الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
ﷺ يَبُول، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (١) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَبُول، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْل هَذِهِ الْحَال فَلاَ تُسَلِّمْ عَلَيَّ. فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ (٢) .
وَأَمَّا حُكْمُ الرَّدِّ مِنْهُمْ فَهُوَ الْكَرَاهَةُ مِنْ قَاضِي الْحَاجَةِ وَالْمُجَامِعِ، وَأَمَّا مَنْ فِي الْحَمَّامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّدُّ، كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ (٣) .
أَحْكَامٌ أُخْرَى لِلسَّلاَمِ:
السَّلاَمُ عَلَى الصَّبِيِّ:
١٨ - السَّلاَمُ عَلَى الصَّبِيِّ أَفْضَل مِنْ تَرْكِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ،
_________
(١) حديث ابن عمر: أن رجلا مر ورسول الله ﷺ يبول. . . أخرجه مسلم (١ / ٢٨١ - ط الحلبي) .
(٢) حديث جابر: أن رجلا مر على النبي ﷺ وهو يبول. . . أخرجه ابن ماجه (١ / ١٢٦ - ط الحلبي) وحسن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ١٠٢ - ط دار الحنان) .
(٣) فتح القدير ١ / ١٧٣ ط. الأميرية، ابن عابدين ١ / ٤١١ - ٤١٥ ط. المصرية جواهر الإكليل ١ / ٣٧، ٢٥١ ط. المعرفة، الزرقاني ٣ / ١٠٩ ط. الفكر. الخرشي ٣ / ١١٠ ط. بولاق، تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٧ - ٢٢٨ ط. دار صادر. الروضة ١٠ / ٢٣٢ ط. المكتب الإسلامي، حاشية الجمل على المنهج ٥ / ١٨٨ - ١٨٩ ط. التراث، الأذكار / ٤٠١ - ٤٠٢ ط. الأولى. المغني ١ / ١٦٧ ط. الرياض.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَذَكَرَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ جَائِزٌ لِتَأْدِيبِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى كَلاَمِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ عُيُونِ الْمَسَائِل وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ (١) .
وَأَمَّا جَوَابُ السَّلاَمِ مِنَ الصَّبِيِّ فَغَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَيَسْقُطُ رَدُّ السَّلاَمِ بِرَدِّهِ عَنِ الْبَاقِينَ إِنْ كَانَ عَاقِلًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الْفَرْضِ فِي الْجُمْلَةِ، بِدَلِيل حِل ذَبِيحَتِهِ مَعَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِيهَا فَرْضٌ عِنْدَهُمْ.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا الأَُجْهُورِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّاشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى أَذَانِهِ لِلرِّجَال. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ سُقُوطِ فَرْضِ رَدِّ السَّلاَمِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِرَدِّ الصَّبِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي الاِكْتِفَاءِ بِرَدِّ الصَّبِيِّ عَنِ الْجَمَاعَةِ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، حَيْثُ قَال: وَلَنَا فِيهِ وَقْفَةٌ؛ لأَِنَّ الرَّدَّ فَرْضٌ
_________
(١) حديث أنس أنه مر على صبيان فسلم عليهم. أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٢ - ط السلفية) .
عَلَى الْبَالِغِينَ، وَرَدُّ الصَّبِيِّ غَيْرُ فَرْضٍ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَكْفِي عَنِ الْفَرْضِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ؟ فَلَعَل الأَْظْهَرَ عَدَمُ الاِكْتِفَاءِ بِرَدِّهِ عَنِ الْبَالِغِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجْهَيْنِ فِي رَدِّ السَّلاَمِ مِنَ الْبَالِغِ عَلَى سَلاَمِ الصَّبِيِّ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ - أَيْ الصَّبِيِّ - وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ وُجُوبَ الرَّدِّ (١) .
السَّلاَمُ عَلَى النِّسَاءِ:
١٩ - سَلاَمُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ يُسَنُّ كَسَلاَمِ الرَّجُل عَلَى الرَّجُل، وَرَدُّ السَّلاَمِ مِنَ الْمَرْأَةِ عَلَى مِثْلِهَا كَالرَّدِّ مِنَ الرَّجُل عَلَى سَلاَمِ الرَّجُل.
