الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
وَتَكْفِي الإِْشَارَةُ فِي السَّلاَمِ عَلَى أَصَمَّ أَوْ أَخْرَسَ، أَوِ الرَّدِّ عَلَى سَلاَمِهِ، خِلاَفًا لِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ عَنِ الْمُتَوَلِّي حَيْثُ قَال: إِذَا سَلَّمَ عَلَى أَصَمَّ لاَ يَسْمَعُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ السَّلاَمِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْيَدِ حَتَّى يَحْصُل الإِْفْهَامُ وَيَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ، فَلَوْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا لاَ يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ قَال: وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَصَمُّ وَأَرَادَ الرَّدَّ فَيَتَلَفَّظُ بِاللِّسَانِ وَيُشِيرُ بِالْجَوَابِ لِيَحْصُل بِهِ الإِْفْهَامُ وَيَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الْجَوَابِ. قَال: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى أَخْرَسَ فَأَشَارَ الأَْخْرَسُ بِالْيَدِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ؛ لأَِنَّ إِشَارَتَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ. وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَخْرَسُ بِالإِْشَارَةِ يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ مَعَ الْعِبَارَةِ (١) .
السَّلاَمُ بِوَسَاطَةِ الرَّسُول أَوِ الْكِتَابِ:
١١ - السَّلاَمُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُول أَوِ الْكِتَابِ كَالسَّلاَمِ مُشَافَهَةً، فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَْذْكَارِ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ فِيمَا إِذَا نَادَى إِنْسَانٌ إِنْسَانًا مِنْ خَلْفِ سِتْرٍ أَوْ حَائِطٍ فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا فُلاَنُ، أَوْ كَتَبَ كِتَابًا فِيهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا فُلاَنُ، أَوِ: السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ، أَوْ: أَرْسَل رَسُولًا وَقَال: سَلِّمْ عَلَى فُلاَنٍ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ أَوِ الرَّسُول وَجَبَ عَلَيْهِ
_________
(١) الأذكار للنووي / ٣٩٦ ط الأولى ودليل الفالحين ٥ / ٣١٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٤١٩.
أَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ. صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: وَهَذَا الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَذَا لَوْ بَلَغَهُ سَلاَمٌ فِي وَرَقَةٍ مِنْ غَائِبٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ بِاللَّفْظِ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا قَرَأَهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَذَا جِبْرِيل يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ (١) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبَلِّغِ أَيْضًا بِأَنْ يَقُول: وَعَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ (٢) .
السَّلاَمُ وَرَدُّهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ:
١٢ - السَّلاَمُ وَرَدُّهُ بِالْعَجَمِيَّةِ كَالسَّلاَمِ وَرَدِّهِ بِالْعَرَبِيَّةِ، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ السَّلاَمِ التَّأْمِينُ وَالدُّعَاءُ بِالسَّلاَمَةِ وَالتَّحِيَّةُ، فَيَحْصُل ذَلِكَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا يَحْصُل بِهَا. وَهَذَا فِي السَّلاَمِ خَارِجَ الصَّلاَةِ، إِذِ السَّلاَمُ فِي الصَّلاَةِ لاَ يُجْزِئُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) حديث: " هذا جبريل يقرأ عليك السلام ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٨ ط. السلفية) ومسلم (٤ / ١٨٩٥ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) روح المعاني ٥ / ١٠٠ - ١٠١ ط المنيرية - القرطبي ٥ / ٣٠٠ - ٣٠١ ط. الأولى، التفسير الكبير للرازي ١٠ / ٢١٣، ٢١٥ ط. الأولى، الأذكار للنووي / ٣٩٥ - ٣٩٦ ط. الأولى.
عَلَى قَوْلٍ. وَلاَ يَكْفِيهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالنِّيَّةِ. فَإِنْ أَتَى بِالسَّلاَمِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَإِنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ أَشْيَاخِهِمُ الصِّحَّةَ قِيَاسًا عَلَى الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. هَذَا وَجَمِيعُ أَذْكَارِ الصَّلاَةِ تَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُطْلَقًا خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي (صَلاَة (١» .
حُكْمُ الْبَدْءِ بِالسَّلاَمِ وَحُكْمُ الرَّدِّ:
١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السَّلاَمَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُونَ جَمَاعَةً بِحَيْثُ يَكْفِي سَلاَمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ سَلَّمُوا كُلُّهُمْ كَانَ أَفْضَل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِالسَّلاَمِ وَاجِبٌ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيل: مَا هُنَّ يَا رَسُول اللَّهِ؟
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٥٠ ط. المصرية - حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١ ط. الفكر، الشرح الصغير ١ / ١٢٥ ط. الثالثة. روضة الطالبين ١ / ١٦٧ - ١٦٩ ط. المكتب الإسلامي، حاشية القليوبي ١ / ١٦٩ ط. حلب، كشاف القناع ١ / ٣٦١ ط. النصر، المغني ١ / ٥٥١ ط. الرياض.
