه بلغه: إذا دخل البيت غير المسكون يقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

(٢) استدل على ذلك بقوله تعالى:﴾ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ﴿(النور / ٦١) .

السَّلاَمُ عِنْدَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ:

٢٥ - إِذَا كَانَ جَالِسًا مَعَ قَوْمٍ ثُمَّ قَامَ لِيُفَارِقَهُمْ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتْ الأُْولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآْخِرَةِ (١)

إِلْقَاءُ السَّلاَمِ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ:

٢٦ - قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ لاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ، إِمَّا لِتَكَبُّرٍ الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ وَإِمَّا لإِهْمَالِهِ الْمَارَّ أَوِ السَّلاَمَ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ وَلاَ يَتْرُكَهُ لِهَذَا الظَّنِّ، فَإِنَّ السَّلاَمَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَاَلَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمَارُّ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يُحَصِّل الرَّدَّ، مَعَ أَنَّ الْمَمْرُورَ عَلَيْهِ قَدْ يُخْطِئُ الظَّنُّ فِيهِ وَيَرُدُّ.

ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ وَأَسْمَعَهُ سَلاَمَهُ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِشُرُوطِهِ فَلَمْ يَرُدَّ، أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ ذَلِكَ

_________

(١) حديث: " إذا انتهى أحدكم إلى مجلس ". أخرجه الترمذي (٥ / ٦٢ - ٦٣ - ط. الحلبي) وقال: " حديث حسن ".

فَيَقُول: أَبْرَأْتُهُ مِنْ حَقِّي فِي رَدِّ السَّلاَمِ، أَوْ: جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ مِنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَلْفِظُ بِهَذَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ هَذَا الآْدَمِيِّ.

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُول لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ: رَدُّ السَّلاَمِ وَاجِبٌ، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ لِيَسْقُطَ عَنْكَ فَرْضُ الرَّدِّ (١) .

السَّلاَمُ عِنْدَ زِيَارَةِ الْمَوْتَى:

أ - السَّلاَمُ عِنْدَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ:

٢٧ - يُنْدَبُ لِكُل حَاجٍّ زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنَّ زِيَارَتَهُ ﷺ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَأَهَمِّهَا وَأَرْبَحِ الْمَسَاعِي وَأَفْضَل الطِّلْبَاتِ، وَانْظُرْ بَحْثَ (زِيَارَة) .

وَإِذَا أَتَى الزَّائِرُ الْمَسْجِدَ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ الْكَرِيمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنْ جِدَارِ الْقَبْرِ وَسَلَّمَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول: (السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ،

_________

(١) روح المعاني ٥ / ١٠٢ ط. المنيرية - تفسير القرطبي ٥ / ٣٠١ - ٣٠٢ ط. الأولى، التفسير الكبير للرازي ١٠ / ٢١٣ - ط. الأولى، الأذكار / ٤٠٨ - ٤١٢ ط. الأولى.

السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِكَ وَأَصْحَابِكَ وَأَهْل بَيْتِكَ وَعَلَى النَّبِيِّينَ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الأَْمَانَةَ وَنَصَحْتَ الأُْمَّةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَل مَا جَزَى رَسُولًا عَنْ أُمَّتِهِ) وَلاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلاَمِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: " السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ فُلاَنِ ابْنِ فُلاَنٍ. ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَدْرَ ذِرَاعٍ إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَيَقُول: " السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُول اللَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا صِدِّيقَ رَسُول اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ جَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَيْرًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَأَرْضَاكَ وَجَعَل الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَكَ وَمَثْوَاكَ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ كُل الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ ".

ثُمَّ يَتَأَخَّرُ ذِرَاعًا لِلسَّلاَمِ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَيَقُول: " السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ رَسُول اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ الْفَارُوقَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ جَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَيْرًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَأَرْضَاكَ وَجَعَل الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبُكَ وَمَثْوَاكَ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ كُل

الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ " ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَوْقِفِهِ الأَْوَّل قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (١) .

