الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يَتَنَاوَل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ السُّلاَمَى مُعَبِّرِينَ عَنْهَا بِالأَْنَامِل تَارَةً، وَبِالْمَفَاصِل مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ تَارَةً أُخْرَى، فِي مَبَاحِثِ الْجِنَايَاتِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْقِصَاصِ وَدِيَاتِ الأَْطْرَافِ. وَفِي الْجَنَائِزِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ تَلْيِينِ مَفَاصِل الْمَيِّتِ، وَفِي الْوُضُوءِ، عِنْدَ غَسْل الْمَفَاصِل، وَفِي اسْتِعْمَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِبَيَانِ حُكْمِ اتِّخَاذِ الأَْنَامِل مِنْهُمَا.
سَلاَم
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّلاَمُ - بِفَتْحِ السِّينِ - اسْمُ مَصْدَرِ سَلَّمَ؛ أَيْ: أَلْقَى السَّلاَمَ، وَمِنْ مَعَانِي السَّلاَمِ السَّلاَمَةُ وَالأَْمْنُ وَالتَّحِيَّةُ، وَلِذَلِكَ قِيل لِلْجَنَّةِ: دَارُ السَّلاَمِ لأَِنَّهَا دَارُ السَّلاَمَةِ مِنَ الآْفَاتِ كَالْهَرَمِ وَالأَْسْقَامِ وَالْمَوْتِ. قَال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) .
وَالسَّلاَمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (٢) .
٢ - وَالسَّلاَمُ يُطْلَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أُمُورٍ، مِنْهَا: التَّحِيَّةُ الَّتِي يُحَيِّي بِهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَاَلَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِهَا فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى
_________
(١) سورة الأنعام / ١٢٧.
(٢) اللسان والصحاح والمصباح مادة (سلم) .
(٣) سورة النساء / ٨٦، وتفسير القرطبي ٥ / ٢٩٧ ط الأولى
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيْبَةً﴾ (١) ذَلِكَ أَنَّ لِلْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ تَحِيَّاتٍ خَاصَّةً بِهِمْ، فَلَمَّا جَاءَ الإِْسْلاَمُ دَعَا الْمُؤْمِنِينَ إِلَى التَّحِيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ قَوْل: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ)، وَقَصَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمْ بِإِفْشَائِهِ.
وَالسَّلاَمُ أَيْضًا تَحِيَّةُ أَهْل الْجَنَّةِ. قَال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُل بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَّرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢) .
وَقَدِ اخْتِيرَ هَذَا اللَّفْظُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِالسَّلاَمَةِ مِنَ الآْفَاتِ فِي الدِّينِ وَالنَّفْسِ؛ وَلأَِنَّ فِي تَحِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِهَذَا اللَّفْظِ عَهْدًا بَيْنَهُمْ عَلَى صِيَانَةِ دِمَائِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّحِيَّةُ:
٣ - التَّحِيَّةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ حَيَّاهُ يُحَيِّيهِ تَحِيَّةً، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ بِالْحَيَاةِ، وَمِنْهُ
_________
(١) سورة النور / ٦١، وتفسير القرطبي ١٢ / ٣١٨ ط الأولى، روح المعاني ١٨ / ٢٢٢ ط المنيرية.
(٢) سورة الرعد / ٢٣ - ٢٤.
(٣) لسان العرب والمصباح مادة (سلم) .
(التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) (١) . أَيْ: الْبَقَاءُ، وَقِيل: الْمُلْكُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِل فِي مَا يُحَيَّا بِهِ مِنْ سَلاَمٍ وَنَحْوِهِ (٢) . فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ السَّلاَمِ فَتَشْمَل السَّلاَمَ وَالتَّقْبِيل وَالْمُصَافَحَةَ وَالْمُعَانَقَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
ب - التَّقْبِيل:
٤ - التَّقْبِيل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ قَبَّل، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْقُبْلَةُ، وَالْجَمْعُ الْقُبَل (٣) . وَالتَّقْبِيل صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ التَّحِيَّةِ.
ج - الْمُصَافَحَةُ:
٥ - الْمُصَافَحَةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ: الإِْفْضَاءُ بِالْيَدِ إِلَى الْيَدِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْمُصَافَحَةَ إِلْصَاقُ صَفْحَةِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ، وَإِقْبَال الْوَجْهِ بِالْوَجْهِ. فَأَخْذُ الأَْصَابِعِ لَيْسَ بِمُصَافَحَةٍ، خِلاَفًا لِلرَّوَافِضِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ بِكِلْتَا يَدَيْهِ بِغَيْرِ حَائِلٍ، مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ اللِّقَاءِ وَبَعْدَ السَّلاَمِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الإِْبْهَامَ، فَإِنَّ فِيهِ عِرْقًا يُنْبِتُ الْمَحَبَّةَ، وَقَدْ تَحْرُمُ كَمُصَافَحَةِ الأَْمْرَدِ. وَقَدْ تُكْرَهُ كَمُصَافَحَةِ ذِي عَاهَةٍ، مِنْ بَرَصٍ وَجُذَامٍ،
_________
(١) حديث: " التحيات لله ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣١١ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٠١ - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود.
