الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (١) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالسَّلاَمُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ رُكْنًا بَل هُوَ وَاجِبٌ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ صَلاَتَهُ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لأَمَرَ بِهِ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. فَالْخُرُوجُ مِنَ الصَّلاَةِ عِنْدَهُمْ يَكُونُ بِالسَّلاَمِ، وَيَكُونُ بِغَيْرِهِ مِنْ كُل عَمَلٍ أَوْ قَوْلٍ مُنَافٍ لِلصَّلاَةِ. وَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى سَلاَمٍ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (تَسْلِيم) .
هَذَا وَالسَّلاَمُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ صَلاَةِ
_________
(١) حديث: " مفتاح الصلاة الطهور. . . . ". أخرجه الترمذي (١ / ٩ - ط. الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وإسناده حسن.
(٢) ابن عابدين ١ / ٣١٤ - ٣١٥ ط. المصرية، فتح القدير ١ / ٢٢٥ - ٢٢٦ ط. الأولى، الاختيار ١ / ٥٤ ط. الثالثة، تبيين الحقائق ١ / ١٢٥ - ١٢٦ ط. الأولى بولاق، الفتاوى الهندية ١ / ٧٦ - ٧٧ ط. الثانية بولاق، جواهر الإكليل ١ / ٤٨ - ٤٩ ط. المعرفة، حاشية الدسوقي ١ / ٢٤٠ - ٢٤١ ط الفكر، حاشية العدوي على الرسالة ١ / ٢٤٥ - ٢٤٧ ط المعرفة، شرح الزرقاني ١ / ٢٠٢ ط. الفكر، الخرشي ١ / ٢٧٣ - ٢٧٤ ط. بولاق. حاشية القليوبي ١ / ١٦٩ - ١٧٠ ط حلب، الروضة ١ / ٢٦٧ - ٢٦٩ ط. المكتب الإسلامي، المهذب للشيرازي ٢ / ٨٧ ط. الثانية - نهاية المحتاج ١ / ٥١٤ - ٥١٥ ط. المكتبة الإسلامية، المجموع ٣ / ٤٧٣ - ٤٨٤ ط. السلفية، كشاف القناع ١ / ٣٦١ ط. النصر، الإنصاف ٢ / ٨٢ - ٨٣ ط. الثانية، المغني ١ / ٥٥١ - ٥٥٢ ط. الرياض.
الْجِنَازَةِ يَكُونُ بَعْدَ آخِرِ تَكْبِيرَةٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي (صَلاَة الْجِنَازَةِ (١»
_________
(١) تبيين الحقائق ١ / ٢٤١ ط. الأميرية، ابن عابدين ١ / ٥٨٥ ط. المصرية، الاختيار ١ / ٩٥ ط. المعرفة، جواهر الإكليل ١ / ١٠٨ ط المعرفة، حاشية الدسوقي ١ / ٤١٣ ط. الفكر، الخرشي ٢ / ١١٧ - ١١٩ ط. بولاق، حاشية العدوي على الرسالة ١ / ٣٧٥ ط. الفكر، حاشية القليوبي ١ / ٣٣١ ط. حلب، المهذب ١ / ١٤١ ط حلب، روضة الطالبين ٢ / ١٢٧ ط. المكتب الإسلامي، نهاية المحتاج ٢ / ٤٦٣ - ٦٦٤ ط. المكتبة الإسلامية، كشاف القناع ٢ / ١١٦ ط. النصر، الإنصاف ٢ / ٥٢٣ ط. التراث، المغني ٢ / ٤٩١ - ٤٩٢ ط. الرياض.
سَلَبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّلَبُ مَا يَأْخُذُهُ أَحَدُ الْقِرْنَيْنِ فِي الْحَرْبِ مِنْ قِرْنِهِ، مِمَّا يَكُونُ عَلَيْهِ وَمَعَهُ مِنْ ثِيَابٍ وَسِلاَحٍ وَدَابَّةٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ أَيْ: مَسْلُوبٍ.