وَأَمَّا سَلاَمُ الرَّجُل عَلَى الْمَرْأَةِ؛ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً أَوْ مِنَ الْمَحَارِمِ فَسَلاَمُهُ عَلَيْهَا سُنَّةٌ، وَرَدُّ السَّلاَمِ مِنْهَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ، بَل يُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُل عَلَى أَهْل بَيْتِهِ وَمَحَارِمِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَجْنَبِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا أَوِ امْرَأَةً لاَ تُشْتَهَى فَالسَّلاَمُ عَلَيْهَا سُنَّةٌ،
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٦٥ ط. المصرية، الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٢ ط. الثانية القرطبي ٥ / ٣٠٢ ط. الأولى، الروضة ١٠ / ٢٢٩ ط. المكتب الإسلامي، نهاية المحتاج ٨ / ٤٧ ط. المكتبة الإسلامية، تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٣ ط. دار صادر، الأذكار / ٣٩٦ - ٣٩٧ ط. الأولى، الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٣٨٠ ط. المنار.
وَرَدُّ السَّلاَمِ مِنْهَا عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا لَفْظًا وَاجِبٌ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ شَابَّةً يُخْشَى الاِفْتِتَانُ بِهَا، أَوْ يُخْشَى افْتِتَانُهَا هِيَ أَيْضًا بِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا فَالسَّلاَمُ عَلَيْهَا وَجَوَابُ السَّلاَمِ مِنْهَا حُكْمُهُ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الرَّجُل يَرُدُّ عَلَى سَلاَمِ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ إِنْ سَلَّمَتْ هِيَ عَلَيْهِ، وَتَرُدُّ هِيَ أَيْضًا فِي نَفْسِهَا إِنْ سَلَّمَ هُوَ عَلَيْهَا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِحُرْمَةِ رَدِّهَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا سَلاَمُ الرَّجُل عَلَى جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فَجَائِزٌ، وَكَذَا سَلاَمُ الرِّجَال عَلَى الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ. وَمِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ سَلاَمِ الرَّجُل عَلَى جَمَاعَةِ النِّسَاءِ مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا (١) .
وَمِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ السَّلاَمِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِل إِلَيَّ بِضَاعَةَ نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ فَتَأْخُذُ مِنْ
_________
(١) حديث أسماء بنت يزيد: مر علينا النبي ﷺ في نسوة. أخرجه أبو داود (٥ / ٣٨٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ٥٨ - ط الحلبي)، واللفظ لأبي داود، وحسنه الترمذي.
أُصُول السَّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا (١)، وَمَعْنَى تُكَرْكِرُ؛ أَيْ: تَطْحَنُ (٢) .
السَّلاَمُ عَلَى الْفُسَّاقِ وَأَرْبَابِ الْمَعَاصِي:
٢٠ - ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ السَّلاَمَ عَلَى الْفَاسِقِ الْمُجَاهِرِ بِفِسْقِهِ مَكْرُوهٌ وَإِلاَّ فَلاَ، وَمِثْل الْفَاسِقِ فِي هَذَا لاَعِبُ الْقِمَارِ وَشَارِبُ الْخَمْرِ وَمُطَيِّرُ الْحَمَامِ وَالْمُغَنِّي وَالْمُغْتَابُ حَال تَلَبُّسِهِمْ بِذَلِكَ، نُقِل عَنْ فُصُول الْعَلاَّمِيِّ أَنَّهُ لاَ يُسَلِّمُ، وَيُسَلِّمُ عَلَى قَوْمٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَعَلَى مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ نَاوِيًا أَنْ يُشْغِلَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكُرِهَ عِنْدَهُمَا تَحْقِيرًا لَهُمَا (٣) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلاَمِ عَلَى أَهْل
_________
(١) حديث سهل بن سعد: كانت لنا عجوز. أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٣ - ط السلفية) .