(٢) اللسان والمصباح مادة (حيا)، تفسير القرطبي ٥ / ٢٩٧ - ٢٩٨ ط الأولى.
(٣) المصباح واللسان وتاج العروس مادة (قبل) .
وَتُسَنُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ خُصُوصًا لِنَحْوِ قُدُومِ سَفَرٍ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مُصَافَحَة) .
د - الْمُعَانَقَةُ:
٦ - الْمُعَانَقَةُ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ وَالاِلْتِزَامُ وَاعْتَنَقْتُ الأَْمْرَ: أَخَذْتُهُ بِجَدٍّ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي أَنَّ الْمُعَانَقَةَ هِيَ جَعْل الرَّجُل عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِ صَاحِبِهِ.
وَقَدْ كَرِهَهَا مَالِكٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لأَِنَّهَا مِنْ فِعْل الأَْعَاجِمِ.
قَال الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهَا إِلاَّ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَل مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، كَالْحَنَابِلَةِ فَقَالُوا بِجَوَازِهَا، فَفِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ إِبَاحَةُ الْمُعَانَقَةِ. وَمِثْلُهَا تَقْبِيل الْيَدِ وَالرَّأْسِ تَدَيُّنًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ؛
_________
(١) المصباح مادة (صفح)، وابن عابدين ٥ / ٢٤٢ المصرية، الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٤ ط حلب، حاشية القليوبي ٣ / ٢١٣ ط حلب.
لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَانَقَهُ (١) . قَال إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُل يَلْقَى الرَّجُل، يُعَانِقُهُ؟ قَال: نَعَمْ فَعَلَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ.
وَمُعَانَقَةُ الأَْجْنَبِيَّةِ وَالأَْمْرَدِ حَرَامٌ، كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُعَانَقَةُ الرَّجُل زَوْجَتَهُ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّوْمِ، وَكَذَا مُعَانَقَةُ ذَوِي الْعَاهَاتِ مِنْ بَرَصٍ وَجُذَامٍ؛ أَيْ: مَكْرُوهَةٌ. وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، كَمُعَانَقَةِ الرَّجُل لِلرَّجُل فَهِيَ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ خَاصَّةً عِنْدَ الْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحِ (مُعَانَقَة) .
صِيغَةُ السَّلاَمِ وَصِيغَةُ الرَّدِّ:
٧ - صِيغَةُ السَّلاَمِ وَصِفَتُهُ الْكَامِلَةُ أَنْ يَقُول الْمُسْلِمُ: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ " بِالتَّعْرِيفِ وَبِالْجَمْعِ. سَوَاءٌ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا
_________
(١) حديث: أن النبي ﷺ عانق أبا ذر أخرجه أبو داود (٥ / ٣٨٩ - ٣٩٠ تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله ابن مفلح بجهالة الراوي عن أبي ذر، كذا في الآداب الشرعية (٢ / ٢٧٥ - ط المنار) .
(٢) المصباح مادة (عنق)، ابن عابدين ٢ / ٢٨٢ - ٢٨٣، ٥ / ٢٤٤ ط المصرية، الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٥ ط حلب، حاشية عميرة ٢ / ٥٨ ط حلب، حاشية القليوبي ٣ / ٢١٣ ط حلب، الآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٢٧٠، ٢٧٢ ط الرياض.
أَوْ جَمَاعَةً؛ لأَِنَّ الْوَاحِدَ مَعَهُ الْحَفَظَةُ كَالْجَمْعِ مِنَ الآْدَمِيِّينَ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ هِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَقُول: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، بِالتَّنْكِيرِ، إِلاَّ أَنَّ التَّعْرِيفَ أَفْضَل؛ لأَِنَّهُ تَحِيَّةُ أَهْل الدُّنْيَا. فَأَمَّا " سَلاَمٌ " بِالتَّنْكِيرِ فَتَحِيَّةُ أَهْل الْجَنَّةِ. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١) .
٨ - وَالأَْكْمَل أَنْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، بِتَأْخِيرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، فَلَوْ قَال: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، أَوْ: عَلَيْكَ السَّلاَمُ، كَانَ مُخَالِفًا لِلأَْكْمَل؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَال: لَقِيتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال: لاَ تَقُل عَلَيْكَ السَّلاَمُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ وَلَكِنْ قُل: السَّلاَمُ عَلَيْكَ (٢) قَال الْقُرْطُبِيُّ: لَمَّا جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِتَقْدِيمِ اسْمِ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ فِي الشَّرِّ كَقَوْلِهِمْ (عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَغَضَبُ اللَّهِ) نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، لاَ أَنَّ ذَاكَ هُوَ اللَّفْظُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ الْمَوْتَى؛ لأَِنَّهُ ﵇ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى الْمَوْتَى، كَمَا سَلَّمَ عَلَى الأَْحْيَاءِ فَقَال
_________
(١) سورة الرعد / ٢٤.
(٢) حديث: " لا تقل عليك السلام ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٤٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن سليم، وأخرجه كذلك الترمذي (٥ / ٧٢ - ط الحلبي) وقال: / " حديث صحيح ".
