الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

قَال: وَأَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَل وَالآْلاَتِ وَالأَْدْوِيَةِ، أَوْ يُرِيهِ صَاحِبُ خِفَّةِ الْيَدِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّجَوُّزِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ؛ لأَِنَّ السِّحْرَ فِي الأَْصْل لِمَا خَفِيَ سَبَبُهُ (١) . اهـ.

وَنَقَل التَّهَانُوِيُّ عَنِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ: السِّحْرُ نَوْعٌ يُسْتَفَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِخَوَاصِّ الْجَوَاهِرِ وَبِأُمُورٍ حِسَابِيَّةٍ فِي مَطَالِعِ النُّجُومِ، فَيُتَّخَذُ مِنْ ذَلِكَ هَيْكَلًا عَلَى صُورَةِ الشَّخْصِ الْمَسْحُورِ، وَيَتَرَصَّدُ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ فِي الْمَطَالِعِ، وَتُقْرَنُ بِهِ كَلِمَاتٌ يُتَلَفَّظُ بِهَا مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُحْشِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ، وَيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الاِسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ، وَيَحْصُل مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَحْوَالٌ غَرِيبَةٌ فِي الشَّخْصِ الْمَسْحُورِ (٢) .

وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: السِّحْرُ شَرْعًا مُزَاوَلَةُ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ لأَِقْوَالٍ أَوْ أَفْعَالٍ يَنْشَأُ عَنْهَا أُمُورٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ (٣) .

وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلاَمٌ يُتَكَلَّمُ بِهِ، أَوْ يَكْتُبُهُ، أَوْ يَعْمَل شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ

_________

(١) تفسير البيضاوي عند قوله تعالى: (يعلمون الناس السحر) الآية ١٠٢ من سورة البقرة، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٤٨ بيروت، شركة خياط بالتصوير عن طبعة الهند.

(٢) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٤٨.

(٣) الجمل على شرح المنهج ٥ / ١١٠، والقليوبي ٤ / ١٦٩، وحاشية الكازروني على تفسير البيضاوي عند الآية ٥١ من سورة البقرة.

الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الشَّعْوَذَةُ:

٢ - قَال فِي اللِّسَانِ: الشَّعْوَذَةُ خِفَّةٌ فِي الْيَدِ، وَأَخْذٌ كَالسِّحْرِ، يُرِي الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ مَا عَلَيْهِ أَصْلُهُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، وَقَالُوا: رَجُلٌ مُشَعْوِذٌ وَمُشَعْوِذَةٌ، وَقَدْ يُسَمَّى الشَّعْبَذَةَ (٢) .

ب - النَّشْرَةُ:

٣ - النَّشْرَةُ ضَرْبٌ مِنَ الرُّقْيَةِ وَالْعِلاَجِ يُعَالَجُ بِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنَ الْجِنِّ. سُمِّيَتْ نَشْرَةً لأَِنَّهُ يَنْشُرُ بِهَا مَا خَامَرَهُ مِنَ الدَّاءِ، أَيْ يُكْشَفُ وَيُزَال، قَال الْحَسَنُ: النَّشْرَةُ مِنَ السِّحْرِ (٣) . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُئِل ﷺ عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَال: هِيَ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ (٤) .

ج - الْعَزِيمَةُ:

٤ - الْعَزِيمَةُ مِنَ الرُّقَى الَّتِي كَانُوا يَعْزِمُونَ بِهَا

_________

(١) كشاف القناع آخر باب حد الردة ٦ / ١٨٦، الرياض مكتبة النصر الحديثة، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٠٣ بيروت. المكتب الإسلامي.

(٢) لسان العرب: (شعذ) .

(٣) لسان العرب.

(٤) حديث: " أنه سئل عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان ". أخرجه أحمد (٣ / ٢٩٤ - ط الميمنية) من حديث جابر بن عبد الله، وحسنه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٢٣٣ - ط السلفية) .

