الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (١) وَلأَِنَّهُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَادِرٌ بِهِ عَلَى تَغْيِيرِ الأَْجْسَامِ، وَالْجَزْمُ بِذَلِكَ كُفْرٌ. قَال الْقَرَافِيُّ: أَيْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ ظَاهِرًا؛ وَلأَِنَّ تَعْلِيمَهُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ بِمُبَاشَرَتِهِ، كَأَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى الْكَوْكَبِ وَيَخْضَعَ لَهُ، وَيَطْلُبَ مِنْهُ قَهْرَ السُّلْطَانِ.

ثُمَّ فَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ مَنْ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهِ لِمَا يَصْنَعُ السَّحَرَةُ كَأَنْ يَقْرَؤُهُ فِي كِتَابٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ فِعْل السِّحْرِ لِيَتَعَلَّمَهُ فَلاَ يَكْفُرُ بِالنَّوْعِ الأَْوَّل، وَيَكْفُرُ بِالثَّانِي حَيْثُ كَانَ الْفِعْل مُكَفِّرًا (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَعْلِيمُهُ حَرَامٌ، إِلاَّ إِنْ كَانَ لِتَحْصِيل نَفْعٍ، أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أَوْ لِلْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ (٣) .

وَقَال الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: الْعِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ وَلاَ مَحْظُورٍ، قَال: وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل هَل يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) وَلأَِنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعَلَّمُ لَمَا أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزِ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ

_________

(١) سورة البقرة / ١٠٢.

(٢) فتح القدير ٤ / ٤٠٨، وابن عابدين ١ / ٣١، وكشاف القناع ٦ / ١٨٦، والفروق للقرافي ٤ / ١٥٢، ١٥٣، ١٥٩، ١٦٥، الفرق ٢٤٢.

(٣) القليوبي على شرح المنهاج ٤ / ١٦٩.

(٤) سورة الزمر / ٩.

الْمُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ فَهُوَ وَاجِبٌ. قَال: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالسِّحْرِ وَاجِبًا فَكَيْفَ يَكُونُ قَبِيحًا أَوْ حَرَامًا؟ (١) .

النَّشْرَةُ، أَوْ حَل السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ:

١٤ - يُحَل السِّحْرُ عَنِ الْمَسْحُورِ بِطَرِيقَتَيْنِ:

الأُْولَى: أَنْ يُحَل بِالرُّقَى الْمُبَاحَةِ وَالتَّعَوُّذِ الْمَشْرُوعِ، كَالْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالاِسْتِعَاذَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِ الْمَأْثُورَةِ وَلَكِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمَأْثُورِ، فَهَذَا النَّوْعُ جَائِزٌ إِجْمَاعًا. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُحِرَ، اسْتَخْرَجَ الْمُشْطَ وَالْمِشَاطَةَ اللَّتَيْنِ سُحِرَ بِهِمَا، ثُمَّ كَانَ يَقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَشَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحَل السِّحْرُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل - أَنَّهُ حَرَامٌ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ سِحْرٌ وَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ السِّحْرِ الْمُتَقَدِّمُ بَيَانُهَا. وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: لاَ يَحُل السِّحْرَ إِلاَّ سَاحِرٌ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِل عَنِ امْرَأَةٍ يُعَذِّبُهَا السَّحَرَةُ، فَقَال رَجُلٌ: أَخُطُّ خَطًّا عَلَيْهَا وَأَغْرِزُ السِّكِّينَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْخَطِّ وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَقَال مُحَمَّدٌ: مَا أَعْلَمُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَأْسًا، وَلاَ أَدْرِي

_________

(١) تفسير الرازي ٣ / ٢٣٨.

مَا الْخَطُّ وَالسِّكِّينُ. وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: حَل السِّحْرِ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشِرُ وَالْمُنْتَشِرُ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَا يُحِبُّ فَيَبْطُل الْعَمَل عَنِ الْمَسْحُورِ.

الْقَوْل الثَّانِي - أَنَّ حَل السِّحْرِ بِسِحْرٍ لاَ كُفْرَ فِيهِ وَلاَ مَعْصِيَةَ جَائِزٌ، فَقَدْ نَقَل الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ، أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ أَيُحَل عَنْهُ، أَوْ يُنْشَرُ؟ قَال: لاَ بَأْسَ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِْصْلاَحَ، فَإِنَّ مَا يَنْفَعُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ.