قَال: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ (١) .
١٤ - وَأَمَّا رَدُّ السَّلاَمِ فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ رَدُّ السَّلاَمِ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلُّهُمْ أَثِمُوا كُلُّهُمْ، وَإِنْ رَدُّوا كُلُّهُمْ فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْكَمَال وَالْفَضِيلَةِ، فَلَوْ رَدَّ غَيْرُهُمْ لَمْ يَسْقُطِ الرَّدُّ عَنْهُمْ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى رَدِّ ذَلِكَ الأَْجْنَبِيِّ أَثِمُوا.
هَذَا وَالأَْمْرُ بِالسَّلاَمِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِفِعْل الصَّحَابَةِ، فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣) .
وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَل
_________
(١) حديث: " حق المسلم ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٠٥ - ط الحلبي) .
(٢) سورة النور / ٦١.
(٣) سورة النساء / ٨٦.
النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الإِْسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَال: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ (١) .
وَمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ - نَفَرٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٍ - فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ (٢) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عِمَارَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ (٣) . وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ
_________
(١) حديث: " أي الإسلام خير ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢١ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٦٥ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " خلق الله آدم ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢١٨٣ - ٢١٨٤ ط السلفية) .
(٣) حديث البراء: " أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٣٥ - ط الحلبي) .
يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ (١) .
وَمِنْ فِعْل الصَّحَابَةِ مَا رُوِيَ عَنِ الطُّفَيْل بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ قَال: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى سِقَاطٍ، وَلاَ صَاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلاَ مِسْكِينٍ، وَلاَ أَحَدٍ، إِلاَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَال الطُّفَيْل: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِالسُّوقِ وَأَنْتَ لاَ تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلاَ تَسْأَل عَنِ السِّلَعِ، وَلاَ تَسُومُ بِهَا، وَلاَ تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ وَأَقُول: اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ، فَقَال: يَا أَبْطَنُ - وَكَانَ الطُّفَيْل ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجَل السَّلاَمِ، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَاهُ (٢) .
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِ السَّلاَمِ وَالرَّدِّ خَاصٌّ
_________
(١) حديث: " يجزئ عن الجماعة ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٨٧ - ٣٨٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) وذكر المنذري تضعيف أحد رواته في مختصر السنن (٨ / ٧٨ - نشر دار المعرفة) إلا أن له شواهد تقويه ذكر بعضها الزيلعي في نصب الراية.
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٦٩ ط. الأميرية، مراقي الفلاح ١٠٥، حاشية ابن عابدين ١ / ٢٦٠، حاشية العدوي على الرسالة ٢ / ٤٣٤ - ٤٣٦ - ط المعرفة، حاشية القليوبي ٤ / ٢١٥ - ٢١٦، الأذكار للنووي / ٣٩٤ - ٣٩٥ ط. الأولى، رياض الصالحين / ٣٤٣ - ٣٤٤ ط. دار الكتاب العربي، الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٣٧٤.
بِالْمُسَلِّمِ الَّذِي لَمْ يَنْشَغِل بِالأَْذَانِ أَوِ الصَّلاَةِ أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ بِتَلْبِيَةِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ بِالأَْكْل أَوْ بِالشُّرْبِ، أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ وَغَيْرِهَا، إِذِ السَّلاَمُ عَلَى الْمُنْشَغِل بِمَا ذُكِرَ لَيْسَ كَالسَّلاَمِ عَلَى غَيْرِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَا يَلِي:
أ - السَّلاَمُ عَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ:
١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ رَدِّ السَّلاَمِ مِنَ الْمُؤَذِّنِ الْكَرَاهَةُ؛ لأَِنَّ الْفَصْل بَيْنَ جُمَل الأَْذَانِ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهَةٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفَصْل بِإِشَارَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ، فَلَهُ الرَّدُّ بِالإِْشَارَةِ، وَيُكْرَهُ السَّلاَمُ أَيْضًا عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُلَبِّي بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِنَفْسِ الْعِلَّةِ.
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ السَّلاَمُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ لاِنْشِغَالِهِمْ بِالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسَنُّ السَّلاَمُ عَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، بَل يَجُوزُ بِالْكَلاَمِ وَلاَ يُبْطِل الأَْذَانَ أَوِ الإِْقَامَةَ (١) .
ب - السَّلاَمُ عَلَى الْمُصَلِّي وَرَدُّهُ السَّلاَمَ:
١٦ - السَّلاَمُ عَلَى الْمُصَلِّي سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٦٠ ط. بولاق، جواهر الإكليل ١ / ٣٦ - ٣٧. ط المعرفة تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٧ - ٢٢٨ ط، دار صادر، المغني ٢ / ٦٠ - ٦١ ط. الرياض.
جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ سُئِل أَحْمَدُ عَنِ الرَّجُل يَدْخُل عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ يُصَلُّونَ أَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ؟ قَال: نَعَمْ (١) . وَأَمَّا رَدُّ السَّلاَمِ مِنَ الْمُصَلِّي فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا فِي الْهِدَايَةِ - أَنْ لاَ يَرُدَّ السَّلاَمَ بِلِسَانِهِ؛ لأَِنَّهُ كَلاَمٌ، وَلاَ بِيَدِهِ؛ لأَِنَّهُ سَلاَمٌ مَعْنًى، حَتَّى لَوْ صَافَحَ بِنِيَّةِ التَّسْلِيمِ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ رَدَّ الْمُصَلِّي السَّلاَمَ بِالإِْشَارَةِ مَكْرُوهٌ وَبِالْمُصَافَحَةِ مُفْسِدٌ. ثُمَّ إِنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يَلْزَمُهُ رَدُّ السَّلاَمِ لَفْظًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، بَل يَرُدُّ فِي نَفْسِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ يَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ، إِلاَّ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَال: تَأْوِيلُهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَرُدُّ، لاَ قَبْل الْفَرَاغِ وَلاَ بَعْدَهُ فِي نَفْسِهِ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ بِاللَّفْظِ، فَإِنْ رَدَّ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَل. وَرَدُّهُ بِاللَّفْظِ سَهْوًا يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، بَل يَجِبُ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٥١ ط. المعرفة، المغني ٢ / ٦٠ - ٦١ ط. الرياض كشاف القناع ١ / ٢٤١.
عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ بِالإِْشَارَةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ رَدَّ الْمُصَلِّي السَّلاَمَ بِالْكَلاَمِ عَمْدًا يُبْطِل الصَّلاَةَ.
وَرَدُّ الْمُصَلِّي السَّلاَمَ بِالإِْشَارَةِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا ابْتِدَاءُ الْمُصَلِّي السَّلاَمَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ بِالإِْشَارَةِ بِيَدٍ أَوْ رَأْسٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَطْ، وَلاَ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ لِذَلِكَ (١) .
ج - السَّلاَمُ عَلَى الْمُنْشَغِل بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالأَْكْل، وَعَلَى قَاضِي الْحَاجَةِ وَعَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
١٧ - الأَْوْلَى تَرْكُ السَّلاَمِ عَلَى الْمُنْشَغِل بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنْ سَلَّمَ كَفَاهُ الرَّدُّ بِالإِْشَارَةِ، وَإِنْ رَدَّ بِاللَّفْظِ اسْتَأْنَفَ الاِسْتِعَاذَةَ ثُمَّ يَقْرَأُ، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ لَفْظًا.
وَأَمَّا السَّلاَمُ عَلَى الْمُنْشَغِل بِالذِّكْرِ مِنْ دُعَاءٍ وَتَدَبُّرٍ فَهُوَ كَالسَّلاَمِ عَلَى الْمُنْشَغِل بِالْقِرَاءَةِ،
_________
(١) الهداية وفتح القدير ١ / ١٧٣، ٢٩١ - ٢٩٢ ط. الأميرية، ابن عابدين ١ / ٤١٤ ط. المصرية، جواهر الإكليل ١ / ٦٣ ط. المعرفة، تحفة المحتاج ٩ / ٢٢٨ ط. دار صادر. المغني ٢ / ٦٠ - ٦١ ط. الرياض، كشاف القناع ١ / ٣٩٩.
وَالأَْظْهَرُ كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا بِالدُّعَاءِ مُجْمِعَ الْقَلْبِ عَلَيْهِ فَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ، لِلْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنَ الرَّدِّ، وَاَلَّتِي تَقْطَعُهُ عَنِ الاِسْتِغْرَاقِ بِالدُّعَاءِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ الآْكِل إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ فِي حَال أَكْلِهِ، وَأَمَّا الْمُلَبِّي فِي الإِْحْرَامِ فَيُكْرَهُ السَّلاَمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ.
وَأَمَّا السَّلاَمُ فِي حَال خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَيُكْرَهُ الاِبْتِدَاءُ بِهِ لأَِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالإِْنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، فَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ لِتَقْصِيرِهِ، وَقِيل: إِنْ كَانَ الإِْنْصَاتُ وَاجِبًا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سُنَّةً رَدَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى كُل وَجْهٍ.
وَلاَ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ كَانَ مُنْشَغِلًا بِالأَْكْل وَاللُّقْمَةُ فِي فَمِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ، أَمَّا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَلْعِ أَوْ قَبْل وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فَمِهِ فَلاَ يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ وَيَجِبُ الْجَوَابُ، وَيُسَلِّمُ فِي حَال الْبَيْعِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ وَيَجِبُ الْجَوَابُ.
وَأَمَّا السَّلاَمُ عَلَى قَاضِي الْحَاجَةِ وَنَحْوِهِ كَالْمُجَامِعِ وَعَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ وَالنَّائِمِ وَالْغَائِبِ خَلْفَ جِدَارٍ، فَحُكْمُهُ الْكَرَاهَةُ. وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُول اللَّهِ