السَّلاَمُ عِنْدَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ:

٢٨ - قَال الْقُرْطُبِيُّ: زِيَارَةُ الْقُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَاءِ لِلْقَلْبِ الْقَاسِي؛ لأَِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ وَالآْخِرَةَ. وَذَلِكَ يَحْمِل عَلَى قِصَرِ الأَْمَل وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (٢) . وَتَذْكُرُ كُتُبُ السُّنَّةِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْقُبُورَ وَيُسَلِّمُ عَلَى سَاكِنِيهَا، وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ ذَلِكَ.

فَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْل الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ، وَأَسْأَل اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ (٣) .

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٣٣٧ ط - الأميرية، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ٢ / ٧١ - ٧٢ ط. المعرفة، حاشية القليوبي ٢ / ١٢٦ - ط. الحلبي، الأذكار / ٣٣٣ - ٣٣٤ - ط. الأولى، المغني ٣ / ٥٥٨ ط. الرياض، كشاف القناع ٢ / ٥١٥ - ٥١٧ ط. النصر.

(٢) تفسير القرطبي ٢٠ / ١٧٠ - ط. الأولى.

(٣) حديث بريدة: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر. أخرجه مسلم (١ / ٦٦٩ - ط. الحلبي) وانظر النسائي ٤ / ٩٤ ط. التجارية، ابن ماجه: ١٥٤٧ وزاد بعد قوله للاحقون " أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع " ونيل الأوطار ٤ / ١٦٦ - ط. الجيل، رياض الصالحين / ٢٦٠ - ط. دار الكتاب العربي، الأذكار / ٢٨٢ - ط. الأولى.

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتَهَا مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْل إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَِهْل بَقِيعِ الْغَرْقَدِ (١) .

قَوْل: " ﵇ " عِنْدَ ذِكْرِ نَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ مِنَ الصَّالِحِينَ:

٢٩ - السَّلاَمُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ فِي الْغَيْبَةِ مَقْصُورٌ عَلَى الأَْنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ، مِثْل قَوْلِكَ: نُوحٌ ﵇ أَوْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَوْ جِبْرِيل ﵇، وَذَلِكَ تَأَسِّيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ: ﴿سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٤) وَقَوْلِهِ: ﴿سَلاَمٌ عَلَى إِل يَاسِينَ﴾ (٥) نَعَمْ يَجُوزُ السَّلاَمُ عَلَى آلِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ دُونَ اسْتِقْلاَلٍ.

_________

(١) حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها. أخرجه مسلم (١ / ٦٦٩ - ط. الحلبي) .

(٢) سورة الصافات / ٧٩.

(٣) سورة الصافات / ١٠٩.

(٤) سورة الصافات / ١٢٠.

(٥) سورة الصافات / ١٣٠.

٣٠ - وَأَمَّا السَّلاَمُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ اسْتِقْلاَلًا فَمَنَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال بِأَنَّ السَّلاَمَ هُوَ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ فَلاَ يُسْتَعْمَل فِي الْغَائِبِ، فَلاَ يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأَْنْبِيَاءِ، فَلاَ يُقَال: أَبُو بَكْرٍ ﵇ وَلاَ عَلِيٌّ ﵇، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الأَْحْيَاءُ وَالأَْمْوَاتُ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَيُخَاطَبُ بِهِ فَيُقَال: سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَوْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ أَوِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَوْ عَلَيْكُمْ.

وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ بِأَنَّ السَّلاَمَ يُشْرَعُ فِي حَقِّ كُل مُؤْمِنٍ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ وَغَائِبٍ وَحَاضِرٍ، وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْل الإِْسْلاَمِ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الرَّسُول ﷺ وَآلِهِ - وَلِهَذَا يَقُول الْمُصَلِّي: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلاَ يَقُول: الصَّلاَةُ عَلَيْنَا (١) .

السَّلاَمُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الصَّلاَةِ:

٣١ - الْخُرُوجُ مِنَ الصَّلاَةِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالسَّلاَمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ السَّلاَمَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ عِنْدَهُمْ - لِقَوْلِهِ ﷺ مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ

_________

(١) الأذكار / ٢١٠ - ط. الأولى، القول البديع للسخاوي / ٥٧ ط. الثالثة، جلاء الأفهام لابن القيم / ٣٤٥ ط. الأولى.