الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
خَلْطُ الْخَمْرِ بِغَيْرِهَا
١٤ - إِنْ ثَرَدَ فِي الْخَمْرِ أَوِ اصْطَبَغَ بِهِ (أَيِ ائْتَدَمَ) أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَل مِنْ مَرَقَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَوْجُودَةٌ. وَكَذَلِكَ إِنْ لَتَّ بِهِ سَوِيقًا فَأَكَلَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَإِنْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا ثُمَّ خَبَزَهُ فَأَكَلَهُ لَمْ يُحَدَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَثَرُهُ (١) .
وَإِنِ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ لَمْ يُحَدَّ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُرْبٍ وَلاَ أَكْلٍ وَلأَِنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى حَلْقِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ (٢) وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى مَنِ احْتَقَنَ بِهِ الْحَدَّ، لأَِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَوْفِهِ، وَالأَْوَّل أَوْلَى عِنْدَهُمْ كَمَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ، وَرَجَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ الثَّانِيَ (٣) .
وَإِنِ اسْتَعَطَ بِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. نَصَّ عَلَى
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ١٨٨، المغني لابن قدامة ٨ / ٣٠٦، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٦، الإقناع ٤ / ٢٦٧، المحرر في الفقه ص ١٦٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٢، مغني المحتاج ٤ / ١٨٨، المغني ٨ / ٣٠٦، المبسوط ٢٤ / ٣٥.
(٣) المغني لابن قدامة ٨ / ٣٠٧، كشاف القناع ٦ / ١٩٨، المحرر في الفقه ص ١٦٣.
ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اكْتَحَل بِهَا أَوِ اقْتَطَرَهَا فِي أُذُنِهِ أَوْ دَاوَى بِهَا جَائِفَةً أَوْ آمَّةً فَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ، لأَِنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ يَعْتَمِدُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَهُوَ بِهَذِهِ الأَْفْعَال لاَ يَصِيرُ شَارِبًا، وَلَيْسَ فِي طَبْعِهِ مَا يَدْعُوهُ إِلَى هَذِهِ الأَْفْعَال لِتَقَعَ الْحَاجَةُ إِلَى شَرْعِ الزَّجْرِ عَنْهُ (٢) .
وَلَوْ خُلِطَتْ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ غَالِبَةً حُدَّ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا لاَ يُحَدُّ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ يُحَدُّ إِذَا كَانَا سَوَاءً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ خَلَطَ الْمُسْكِرَ بِمَاءٍ فَاسْتُهْلِكَ الْمُسْكِرُ فِيهِ فَشَرِبَهُ لَمْ يُحَدَّ.
وَقَالُوا: إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لِعَطَشٍ وَكَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِ الْعَطَشِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَإِنْ شَرِبَهَا مَمْزُوجَةً
_________
(١) المغني ٨ / ٣٠٧، الإقناع ٤ / ٢٦٧.
(٢) المبسوط ٢٤ / ٣٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٨، البدائع ٧ / ٤٠.
بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لاَ يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ تُبَحْ لِعَدَمِ حُصُول الْمَقْصُودِ بِهَا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ (١) .
وَلَوْ عَجَنَ دَوَاءً بِخَمْرٍ أَوْ لَتَّهُ أَوْ جَعَلَهَا أَحَدَ أَخْلاَطِ الدَّوَاءِ ثُمَّ شَرِبَهَا وَالدَّوَاءُ هُوَ الْغَالِبُ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ هِيَ الْغَالِبَةَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
لأَِنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِالْغَالِبِ إِذَا كَانَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ (٢) .
قَدْرُ حَدِّ السُّكْرِ وَحَدِّ الشُّرْبِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مُطْلَقًا؛ أَيْ سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَا شَرِبَهُ مِنْهَا قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، (٣) وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ
_________
(١) كشاف القناع ٦ / ١١٧ - ١١٨.
(٢) المبسوط ٢٤ / ٣٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤١، البدائع ٧ / ٥٧، المبسوط ٢٤ / ٣٠، فتح القدير ٥ / ٣١٠، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٣، شرح منح الجليل ٤ / ٥٥، بداية المجتهد ٢ / ٤٧٧، المغني لابن قدامة ٨ / ٣٠٧، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٦، المحرر في الفقه ص ١٦٣، الإقناع ٤ / ٢٦٧.
عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لاَ فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَال فِي الْمَشُورَةِ: إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ (٢) إِلَى أَنَّ قَدْرَ الْحَدِّ أَرْبَعُونَ فَقَطْ، وَلَوْ رَأَى الإِْمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الأَْرْبَعِينَ تَكُونُ تَعْزِيرَاتٍ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ ثُمَّ قَال: جَلَدَ النَّبِيُّ
_________
(١) أثر علي: إذا سكر هذي. . . أخرجه الدارقطني (٣ / ١٥٧ - ط دار المحاسن)، وأشار ابن حجر إلى الشك في ثبوته عن علي، كذا في التلخيص الحبير (٤ / ٧٥ - ٧٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٨٩، نهاية المحتاج ٨ / ١٤، حاشية الجمل ٥ / ١٦٠، المغني ٨ / ٣٠٧، المحرر في الفقه ص ١٦٣، بداية المجتهد ٢ / ٤٧٧.
﵌ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ (١) .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَال: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَال: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ (٢) .
قَالُوا: وَفِعْل النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْل غَيْرِهِ وَلاَ يَنْعَقِدُ الإِْجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْل النَّبِيِّ ﵌ وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ ﵄، فَتُحْمَل الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا إِذَا رَأَى الإِْمَامُ ذَلِكَ.
شُرْبُ الْمُسْكِرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ:
١٦ - إِذَا شَرِبَ إِنْسَانٌ مُسْكِرًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ وَيُعَزَّرُ بِعِشْرِينَ سَوْطًا لإِفْطَارِهِ فِي
_________
(١) حديث: أن عليا جلد الوليد بن عقبة. أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣٢ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال. أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣١ - ط الحلبي) .
شَهْرِ رَمَضَانَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَذَلِكَ لأَِنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ مُلْزِمٌ لِلْحَدِّ، وَهَتْكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ وَالصَّوْمِ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ وَلَكِنَّ الْحَدَّ أَقْوَى مِنَ التَّعْزِيرِ فَيُبْتَدَأُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ثُمَّ لاَ يُوَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْزِيرِ لِكَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى الإِْتْلاَفِ.
وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الْحَارِثِيِّ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَحَدَّهُ ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَخْرَجَهُ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ سَوْطًا وَقَال: هَذَا لِجَرَاءَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (٢) .
شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَدِّ:
يُشْتَرَطُ لإِيجَابِ الْحَدِّ مَا يَلِي:
١٧ - أَوَّلًا: التَّكْلِيفُ وَهُوَ هُنَا الْعَقْل وَالْبُلُوغُ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ بِاتِّفَاقٍ (٣)؛ لأَِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً، وَفِعْل الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لاَ يُوصَفُ بِالْجِنَايَةِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا.
_________
(١) المبسوط ٢٤ / ٣٢ - ٣٣، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٨.
(٢) المبسوط ٢٤ / ٣٣.
(٣) البدائع ٧ / ٣٩، ابن عابدين ٤ / ٣٧، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٢، شرح منح الجليل ٤ / ٥٤٩، مغني المحتاج ٤ / ١٨٧، نهاية المحتاج ٨ / ١٢، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٦، الإقناع ٤ / ٢٦٧.
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يُؤَدَّبُ لِلزَّجْرِ.
١٨ - ثَانِيًا: الإِْسْلاَمُ (١): فَلاَ حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالشُّرْبِ وَلاَ بِالسُّكْرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لأَِهْل الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلاَ يَكُونُ جِنَايَةً، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنَّنَا نُهِينَا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لأَِنَّنَا نَمْنَعُهُمْ مِنَ الشُّرْبِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إِذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لأَِجْل السُّكْرِ لاَ لأَِجْل الشُّرْبِ لأَِنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الأَْدْيَانِ كُلِّهَا. قَال الْكَاسَانِيُّ: وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ (٣) .
وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: " إِنْ سَكِرَ الذِّمِّيُّ مِنَ الْحَرَامِ حُدَّ فِي الأَْصَحِّ لِحُرْمَةِ السُّكْرِ فِي كُل مِلَّةٍ " وَجَاءَ بِهَا أَيْضًا قَوْلُهُ: حُدَّ فِي الأَْصَحِّ أَفْتَى بِهِ الْحَسَنُ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٩، ابن عابدين ٤ / ٣٧، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٢، شرح منح الجليل ٤ / ٥٤٩، مغني المحتاج ٤ / ١٨٧، نهاية المحتاج ٨ / ١٢، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٦، المحرر في الفقه ص ١٦٣، الإقناع ٤ / ٢٦٧.