وَالْقَوْلاَنِ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال الرَّحِيبَانِيُّ: يَجُوزُ حَل السِّحْرِ بِسِحْرٍ لأَِجْل الضَّرُورَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَال فِي الْمُغْنِي: تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْحِل، وَهُوَ إِلَى الْجَوَازِ أَمْيَل (١) .

عُقُوبَةُ السَّاحِرِ:

١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَل فِي حَالَيْنِ: الأَْوَّل أَنْ يَكُونَ سِحْرُهُ كُفْرًا، وَالثَّانِي إِذَا عُرِفَتْ مُزَاوَلَتُهُ لِلسِّحْرِ بِمَا فِيهِ إِضْرَارٌ وَإِفْسَادٌ وَلَوْ بِغَيْرِ كُفْرٍ.

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَال: السَّاحِرُ إِذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ يُقْتَل

_________

(١) المغني ٨ / ١٥٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٠٥، وفتح المجيد ص ٣٠٤، وتيسير العزيز الحميد ص ٣٦٦، ومواهب الجليل للحطاب ٦ / ٢٥٦، وفتح الباري ١٠ / ٢٣٦.

وَلاَ يُسْتَتَابُ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَقِيل: لاَ يُقْتَل إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا.

وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ قَتْلَهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّعْزِيرِ، لاَ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَجِبُ قَتْل السَّاحِرِ وَلاَ يُسْتَتَابُ، وَذَلِكَ لِسَعْيِهِ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ لاَ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، لَكِنْ إِنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْل أَنْ يُؤْخَذَ قُبِلَتْ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قَتْل السَّاحِرِ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّمَا يُقْتَل إِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَدَى الإِْمَامِ، فَإِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ قُتِل وَمَالُهُ فَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ، وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَهُوَ كَالزِّنْدِيقِ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَتَابُ (٢)، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ - أَيْضًا - السَّاحِرَ الذِّمِّيَّ، فَقَالُوا: لاَ يُقْتَل، بَل يُؤَدَّبُ. لَكِنْ قَالُوا: إِنْ أَدْخَل السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَلاَ تُقْبَل مِنْهُ تَوْبَةٌ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ، نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ. لَكِنْ قَال الزَّرْقَانِيُّ: الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ انْتِقَاضَ عَهْدِهِ، فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ فِيهِ.

أَمَّا إِنْ أَدْخَل السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ ضَرَرًا عَلَى أَحَدٍ

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤٠٨، وابن عابدين ١ / ٣١ و٣ / ٢٩٥، ٢٩٦.

(٢) الزرقاني ٨ / ٦٣.

مِنْ أَهْل مِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ مَا لَمْ يَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ قُتِل بِهِ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ سِحْرُ السَّاحِرِ لَيْسَ مِنْ قَبِيل مَا يَكْفُرُ بِهِ، فَهُوَ فِسْقٌ لاَ يُقْتَل بِهِ مَا لَمْ يَقْتُل أَحَدًا وَيَثْبُتُ تَعَمُّدُهُ لِلْقَتْل بِهِ بِإِقْرَارِهِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَل حَدًّا وَلَوْ لَمْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ أَحَدًا، لَكِنْ لاَ يُقْتَل إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ سِحْرُهُ مِمَّا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ كُفْرًا مِثْل فِعْل لَبِيدِ بْنِ الأَْعْصَمِ، أَوْ يَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ السِّحْرِ، بِخِلاَفِ مَا لاَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ كُفْرًا، كَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْجِنَّ فَتُطِيعُهُ، أَوْ يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ، وَسَقْيِ شَيْءٍ لاَ يَضُرُّ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا لَمْ يُقْتَل؛ لأَِنَّهُ أُقِرَّ عَلَى شِرْكِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ السِّحْرِ، وَلأَِنَّ لَبِيدَ بْنَ الأَْعْصَمِ الْيَهُودِيَّ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، قَالُوا: وَالأَْخْبَارُ الَّتِي وَرَدَتْ بِقَتْل السَّاحِرِ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ لأَِنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ.

وَالذِّمِّيُّ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ فَلاَ يُقْتَل بِهِ، لَكِنْ إِنْ قُتِل بِسِحْرٍ يَقْتُل غَالِبًا، قُتِل قِصَاصًا.