: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ.
وَهَذَا لَيْسَ عَلَى سَبِيل التَّحْرِيمِ، بَل هُوَ خِلاَفُ الأَْكْمَل أَوْ مَكْرُوهٌ كَمَا قَال الْغَزَالِيُّ. وَعَلَى كُل حَالٍ فَيَجِبُ رَدُّ السَّلاَمِ (١) .
ثُمَّ إِنَّ أَكْثَرَ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى الْبَرَكَةِ فَتَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَال عُرْوَةُ: مَا تَرَكَ لَنَا فَضْلًا، إِنَّ السَّلاَمَ قَدِ انْتَهَى إِلَى: وَبَرَكَاتُهُ. وَذَلِكَ كَمَا فِي رُوحُ الْمَعَانِي؛ لاِنْتِظَامِ تِلْكَ التَّحِيَّةِ لِجَمِيعِ فُنُونِ الْمَطَالِبِ الَّتِي هِيَ السَّلاَمَةُ عَنِ الْمَضَارِّ، وَنَيْل الْمَنَافِعِ وَدَوَامُهَا وَنَمَاؤُهَا.
وَقِيل: يَزِيدُ الْمُحَيَّى إِذَا جَمَعَ الْمُحَيِّي الثَّلاَثَةَ لَهُ وَهِيَ السَّلاَمُ وَالرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ جَمِيعًا قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَلَّمَ
_________
(١) حاشية العدوي على الرسالة ٢ / ٤٣٥ ط المعرفة، القرطبي ٥ / ٣٠٠ - ٣٠١ ط الأولى، الأذكار للنووي ٣٩٠ ط الأولى، والفتوحات الربانية شرح الأذكار ٥ / ٣٢٢ والحديث: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " أخرجه مسلم (١ / ٢١٨ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
عَلَيْهِ فَرَدَّ زَادَ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقُلْتُ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ، فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ وَطَيِّبُ صَلَوَاتِهِ. وَلاَ يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ لِلزِّيَادَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ زِيَادَةُ: وَمَغْفِرَتُهُ (١) .
صِيغَةُ رَدِّ السَّلاَمِ:
٩ - صِيغَةُ الرَّدِّ أَنْ يَقُول الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ (وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ) بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ وَبِالْوَاوِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقُول: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ. بِتَنْكِيرِ السَّلاَمِ وَتَقْدِيمِهِ، وَبِدُونِ وَاوٍ، لَكِنِ الأَْفْضَل بِالْوَاوِ لِصَيْرُورَةِ الْكَلاَمِ بِهَا جُمْلَتَيْنِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: عَلَيَّ السَّلاَمُ وَعَلَيْكُمْ، فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلِّمًا عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ: الأُْولَى مِنَ الْمُبْتَدِئِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ نَفْسِ الرَّادِّ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَرَكَ الْوَاوَ، فَإِنَّ الْكَلاَمَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ جُمْلَةً وَاحِدَةً تَخُصُّ الْمُسَلِّمَ وَحْدَهُ.
وَالأَْصْل فِي صِيغَةِ الرَّدِّ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْبَرَكَةِ فَتَقُول: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَإِذَا قَال الْمُسَلِّمُ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً، فَلَوِ اقْتَصَرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى لَفْظِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، كَانَتْ
_________
(١) روح المعاني ٥ / ٩٩ ط المنيرية.
الزِّيَادَةُ مُسْتَحَبَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) .
السَّلاَمُ أَوْ رَدُّهُ بِالإِْشَارَةِ:
١٠ - يُكْرَهُ السَّلاَمُ أَوْ رَدُّهُ بِالإِْشَارَةِ بِالرَّدِّ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ بِغَيْرِ نُطْقٍ بِالسَّلاَمِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَقُرْبِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَل أَهْل الْكِتَابِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلاَ بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإِْشَارَةُ بِالأَْصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِْشَارَةُ بِالأَْكُفِّ (٢) . فَإِنْ كَانَتِ الإِْشَارَةُ مَقْرُونَةً بِالنُّطْقِ، بِحَيْثُ وَقَعَ التَّسْلِيمُ أَوِ الرَّدُّ بِاللِّسَانِ مَعَ الإِْشَارَةِ، أَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ بَعِيدًا عَنِ الْمُسَلِّمِ، بِحَيْثُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَهُ فَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِالسَّلاَمِ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ، فَلاَ كَرَاهَةَ (٣) .
_________
(١) سورة النساء / ٨٦ - وانظر روح المعاني ٥ / ٩٩ ط المنيرية، القرطبي ٥ / ٢٩٩ ط الأولى، العدوي على الرسالة ٢ / ٤٣٥ ط المعرفة، الأذكار للنووي / ٣٩١ - ٣٩٢ ط الأولى.
(٢) حديث: " ليس منا من تشبه بغيرنا ". أخرجه الترمذي (٥ / ٥٦ - ٥٧ ط الحلبي) .
(٣) الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٢ - ٤٢٣ ط حلب، الأذكار للنووي / ٣٩٣ - ٣٩٤ ط الأولى.