وَيُقَال: أَخَذَ سَلَبَ الْقَتِيل وَأَسْلاَبَ الْقَتْلَى.
وَالْمَصْدَرُ السَّلْبُ، وَمَعْنَاهُ: الاِنْتِزَاعُ قَهْرًا. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّضْخُ:
٢ - الرَّضْخُ لُغَةً: هُوَ الْعَطَاءُ الْقَلِيل. وَيُقَال: رَضَخْتُ لَهُ رَضَخًا؛ أَيْ أَعْطَيْتُهُ شَيْئًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ.
وَشَرْعًا: هُوَ مَالٌ يُعْطِيهِ الإِْمَامُ مِنَ
_________
(١) لسان العرب، وأساس البلاغة، المغرب في ترتيب المعرب، المعجم الوسيط، مادة: سلب.
الْخُمُسِ، كَالنَّفْل، مَتْرُوكٌ قَدْرُهُ لاِجْتِهَادِهِ. وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ شَيْءٌ دُونَ سَهْمِ الرَّاجِل، يَجْتَهِدُ الإِْمَامُ فِي قَدْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الأَْرْبَاعِ الْخَمْسَةِ، وَقِيل: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ (١) .
ب - الْغَنِيمَةُ:
٣ - الْغَنِيمَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، مِنَ الْغُنْمِ، وَهُوَ لُغَةً: الرِّبْحُ وَالْفَضْل، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا فَائِدَةٌ مَحْضَةٌ.
وَشَرْعًا: مَالٌ حَصَل لَنَا مِنْ كُفَّارٍ أَصْلِيِّينَ حَرْبِيِّينَ بِقِتَالٍ مِنَّا، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ إِيجَافِ خَيْلٍ وَنَحْوِهِ. زَادَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ إِعْلاَءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَيَدْخُل فِيهِ السَّلَبُ وَالرَّضْخُ وَالنَّفَل (٢) .
ج - الأَْنْفَال:
٤ - الأَْنْفَال: هِيَ أَمْوَال الْحَرْبِيِّينَ الَّتِي آلَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ، كَالْغَنِيمَةِ أَوْ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالْفَيْءِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى السَّهْمِ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: رضخ: ابن عابدين ٣ / ٢٣٥، الفواكه الدواني ١ / ١٧٢، مغني المحتاج ٣ / ١٠٥، التعريفات للجرجاني.
(٢) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط مادة (غنم)، المغني لابن قدامة ٦ / ٤٠٢، مغني المحتاج ٣ / ٩٩، ابن عابدين ٣ / ٢٢٨، التعريفات للجرجاني.
لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ مَا يُجْعَل لِمَنْ عَمِل عَمَلًا زَائِدًا فِي الْحَرْبِ ذَا أَثَرٍ وَنَفْعٍ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمْ: الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَل أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَعْرَكَةِ مُقْبِلًا عَلَى الْقِتَال فَلَهُ سَلَبُهُ، قَال ذَلِكَ الإِْمَامُ أَوْ لَمْ يَقُل؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَتَل كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ (٢) . وَلِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: " اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي رَجُلًا شَدِيدًا، إِلَى أَنْ قَال: حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ إِذَا اشْتَرَطَ لَهُ الإِْمَامُ ذَلِكَ. كَأَنْ يَقُول قَبْل إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، وَقَبْل أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا: مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. وَإِلاَّ كَانَ السَّلَبُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَقَال الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَمْرُ السَّلَبِ مَوْكُولٌ لِلإِْمَامِ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُمْ فَقَتَل عِلْجًا، فَأَخَذَ خَالِدٌ بَعْضَ سَلَبِهِ، وَأَعْطَاهُ بَعْضَهُ
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٨٦، وغريب القرآن للأصفهاني
(٢) حديث: " من قتل كافرا فله سلبه ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٦٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٣ / ٣٥٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أنس بن مالك. وصححه ووافقه الذهبي.
فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لاَ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ يَا خَالِدُ (١) وَلِمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ قَتْل أَبِي جَهْلٍ، حَيْثُ أَعْطَى سَلَبُهُ لِمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ مَعَ قَوْلِهِ: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ (٢) . .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ أَنْ يَقُول لَهُ الإِْمَامُ ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُول الإِْمَامُ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، حَتَّى لاَ يُشَوِّشَ نِيَّتَهُ، وَلاَ يَصْرِفَهَا لِقِتَال الدُّنْيَا؛ لأَِنَّ السَّلَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ النَّفْل فَيُعْطِيهِ الإِْمَامُ لِلْمَصْلَحَةِ حَسَبَ اجْتِهَادِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ شُبَّرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَال: بَارَزْتُ رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَقَتَلْتُهُ، وَأَخَذْتُ سَلَبَهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ سَعْدًا، فَخَطَبَ سَعْدٌ أَصْحَابَهُ وَقَال: إِنَّ هَذَا سَلَبُ شُبَّرٍ خَيْرٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِنَّا قَدْ نَفَّلْنَاهُ إِيَّاهُ (٣) .
_________
(١) حديث عوف بن مالك أخرجه أحمد (٦ / ٢٦ - ط الميمنية) أصله في مسلم (٣ / ١٣٧٣ - ط الحلبي) .
(٢) قصة قتل أبي جهل: أخرجها البخاري (الفتح ٦ / ٢٤٦ - ٢٤٧ - ط. السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٧٢ - ط الحلبي) من حديث عبد الرحمن بن عوف.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٨، حاشية العدوي ٢ / ١٤، الشرح الصغير ٢ / ١٧٦، القوانين الفقهية ص ٩٩، روضة الطالبين ٦ / ٣٧٢، مغني المحتاج ٣ / ٩٩، المغني لابن قدامة ٨ / ٣٩٢، سبل السلام ٤ / ٥٢، المهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٣٨.
مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ:؟
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ السَّلَبَ لِكُل قَاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ أَوِ الرَّضْخَ كَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَالتَّاجِرِ، وَالذِّمِّيِّ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ (١) وَلِمَا رَوَاهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِل (٢) . وَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَسْتَثْنُونَ الذِّمِّيَّ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ وَإِنْ حَضَرَ الْقِتَال بِإِذْنِ الإِْمَامِ، أَمَّا إِذَا حَضَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِاتِّفَاقٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالذِّمِّيَّ وَالصَّبِيَّ وَكُل مَنْ لاَ يُسْهَمُ لَهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ. هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
_________
(١) حديث: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٢٤٧ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٧١ ط. الحلبي) .
(٢) حديث: أن رسول الله صلى الله عليه سلم قضى بالسلب للقاتل. أخرجه أبو داود (٣ / ١٦٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد، وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٠٥ - ط شركة الطباعة الفنية) وهو ثابت في صحيح مسلم من حديث طويل، وهو في صحيح مسلم (٣ / ١٣٧٣ - ط الحلبي) .
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا أَجَازَ الإِْمَامُ لَهُمْ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ بِدُخُول الْكُفَّارِ إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَأْخُذُونَ السَّلَبَ عِنْدَ ذَلِكَ. أَمَّا الَّذِي لاَ يَسْتَحِقُّ سَهْمًا وَلاَ رَضْخًا كَالْمُرْجِفِ وَالْمُخَذِّل وَالْخَائِنِ وَالْمُعِينِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) .
٧ - وَمِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ أَنْ يُغَرِّرَ الْقَاتِل بِنَفْسِهِ فِي قَتْل الْكَافِرِ؛ أَيْ يُخَاطِرَ بِحَيَاتِهِ وَيُوَاجِهَ احْتِمَال الْمَوْتِ، فَإِنْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ حِصْنٍ يَتَحَصَّنُ فِيهِ فَلاَ سَلَبَ لَهُ.
وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَتْل الْكَافِرِ حَال الْحَرْبِ، فَالسَّلَبُ لَهُمْ جَمِيعًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ حَيْثُ يَتَنَاوَل الْوَاحِدَ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةَ؛ وَلأَِنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي السَّبَبِ - وَهُوَ الْقَتْل - فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي السَّلَبِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ لاَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٩، سبل السلام ٤ / ٥٢، الخرشي ٣ / ١٣٠، الشرح الصغير ٢ / ١٧٧، جواهر الإكليل ١ / ٢٦١، مغني المحتاج ٣ / ٩٩، روضة الطالبين ٦ / ٣٧٤، المغني لابن قدامة ٨ / ٣٨٧، حاشية العدوي ٢ / ١٤، فتح القدير ٥ / ٢٤٩، كشاف القناع ٣ / ٧١.
يُرْجَى نَجَاتُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَخْتَصَّ قَاتِلُهُ بِسَلَبِهِ لأَِنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ بِنَفْسِهِ، وَلأَِنَّ شَرَّ الْكَافِرِ زَال بِالْوُقُوعِ بَيْنَهُمْ. وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَوْ حَمَل جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَتَلُوهُ فَسَلَبُهُ لَيْسَ لَهُمْ. بَل يَكُونُ غَنِيمَةً؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُغَرِّرُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي قَتْلِهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَبْلَغَ فِي قَتْلِهِ مِنَ الآْخَرِ؛ لأَِنَّ السَّلَبَ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمُخَاطَرَةِ فِي قَتْلِهِ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ بِقَتْل الاِثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ السَّلَبُ. قَالُوا: وَلأَِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَكَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سَلَبٍ، وَلأَِنَّ أَبَا جَهْلٍ ضَرَبَهُ مُعَاذُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ﵁ وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ ﵁ وَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ فَقَال: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ الْجَمُوحِ (١) .
٨ - وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُول الَّذِي يَأْخُذُ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ شَرْعًا، أَمَّا إِذَا قَتَل امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ رَاهِبًا مُنْعَزِلًا فِي صَوْمَعَتِهِ أَوْ نَحْوَهُمْ مِمَّنْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِمْ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ قَاتِلُهُ السَّلَبَ مَا لَمْ يَشْتَرِكْ فِي الْقِتَال. فَإِنِ اشْتَرَكَ أَحَدٌ مِنْ
_________
(١) سبق تخريجه ف٥.
هَؤُلاَءِ فِي الْقِتَال اسْتَحَقَّ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ، لِجَوَازِ قَتْلِهِ حِينَئِذٍ.
٩ - وَمِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُثْخِنَهُ بِجِرَاحٍ تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الْمَقْتُول، بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ وَأَزَال امْتِنَاعَهُ كُلِّيًّا؛ كَأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يُعْمِيَ بَصَرَهُ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدًا وَرِجْلًا لِضَعْفِ حَرَكَتِهِ فِي الْقَطْعِ؛ وَلأَِنَّ الأَْسْرَ أَبْلَغُ فِي الْقَهْرِ وَأَصْعَبُ مِنَ الْقَتْل؛ وَلأَِنَّ الإِْمَامَ يَتَخَيَّرُ فِي الأَْسِيرِ بَيْنَ الْقَتْل وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَنَحْوِهَا.
قَال مَكْحُولٌ: لاَ يَكُونُ السَّلَبُ إِلاَّ لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا (١) أَوْ قَتَلَهُ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَسَرَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ الإِْمَامُ صَبْرًا فَسَلَبُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَإِنِ اسْتَبَقَاهُ الإِْمَامُ كَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ أَوْ رَقَبَتُهُ وَسَلَبُهُ لأَِنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ بَيْنِهِمُ السُّبْكِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ الْقَاتِل لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ (٢) وَلأَِنَّ غَيْرَ الْقَتْل لاَ يُزِيل الاِمْتِنَاعَ،
_________
(١) الرجل الضخم من كفار العجم.
(٢) سبق تخريجه ف٥.