وَشَرْطٌ آخَرُ أَضَافَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَهُوَ أَنْ يَعْمَل بِالسِّحْرِ، إِذْ لاَ يُقْتَل بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِهِ.

_________

(١) الزرقاني ٨ / ٦٨.

(٢) تفسير الرازي ٣ / ٢٣٩، وروضة الطالبين ٩ / ٣٤٧.

ثُمَّ قَال بَعْضُهُمْ: وَيُعَاقَبُ بِالْقَتْل أَيْضًا مَنْ يَعْتَقِدُ حِل السِّحْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقْتَل كُفْرًا؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

وَاحْتَجُّوا لِقَتْل السَّاحِرِ بِمَا رَوَى جُنْدُبٌ مَرْفُوعًا حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ (١) .

وَبِمَا وَرَدَ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ: أَنِ اقْتُلُوا كُل سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ (٢) . وَبِأَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ بِقَتْل سَاحِرَةٍ سَحَرَتْهَا. وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ قَبْل مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنِ اقْتُلُوا كُل سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، وَقَتَل جُنْدُبُ بْنُ كَعْبٍ سَاحِرًا كَانَ يَسْحَرُ بَيْنَ يَدَيِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ (٣) .

حُكْمُ السَّاحِرِ إِذَا قَتَل بِسِحْرِهِ:

١٦ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَتْل بِالسِّحْرِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا، وَفِيهِ

_________

(١) حديث: " حد الساحر ضربة بالسيف ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٠ - ط الحلبي) من حديث جندب مرفوعًا، وقال: " هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوفًا ".

(٢) أثر عمر أنه كتب: " أن اقتلوا كل ساحر وساحرة " أخرجه أحمد (١ / ١٩٠ - ١٩١ - ط الميمنية) وإسناده صحيح.

(٣) كشاف القناع ٦ / ١٨٧، والمغني ٨ / ١٥٣، ١٥٤، وتيسير العزيز الحميد ص ٣٤٢، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٠٤، ٣٠٥.

الْقِصَاصُ. وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ إِنْ قَتَل بِسِحْرِهِ مَنْ هُوَ مُكَافِئٌ لَهُ فَفِيهِ الْقِصَاصُ إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ السَّاحِرِ بِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَقَوْلِهِ: قَتَلْتُهُ بِسِحْرِي، أَوْ قَوْلِهِ: قَتَلْتُهُ بِنَوْعِ كَذَا، وَيَشْهَدُ عَدْلاَنِ يَعْرِفَانِ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَا تَابَا، بِأَنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ يَقْتُل غَالِبًا. فَإِنْ كَانَ لاَ يَقْتُل غَالِبًا فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ. فَإِنْ قَال: أَخْطَأْتُ مِنَ اسْمِ غَيْرِهِ إِلَى اسْمِهِ فَخَطَأٌ.

وَلاَ يَثْبُتُ الْقَتْل الْعَمْدُ بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِتَعَذُّرِ مُشَاهَدَةِ الشُّهُودِ قَصْدَ السَّاحِرِ وَتَأْثِيرَ سِحْرِهِ (١) .

قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ مِمَّنْ قَتَل بِسِحْرِهِ بِالسَّيْفِ وَلاَ يُسْتَوْفَى بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، أَيْ لأَِنَّ السِّحْرَ مُحَرَّمٌ؛ وَلِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ (٢) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ إِنْ قَتَل بِسِحْرِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْل مِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل بِهِ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٣٧٩، ٣٨٠، والقليوبي ٤ / ١٧٩، وروضة الطالبين ٩ / ٣٤٧، والزرقاني ٨ / ٢٩.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٢٩٠، والقليوبي وشرح المنهاج ٤ / ١٢٤، ومواهب الجليل للحطاب ٦ / ٢٥٦، والزرقاني ٨ / ٢٩.

تَعْزِيرُ السَّاحِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْل:

١٧ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ السَّاحِرَ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقَتْل، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ سِحْرُهُ كُفْرًا وَلَمْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ أَحَدًا، إِذَا عَمِل بِسِحْرِهِ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا لِيَنْكَفَّ هُوَ وَمَنْ يَعْمَل مِثْل عَمَلِهِ، وَلَكِنْ بِحَيْثُ لاَ يَبْلُغُ بِتَعْزِيرِهِ الْقَتْل عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاِرْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً. وَفِي قَوْلٍ لِلإِْمَامِ: تَعْزِيرُهُ بِالْقَتْل (١) .