(٢) البدائع ٧ / ٣٩، المبسوط ٢٤ / ٣١.
(٣) البدائع ٧ / ٤٠.
الْمَشَايِخِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ (١)
وَقَال الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلاَ يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِشُرْبِهِ وَإِنْ سَكِرَ، وَعَنْهُ: يُحَدُّ، وَعِنْدِي: إِنْ سَكِرَ حُدَّ وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ يُؤَدَّبُ بِالشُّرْبِ إِنْ أَظْهَرَهُ (٣) .
١٩ - ثَالِثًا: عَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، بِأَنْ يَشْرَبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهَا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٤) . فَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا وَذَلِكَ لِقَوْل الرَّسُول: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٥) وَلأَِنَّ الْحَدَّ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٧.
(٢) المحرر ص ١٦٣.
(٣) الدسوقي ٤ / ٣٥٢، منح الجليل ٤ / ٥٤٩.
(٤) البدائع ٧ / ٣٩، ابن عابدين ٤ / ٣٧، المبسوط ٢٤ / ٣٢، الهداية ٢ / ١١١، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٢، شرح منح الجليل ٣ / ٥٤٩، مغني المحتاج ٤ / ١٨٧، نهاية المحتاج ٨ / ١٢، حاشية الجمل ٥ / ١٥٩، المغني ٨ / ٣٠٧، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٦، المحرر في الفقه ص ١٦٣، الإقناع ٤ / ٢٦٧.
(٥) حديث: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. ورد بلفظ، " إن الله وضع عن أمتي ". . الحديث، أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ - ط الحلبي) والحاكم (٢ / ١٩٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ بِالإِْكْرَاهِ حَلاَلٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَلاَ حَدَّ وَلاَ إِثْمَ (١) .
وَسَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ وَالضَّرْبِ أَوْ أُلْجِئَ إِلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ وَتُصَبُّ فِيهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (٢) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَكُونُ بِالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْل أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ أَوْ بِإِتْلاَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ؛ أَيْ بِقَيْدٍ أَوْ سَجْنٍ شَدِيدَيْنِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِسَحْنُونٍ (٣) .
وَكَذَلِكَ لاَ حَدَّ عَلَى مَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا لِدَفْعِ غُصَّةٍ بِهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا سِوَاهَا، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ ﷿ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤) .
وَلأَِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ لِضَرُورَةِ الْغُصَّةِ حَلاَلٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٥) .
_________
(١) البدائع ١٧ / ٣٩، المغني ٨ / ٣٠٧.
(٢) المغني لابن قدامة ٨ / ٣٠٧، الإقناع ٤ / ٢٦٧.
(٣) حاشية الدسوقي، ٤ / ٣٥٣، شرح منح الجليل، ٤ / ٥٥٢.
(٤) سورة البقرة / ١٧٣.
(٥) البدائع ٧ / ٣٩، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٤، وجاء فيها خلافا لابن عرفة في عدم الجواز، شرح منح الجليل ٤ / ٥٥٢، مغني المحتاج ٤ / ١٨٨، نهاية المحتاج ٨ / ١٣، المغني ٨ / ٣٠٧، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٦، المحرر ص ١٦٢، الإقناع ٤ / ٢٦٦.
وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ فَالْحَنَابِلَةُ (١) يَقُولُونَ: إِنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنَّهُ أَسَرَهُ الرُّومُ، فَحَبَسَهُ طَاغِيَتُهُمْ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِخَمْرٍ، وَلَحْمُ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٌّ لِيَأْكُلَهُ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَتَرَكَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَفْعَل، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ حِينَ خَشُوا مَوْتَهُ فَقَال: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي فَإِنِّي مُضْطَرٌّ وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لأُِشْمِتَكُمْ بِدِينِ الإِْسْلاَمِ (٢) .
وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لاَ يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) يَحِل شُرْبُهَا لِلْعَطَشِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، الأَْصَحُّ تَحْرِيمُهَا لِعَطَشٍ
_________
(١) المغني ٨ / ٣٠٧، منتهى الإرادات ٢ / ٤٧٥، المحرر في الفقه ص ١٦٢.
(٢) قصة عبد الله بن حذافة أوردها ابن حجر في الإصابة (٢ / ٢٩٦ - ٢٩٧ - ط السعادة) وعزاها إلى البيهقي.
(٣) المبسوط ٢٤ / ٢٨.
(٤) سورة الأنعام / ١١٩.