عَلَى الْجِنِّ، وَجَمْعُهَا الْعَزَائِمُ، يُقَال: عَزَمَ الرَّاقِي: كَأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى الدَّاءِ، وَأَصْلُهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ: الإِْقْسَامُ وَالتَّعْزِيمُ عَلَى أَسْمَاءٍ مُعَيَّنَةٍ زَعَمُوا أَنَّهَا أَسْمَاءُ مَلاَئِكَةٍ وَكَّلَهُمْ سُلَيْمَانُ بِقَبَائِل الْجَانِّ، فَإِذَا أَقْسَمَ عَلَى صَاحِبِ الاِسْمِ أَلْزَمَ الْجِنَّ بِمَا يُرِيدُ (١) .

د - الرُّقْيَةُ:

٥ - الرُّقْيَةُ وَجَمْعُهَا الرُّقَى، وَهِيَ أَلْفَاظٌ خَاصَّةٌ يَحْدُثُ عِنْدَ قَوْلِهَا الشِّفَاءُ مِنَ الْمَرَضِ، إِذَا كَانَتْ مِنَ الأَْدْعِيَةِ الَّتِي يَتَعَوَّذُ بِهَا مِنَ الآْفَاتِ مِنَ الصَّرْعِ وَالْحُمَّى، وَفِي الْحَدِيثِ أَعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ (٢) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ (٣) .

وَمِنَ الرُّقَى مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كَرُقَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَهْل الْهِنْدِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَشْفُونَ بِهَا مِنَ الأَْسْقَامِ وَالأَْسْبَابِ الْمُهْلِكَةِ. قَال الْقَرَافِيُّ: الرُّقْيَةُ لِمَا يُطْلَبُ بِهِ النَّفْعُ، أَمَّا مَا يُطْلَبُ بِهِ الضَّرَرُ فَلاَ يُسَمَّى رُقْيَةً بَل هُوَ سِحْرٌ (٤) . وَانْظُرْ (تَعْوِيذَةٌ) .

_________

(١) لسان العرب، والفروق للقرافي فرق (٢٤٢) .

(٢) حديث: " أعرضوا عليَّ رقابكم ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٢٧ - ط الحلبي) من حديث عوف بن مالك.

(٣) حديث: " لا رقية إلا من عين أو حمة ". أخرجه أحمد (٤ / ٤٣٦ - ط الميمنية) من حديث عمران بن حصين، وإسناده صحيح.

(٤) لسان العرب، والفروق للقرافي ٤ / ١٤٧ الفرق (٢٤٢) .

هـ - الطَّلْسَمُ:

٦ - الطَّلْسَمَاتُ أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا بِالْكَوَاكِبِ، تُجْعَل فِي أَجْسَامٍ مِنَ الْمَعَادِنِ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُحْدِثُ آثَارًا خَاصَّةً (١) .

و الأَْوْفَاقُ:

٧ - الأَْوْفَاقُ هِيَ أَعْدَادٌ تُوضَعُ فِي أَشْكَالٍ هَنْدَسِيَّةٍ عَلَى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ عَمِلَهُ فِي وَرَقٍ وَحَمَلَهُ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَيْسِيرِ الْوِلاَدَةِ، أَوْ نَصْرِ جَيْشٍ عَلَى جَيْشٍ، أَوْ إِخْرَاجِ مَسْجُونٍ مِنْ سِجْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .

ز - التَّنْجِيمُ:

٨ - التَّنْجِيمُ لُغَةً: النَّظَرُ فِي النُّجُومِ، اصْطِلاَحًا: مَا يُسْتَدَل بِالتَّشَكُّلاَتِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الأَْرْضِيَّةِ كَمَا يَزْعُمُونَ.

حَقِيقَةُ السِّحْرِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ السِّحْرَ هَل لَهُ حَقِيقَةٌ وَوُجُودٌ وَتَأْثِيرٌ حَقِيقِيٌّ فِي قَلْبِ الأَْعْيَانِ، أَمْ هُوَ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ.

فَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَصَّاصِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الإِْسْتِرَابَاذِيُّ

_________

(١) الفروق للقرافي الفرق (٢٤٢) ٤ / ١٤٢.

(٢) الفروق للقرافي ٤ / ١٤٢ الفرق (٢٤٢) .

وَالْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى إِنْكَارِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْيِيلٌ مِنَ السَّاحِرِ عَلَى مَنْ يَرَاهُ، وَإِيهَامٌ لَهُ بِمَا هُوَ خِلاَفُ الْوَاقِعِ، وَأَنَّ السِّحْرَ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ أَنْ يَسْتَعْمِل السَّاحِرُ سُمًّا أَوْ دُخَانًا يَصِل إِلَى بَدَنِ الْمَسْحُورِ فَيُؤْذِيهِ، وَنُقِل مِثْل هَذَا عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنَّ السَّاحِرَ لاَ يَسْتَطِيعُ بِسِحْرِهِ قَلْبَ حَقَائِقِ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ يُمْكِنُهُ قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً، وَلاَ قَلْبُ الإِْنْسَانِ حِمَارًا.

قَال الْجَصَّاصُ: السِّحْرُ مَتَى أُطْلِقَ فَهُوَ اسْمٌ لِكُل أَمْرٍ مُمَوَّهٍ بَاطِلٍ لاَ حَقِيقَةَ لَهُ وَلاَ ثَبَاتَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ (١) يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ تَسْعَى، وَقَال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّل إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا ظَنُّوهُ سَعْيًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ سَعْيًا وَإِنَّمَا كَانَ تَخْيِيلًا، وَقَدْ قِيل: إِنَّهَا كَانَتْ عِصِيًّا مُجَوَّفَةً مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، وَكَذَلِكَ الْحِبَال كَانَتْ مَعْمُولَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً زِئْبَقًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُمَوَّهًا عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ (٣) .

_________

(١) سورة الأعراف / ١١٦.

(٢) سورة الشعراء / ٦٦.

(٣) أحكام القرآن للجصاص عند الآية (١٠٢) من سورة البقرة ١ / ٤٣ وما بعدها، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٥٢، والجمل على شرح المنهج ٥ / ١٠٠، وروضة الطالبين ٩ / ١٢٨، ٣٤٦.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ السِّحْرَ قِسْمَانِ:

١٠ - قِسْمٌ هُوَ حِيَلٌ وَمُخْرَقَةٌ وَتَهْوِيلٌ وَشَعْوَذَةٌ، وَإِيهَامٌ لَيْسَ لَهُ حَقَائِقُ، أَوْ لَهُ حَقَائِقُ لَكِنْ لَطُفَ مَأْخَذُهَا، وَلَوْ كُشِفَ أَمْرُهَا لَعُلِمَ أَنَّهَا أَفْعَالٌ مُعْتَادَةٌ يُمْكِنُ لِمَنْ عَرَفَ وَجْهَهَا أَنْ يَفْعَل مِثْلَهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ خَوَاصِّ الْمَوَادِّ وَالْحِيَل الْهَنْدَسِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى السِّحْرِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ خَفَاءُ وَجْهِهِ ضَعِيفًا فَلاَ يُسَمَّى سِحْرًا اصْطِلاَحًا، وَقَدْ يُسَمَّى سِحْرًا لُغَةً، كَمَا قَالُوا: (سَحَرْتُ الصَّبِيَّ) بِمَعْنَى خَدَعْتُهُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَهُ حَقِيقَةٌ وَوُجُودٌ وَتَأْثِيرٌ فِي الأَْبْدَانِ. فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَأْثِيرِ السِّحْرِ وَإِحْدَاثِهِ الْمَرَضَ وَالضَّرَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ:

مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ

_________

(١) سورة الأعراف / ١١٦.

(٢) الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٠٠، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧ / ٣٧٩، وفتح القدير ٤ / ٤٠٨، والفروق للقرافي ٤ / ١٤٩، ١٥٠، الفرق (٢٤٢)، وروضة الطالبين ٩ / ٣٤٦، والمغني ٨ / ١٥٠.

شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١) وَالنَّفَّاثَاتُ فِي الْعُقَدِ: هُنَّ السَّوَاحِرُ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا أُمِرَ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِنَّ عُلِمَ أَنَّ لَهُنَّ تَأْثِيرًا وَضَرَرًا.

وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) .

وَمِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى أَنَّهُ لَيُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهَا أَنَّ الَّذِي سَحَرَهُ جَعَل سِحْرَهُ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ (٣) فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَخْرَجَهَا، وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْمُعَوِّذَتَانِ فَمَا قَرَأَ عَلَى عُقْدَةٍ إِلاَّ انْحَلَّتْ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَفَاهُ. بِذَلِكَ (٤) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

١١ - عَمَل السِّحْرِ مُحَرَّمٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَقَدْ

_________

(١) سورة الفلق.