الإِْجَارَةُ عَلَى فِعْل السَّحَرِ أَوْ تَعْلِيمِهِ:

١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِئْجَارَ لِعَمَل السِّحْرِ لاَ يَحِل إِنْ كَانَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ السِّحْرِ حَرَامًا - عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَهُمْ فِي حُكْمِهِ - وَلاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ، وَلاَ تَحِل إِعْطَاءُ الأُْجْرَةِ، وَلاَ يَحِل لآِخِذِهَا أَخْذُهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ سَاحِرًا لِيَعْمَل لَهُ عَمَلًا هُوَ سِحْرٌ فَالإِْجَارَةُ حَرَامٌ وَلاَ تَصِحُّ، وَلاَ يُقْتَل الْمُسْتَأْجَرُ لأَِنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ، حَتَّى لَوْ قَتَل السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ ذَاكَ أَحَدًا، وَيُؤَدَّبُ الْمُسْتَأْجَرُ أَدَبًا شَدِيدًا، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مَنْ يَسْتَأْجِرُ لِحَل السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ، فَأَجَازُوا ذَلِكَ - أَيْ عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ حَل السِّحْرِ - لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِلاَجِ (٢)، وَكَذَا

_________

(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٠٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٨٣.

(٢) الزرقاني ٨ / ٦٣، والمواق بهامش مواهب الجليل ٦ / ٢٨٠، وابن عابدين ٥ / ٥٧.

أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الإِْجَارَةَ عَلَى إِزَالَةِ السِّحْرِ نَحْوَ مَا يَحْصُل لِلزَّوْجِ مِنَ الاِنْحِلاَل الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالرَّبْطِ. قَالُوا: وَالأُْجْرَةُ عَلَى مَنِ الْتَزَمَ الْعِوَضَ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الرَّجُل نَفْسَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا (١) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِسْتِئْجَارُ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ وَلاَ تُسْتَحَقُّ عَلَى تَعْلِيمِ السِّحْرِ أُجْرَةٌ (٢)، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ كُتُبِ السِّحْرِ وَيَجِبُ إِتْلاَفُهَا (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَى السِّحْرِ إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا، أَمَّا إِذَا كَانَ مُبَاحًا فَلاَ مَانِعَ مِنَ الاِسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ، كَتَعْلِيمِ رُقًى عَرَبِيَّةً لِيَحِل بِهَا السِّحْرَ (٤) . وَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِكُتُبِ سِحْرٍ لأَِنَّهَا إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ آلَةَ سِحْرٍ (٥) . .

_________

(١) الشبراملسي على نهاية المحتاج ٥ / ٢٦٨.

(٢) حاشية القليوبي على المنهاج ٣ / ٧٠.

(٣) حاشية الشيخ عميرة على شرح المنهاج ٢ / ١٥٨.

(٤) مطالب أولي النهى ٣ / ٦٠٤.

(٥) مطالب أولي النهى ٤ / ٩٨، ٤٨٣.

سَحُورٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السَّحُورُ لُغَةً: طَعَامُ السَّحَرِ وَشَرَابُهُ، قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: هُوَ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَقْتَ السَّحَرِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْل نَفْسُهُ، أَكْثَرُ مَا رُوِيَ بِالْفَتْحِ، وَقِيل: إِنَّ الصَّوَابَ بِالضَّمِّ، لأَِنَّهُ بِالْفَتْحِ الطَّعَامُ وَالْبَرَكَةُ، وَالأَْجْرُ وَالثَّوَابُ فِي الْفِعْل لاَ فِي الطَّعَامِ.

وَالسَّحَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: آخِرُ اللَّيْل قُبَيْل الصُّبْحِ، الْجَمْعُ أَسْحَارٌ، وَقِيل: هُوَ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْل الآْخَرِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ لِلسُّحُورِ عَنْ ذَلِكَ (١) .

_________

(١) لسان العرب ٢ / ١٠٧، والنهاية في غريب الحديث والأثر، والمصباح المنير، وتاج العروس، مادة: (سحر)، والقواعد الفقهية ٣٢٠، وفتح القدير ٢ / ٩٥ ط بولاق، الفواكه الدواني ١ / ٣٥٤ ط دار المعرفة، بيروت، لبنان، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٥ ط مصطفى الحلبي.