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٣٦ ط المصرية، روح المعاني ٥ / ٩٩ ط. المنيرية، القرطبي ٥ / ٣٠٢ ط. الأولى، الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٢ ط. الثالثة، شرح الزرقاني ٣ / ١١٠ ط دار الفكر، روضة الطالبين ١٠ / ٢٢٩ - ٢٣٠ ط. المكتب الإسلامي، الأذكار للنووي / ٤٠٢ - ٤٠٣ ط. الأولى، تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٣ ط دار صادر، التفسير الكبير للرازي ١٠ / ٢١٤ - ٢١٥ ط الأولى - الآداب الشرعية ١ / ٣٧٤ - ٣٧٥ ط الأولى.
(٣) ابن عابدين ١ / ٤١٤ - ٥ / ٢٦٧ ط. المصرية. الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٦ ط. الثالثة.
الأَْهْوَاءِ مَكْرُوهٌ، كَابْتِدَائِهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (١) .
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَجْهَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ السَّلاَمِ عَلَى الْفُسَّاقِ وَفِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ إِذَا سَلَّمَا. وَذَكَرَ فِي الأَْذْكَارِ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ وَمَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا عَظِيمًا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَلاَ يُرَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ.
مُحْتَجًّا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ هُوَ وَرَفِيقَانِ لَهُ فَقَال: وَنَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلاَمِنَا. قَال: وَكُنْتُ آتِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأَقُول: هَل حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ أَمْ لاَ؟ (٢) وَبِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الأَْدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَال: (لاَ تُسَلِّمُوا عَلَى شُرَّابِ الْخَمْرِ) (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى السَّلاَمِ عَلَى
_________
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٣٨، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢٦.
(٢) حديث قصة كعب بن مالك. أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١١٥ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢١٢٤ - ط. الحلبي) .
(٣) قول عبد الله بن عمرو: لا تسلموا على شراب الخمر. أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٦٣ - ط السلفية) .
الظَّلَمَةِ، بِأَنْ دَخَل عَلَيْهِمْ وَخَافَ تَرَتُّبَ مَفْسَدَةٍ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَذَكَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَنْوِي أَنَّ السَّلاَمَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ الْمَعْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ رَقِيبٌ (١) .
وَذَكَرَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِكُل مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَلْعَبُ النَّرْدَ أَوِ الشِّطْرَنْجَ، وَكَذَا مُجَالَسَتُهُ لإِظْهَارِهِ الْمَعْصِيَةَ، وَقَال أَحْمَدُ فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ: مَا هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ، كَمَا لاَ يُسَلَّمُ عَلَى الْمُتَلَبِّسِينَ بِالْمَعَاصِي، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِنْ سَلَّمُوا إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ انْزِجَارُهُمْ بِتَرْكِ الرَّدِّ.
قَال أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لأَِحْمَدَ: أَمُرُّ بِالْقَوْمِ يَتَقَاذَفُونَ، أُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ؟ قَال: هَؤُلاَءِ قَوْمٌ سُفَهَاءُ، وَالسَّلاَمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، قُلْتُ لأَِحْمَدَ: أُسَلِّمُ عَلَى الْمُخَنَّثِ؟ قَال: لاَ أَدْرِي، السَّلاَمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ جَل (٢) .
وَأَمَّا رَدُّ السَّلاَمِ عَلَى الْفَاسِقِ أَوِ الْمُبْتَدِعِ فَلاَ يَجِبُ زَجْرًا لَهُمَا كَمَا فِي رُوحِ الْمَعَانِي (٣) .
_________
(١) روضة الطالبين ١٠ / ٢٣٠ ط. المكتب الإسلامي، الأذكار / ٤٠٧ ط. الأولى الأدب المفرد بشرحه ٢ / ٤٧٢ ط. السلفية.
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٨٩ ط. الأولى.
(٣) روح المعاني ٥ / ١٠١ ط المنيرية.
السَّلاَمُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ:
٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّلاَمَ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ إِنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ حَاجَةٌ؛ لأَِنَّ السَّلاَمَ حِينَئِذٍ لأَِجْل الْحَاجَةِ لاَ لِتَعْظِيمِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ فِرَقِ الضَّلاَل بِالسَّلاَمِ مَكْرُوهٌ؛ لأَِنَّ السَّلاَمَ تَحِيَّةٌ وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (٢) .
وَيَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بُدَاءَةُ الذِّمِّيِّ بِالسَّلاَمِ، وَلَهُ أَنْ يُحَيِّيَهُ بِغَيْرِ السَّلاَمِ بِأَنْ يَقُول: هَدَاكَ اللَّهُ، أَوْ: أَنْعَمَ اللَّهُ صَبَاحَكَ، إِنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ حَاجَةٌ، وَإِلاَّ فَلاَ يَبْتَدِئُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الإِْكْرَامِ أَصْلًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ بَسْطٌ لَهُ وَإِينَاسٌ وَإِظْهَارُ وُدٍّ (٣) . وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤ - ٢٦٥ ط. المصرية، الاختيار ٤ / ١٦٥ ط. المعرفة روح المعاني ٥ / ١٠٠ ط. المنيرية.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٥ - ٤٢٦ ط. الثالثة، حاشية العدوي على الخرشي ٣ / ١١٠ ط بولاق، القرطبي ٥ / ٣٠٣ ط الأولى.
(٣) نهاية المحتاج ٨ / ٤٩ ط. المكتبة الإسلامية، تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٦ ط. دار صادر، روضة الطالبين ١٠ / ٢٣٠ - ٢٣١ ط. المكتب الإسلامي.
تَجِدُ قَوْمًا يُومَنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَهْل الذِّمَّةِ، فَقَطَعَ الأَْكْثَرُونَ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلاَمِ، وَقَال آخَرُونَ: لَيْسَ هُوَ بِحَرَامٍ بَل هُوَ مَكْرُوهٌ.
حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ بِالسَّلاَمِ، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَوْلِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، وَلاَ يَذْكُرُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، إِلاَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ وَصَفَ هَذَا الْوَجْهَ بِأَنَّهُ شَاذٌّ.
وَبُدَاءَةُ أَهْل الذِّمَّةِ بِالسَّلاَمِ لاَ تَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ نُحَيِّيَهُمْ بِتَحِيَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ السَّلاَمِ. قَال أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَكْرَهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلذِّمِّيِّ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ أَوْ: كَيْفَ حَالُكَ؟ أَوْ: كَيْفَ أَنْتَ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ مِنَ السَّلاَمِ.
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ قَال لِلذِّمِّيِّ: أَطَال اللَّهُ بَقَاءَكَ، جَازَ، إِنْ نَوَى أَنَّهُ يُطِيلُهُ لِيُسْلِمَ أَوْ
_________
(١) سورة المجادلة / ٢٢.
لِيُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ بِالإِْسْلاَمِ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ (١) .
وَدَلِيل كَرَاهَةِ الْبُدَاءَةِ بِالسَّلاَمِ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ (٢) .
وَالاِسْتِقَالَةُ أَنْ يَقُول لَهُ: رُدَّ سَلاَمِي الَّذِي سَلَّمْتُهُ عَلَيْكَ؛ لأَِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ كَافِرٌ مَا سَلَّمْتُ عَلَيْكَ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَبَانَ ذِمِّيًّا أَنْ يَسْتَقِيلَهُ بِأَنْ يَقُول لَهُ: رُدَّ سَلاَمِي الَّذِي سَلَّمْتُهُ عَلَيْكَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقِيل: إِنَّهُ كَافِرٌ، فَقَال: رُدَّ عَلَيَّ مَا سَلَّمْتُ عَلَيْكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَال أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَكَ وَوَلَدَكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَال: أَكْثَرُ لِلْجِزْيَةِ) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَسْتَقِيلُهُ.
وَإِذَا كَتَبَ إِلَى الذِّمِّيِّ كِتَابًا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ: السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، اقْتِدَاءً
_________
(١) الاختيار ٤ / ١٦٥ ط. المعرفة، الأذكار ص / ٤٠٤ - ٤٠٦ ط. الأولى. المغني ٨ / ٥٣٦ ط. الرياض، كشاف القناع ٣ / ١٢٩ ط،. النصر، الكافي ٤ / ٣٥٩ ط الثانية.
(٢) حديث: " لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٠٧ ط. الحلبي) .