(٢) سورة البقرة / ١٠٢.

(٣) الراعوفة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا احتفرت، تكون هناك ليجلس عليها المستقي حين تنقية البئر. (القاموس / رعف) .

(٤) كشاف القناع ٦ / ١٨٦، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٥١. وحديث: " أنه ﷺ سحر حتى إنه ليخيل إليه. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ - ٢٢١ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧١٩ - ١٧٢٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة.

نَقَل النَّوَوِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَدِلَّةُ تَحْرِيمِهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

أ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١) .

ب - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢) فَجَعَلَهُ مِنْ تَعْلِيمِ الشَّيَاطِينِ وَقَال فِي آخِرِ الآْيَةِ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ فَأَثْبَتَ فِيهِ ضَرَرًا بِلاَ نَفْعٍ.

ج - قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٣) فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ السِّحْرَ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّهُ ذَنْبٌ.

د - قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. . . الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ. . . (٤) . الْحَدِيثُ.

وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ السِّحْرِ تَمْوِيهًا وَحِيلَةً، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَقَالُوا: إِنَّ الأَْوَّل

_________

(١) سورة طه / ٦٩.

(٢) سورة البقرة / ١٠٢.

(٣) سورة هود / ٧٣.

(٤) حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات. . . . الشرك بالله، والسحر. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٩٣ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٩٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

مُبَاحٌ؛ أَيْ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّهْوِ فَيُبَاحُ مَا لَمْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ كَالإِْضْرَارِ بِالنَّاسِ وَإِرْهَابِهِمْ. قَال الْبَيْضَاوِيُّ: أَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَل بِمَعُونَةِ الآْلاَتِ وَالأَْدْوِيَةِ، أَوْ يُرِيهِ صَاحِبُ خِفَّةِ الْيَدِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلَى التَّجَوُّزِ، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ (١) .

كُفْرُ السَّاحِرِ بِفِعْل السِّحْرِ:

١٢ - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَاتٌ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَمْ لاَ. ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: أَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ فَلَيْسَ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعُهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَكْفِيرِ السَّاحِرِ بِفِعْل السِّحْرِ إِنْ كَانَ سِحْرُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى كُفْرٍ، أَوْ كَانَ سِحْرُهُ مِمَّا يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ. وَأَضَافَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى حَالَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَالَةَ تَحْبِيبِ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى (التُّوَلَةُ) .

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ٣٤٦، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٠٣، ٣٠٤، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٤٨، وتفسير البيضاوي ١ / ١٧٥ القاهرة المكتبة التجارية عند الآية ٥١ من سورة البقرة.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعَمَل بِالسِّحْرِ حَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل، وَأَنَّ السَّاحِرَ لاَ يَكْفُرُ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ هُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَ مَا هُوَ كُفْرٌ، أَوْ أَنْ يَعْتَقِدَ إِبَاحَةَ السِّحْرِ. وَأَضَافَ ابْنُ الْهُمَامِ حَالَةً ثَالِثَةً هِيَ مَا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَفْعَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ.

حُكْمُ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَتَعْلِيمِهِ:

١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ دُونَ الْعَمَل بِهِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ حَرَامٌ وَكُفْرٌ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ اسْتَثْنَى أَحْوَالًا. فَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ ذَخِيرَةِ النَّاظِرِ أَنَّ تَعَلُّمَهُ لِرَدِّ فِعْل سَاحِرِ أَهْل الْحَرْبِ فَرْضٌ، وَأَنَّ تَعَلُّمَهُ لِيُوَفِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ جَائِزٌ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ (١) وَالتُّوَلَةُ شَيْءٌ كَانُوا يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا.

وَاسْتَدَل الطُّرْطُوشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (٢) أَيْ بِتَعَلُّمِهِ،

_________

(١) حديث: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ". أخرجه الحاكم (٤ / ٢١٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن مسعود وصححه، ووافقه الذهبي.

(٢) سورة البقرة / ١٠٢.