الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - السُّحُورُ سُنَّةٌ لِلصَّائِمِ، وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا، لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً (١) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: فَصْل مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْل الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ (٢) .

وَلأَِنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّدْبِ إِلَى السَّحُورِ فَقَال: اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل (٣) .

وَكُل مَا حَصَل مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ حَصَل بِهِ فَضِيلَةُ السَّحُورِ (٤) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَصْل مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْل الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ (٥) وَعَنْ أَبِي

_________

(١) حديث: " تسحروا فإن في السحور بركة ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٣٩ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٧٠ ط - الحلبي) .

(٢) حديث: " فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٧٠ - ط الحلبي) .

(٣) حديث: " استعينوا بطعام السحر ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٤٠ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٠٢ - ط دار الجنان) .

(٤) مراقي الفلاح ٣٧٣، ومواهب الجليل ٢ / ٤٠١، وكشاف القناع ٢ / ٣٣١، والمغني ٣ / ١٧٠.

(٥) تقدم تخريجه ف / ٢.

سَعِيدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلاَ تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ (١) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ (٢)

وَقْتُ السَّحُورِ:

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ السَّحُورِ مَا بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْل الأَْخِيرِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: هُوَ مَا بَيْنَ السُّدُسِ الأَْخِيرِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ.

وَيُسَنُّ تَأْخِيرُ السَّحُورِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مَا لَمْ يَخْشَ طُلُوعَ الْفَجْرِ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) وَالْمُرَادُ بِالْفَجْرِ فِي الآْيَةِ الْفَجْرُ الثَّانِي، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ، وَلاَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيل وَلَكِنَّ الْفَجْرَ الْمُسْتَطِيرَ فِي الأُْفُقِ (٤) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ

_________

(١) حديث: " السحور أكله بركة ". أخرجه أحمد (٣ / ١٢ - ط الميمنية) من حديث أبي سعيد الخدري. وقواه المنذري في الترغيب والترهيب (٢ / ١٣٩ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " نعم سحور المؤمن التمر ". أخرجه ابن حبان (٥ / ١٩٧ - الإحسان - ط دار الكتب العلمية، من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.

(٣) سورة البقرة / ١٨٧.

(٤) حديث: " لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ". أخرجه الترمذي (٣ / ٧٧ - ط الحلبي) من حديث سمرة بن جندب، وأصله في مسلم (٢ / ٨٦٧ - ط الحلبي) .

مَا أَخَّرُوا السَّحُورَ وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ (١) وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّحُورِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْفَجْرِ كَانَ أَعْوَنَ عَلَى الصَّوْمِ.

وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ تَأْخِيرَ السَّحُورِ مُسْتَحَبٌّ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (صَوْمٍ) .

تَأَخُّرُ السَّحُورِ إِلَى وَقْتِ الشَّكِّ:

٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: إِذَا شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ يَأْكُل حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ اللَّيْل، قَال الآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرُهُ: لَوْ قَال لِعَالِمَيْنِ: ارْقُبَا الْفَجْرَ، فَقَال أَحَدُهُمَا: طَلَعَ، وَقَال الآْخَرُ: لَمْ يَطْلُعْ، أَكَل حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ طَلَعَ. وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ (٣) .

_________

(١) حديث: " لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر ". أخرجه أحمد (٥ / ١٧٢ - ط الميمنية) من حديث أبي ذر، وأورده الهيثمي في المجمع (٣ / ١٥٤ - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد، وفيه سليمان بن أبي عثمان، قال أبو حاتم: مجهول ".

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٠٥، ومواهب الجليل ٢ / ٣٩٧ دار الفكر، بيروت، لبنان، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٥، ونهاية المحتاج ٣ / ١٧٧، والمغني ٣ / ١٦٩، كشاف القناع ٢ / ٣٣١، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٥٥.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٠٥، والمجموع ٦ / ٣٦٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٣١، والإنصاف ٣ / ٣٣٠، والمغني ٣ / ١٦٩.

وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْجِمَاعُ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لاَ يَأْكُل؛ لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، فَيَكُونُ الأَْكْل إِفْسَادًا لِلصَّوْمِ، فَيَتَحَرَّزُ عَنْهُ، قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: وَالأَْصْل فِيهِ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ. . . (٢)

كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٣) وَلَوْ أَكَل وَهُوَ شَاكٌّ لاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ فَسَادَ الصَّوْمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، مَعَ أَنَّ الأَْصْل هُوَ بَقَاءُ اللَّيْل، فَلاَ يَثْبُتُ النَّهَارُ بِالشَّكِّ (٤) .

وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٣٣١، والإنصاف ٣ / ٣٣٠.

(٢) حديث: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٩٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢١٩ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير واللفظ للبخاري.

(٣) حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن علي، وقال: حديث حسن صحيح.

(٤) مراقي الفلاح ٣٧٣، وبدائع الصنائع ٢ / ١٠٥، ومواهب الجليل ٢ / ٣٩٧، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٥، ونهاية المحتاج ٣ / ١٧٧، والمجموع ٦ / ٣٦٠.

تَسَحَّرَ وَالْفَجْرُ طَالِعٌ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَمَلًا بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَفِيهِ الاِحْتِيَاطُ، وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَكَل وَالْفَجْرُ طَالِعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (١) .

٥ - وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الأَْكْل وَالشُّرْبَ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مَكْرُوهٌ. وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فَلاَ يَأْكُل، وَإِنْ أَكَل فَقَدْ أَسَاءَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ (٢) وَالَّذِي يَأْكُل مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ يَحُومُ حَوْل الْحِمَى فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، فَكَانَ بِالأَْكْل مُعَرِّضًا صَوْمَهُ لِلْفَسَادِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ (٣) .

وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَكَل مَعَ الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْحُرْمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الأَْكْل كَانَ قَبْل الْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الأَْصْل بَقَاءَ اللَّيْل، وَهَذَا

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٢٠٠، وفتح القدير ٢ / ٩٣.

(٢) حديث: " من وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٢٦ - ط السلفية) من حديث النعمان بن بشير.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٠٥، والدسوقي ١ / ٥٢٦.

بِالنِّسْبَةِ لِصَوْمِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا فِي النَّفْل فَلاَ قَضَاءَ فِيهِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّ أَكْلَهُ لَيْسَ مِنَ الْعَمْدِ الْحَرَامِ، وَلاَ كَفَّارَةَ فِيمَنْ أَكَل شَاكًّا فِي الْفَجْرِ اتِّفَاقًا، وَمَنْ أَكَل مُعْتَقِدًا بَقَاءَ اللَّيْل ثُمَّ طَرَأَ الشَّكُّ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلاَ حُرْمَةٍ، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِطْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إِلْقَاءُ مَا فِي فَمِهِ (١) .

وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (صَوْمٍ)

السَّحُورُ بِالتَّحَرِّي وَغَيْرِهِ:

٦ - لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَسَحَّرَ فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِحَالٍ لاَ يُمْكِنُهُ مُطَالَعَةُ الْفَجْرِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ مَنْ تَسَحَّرَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ لاَ بَأْسَ بِهِ، إِذَا كَانَ الرَّجُل مِمَّنْ لاَ يُخْفَى عَلَيْهِ مِثْل ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخْفَى عَلَيْهِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَدَعَ الأَْكْل، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَسَحَّرَ بِصَوْتِ الطَّبْل السِّحْرِيِّ فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِنْ كُل جَانِبٍ وَفِي جَمِيعِ أَطْرَافِ الْبَلْدَةِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ صَوْتًا وَاحِدًا فَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ يَحْتَاطُ وَلاَ يَأْكُل، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِدَ بِصِيَاحِ الدِّيكِ فَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ قَدْ جَرَّبَهُ مِرَارًا، وَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصِيبُ الْوَقْتَ (٢) .

_________

(١) الدسوقي ١ / ٥٢٦، والفواكه الدواني ١ / ٣٥٥، وكفاية الطالب ١ / ٣٣٨ ط مصطفى الحلبي، وحاشية العدوي ١ / ٣٩٠، ط دار المعرفة، بيروت، لبنان.

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٩٥.

سُخْرَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السُّخْرَةُ لُغَةً: مَا سَخَّرْتَهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ بِلاَ أَجْرٍ وَلاَ ثَمَنٍ، وَيُقَال: لِلْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ. يُقَال سَخَّرَهُ سُخْرًا أَوْ سُخْرِيًّا: أَيْ كَلَّفَهُ مَا لاَ يُرِيدُ وَقَهَرَهُ، وَالسُّخْرَةُ أَيْضًا: مَنْ يَسْخَرُ مِنْهُ النَّاسُ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلسُّخْرَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْجَارَةُ:

٢ - الإِْجَارَةُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى تَمْلِيكِ مَنْفَعَةٍ

_________

(١) لسان العرب، المصباح المنير مادة: (سخر)، القاموس والمعجم الوسيط، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٠، كشاف القناع ٤ / ٧٨، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٥٤، الخرشي ٦ / ١٤٣، نهاية المحتاج ٥ / ١٦٩، روضة الطالبين ٥ / ١٤، حاشية ابن عابدين ٥ / ١١٤، البحر الرائق ٨ / ١٢٣.

بِعِوَضٍ. وَالأُْجْرَةُ مَا يَلْتَزِمُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْل الْمُؤَجِّرِ عِوَضًا عَنِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِجَارَةٍ) لِبَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَبِالأُْجْرَةِ مِنَ الأَْحْكَامِ.

ب - الْعُمَالَةُ:

٣ - الْعُمَالَةُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - هِيَ أُجْرَةُ الْعَامِل، يُقَال اسْتَعْمَلْتُهُ: أَيْ جَعَلْتُهُ عَامِلًا (١) .

ج - الْجَعَالَةُ:

٤ - الْجَعَالَةُ الْتِزَامُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (جَعَالَةٍ) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَسْخِيرِ الْعَامِل دُونَ أَجْرٍ، وَلاَ يَجُوزُ إِجْبَارُهُ أَوْ إِكْرَاهُهُ عَلَى قَبُول عَمَلٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَاعْتَبَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ التَّعَدِّي الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ. فَمَنْ قَهَرَ عَامِلًا وَسَخَّرَهُ فِي عَمَلٍ ضَمِنَ أُجْرَتَهُ لاِسْتِيفَائِهِ مَنَافِعَهُ الْمُتَقَوِّمَةَ؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْعَامِل مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فَضُمِنَتْ بِالتَّعَدِّي، وَالأُْجْرَةُ فِي مُقَابِل الْعَمَل مِنْ مُقَوِّمَاتِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَمَعْلُومِيَّتُهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَإِنْ خَلاَ مِنْهَا، أَوْ فَسَدَ الْعَقْدُ، أَوْ

_________

(١) المصباح المنير مادة: (عمل) .

سَمَّى مَا لاَ يَصِحُّ أُجْرَةً وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى أَجْرِ الْمِثْل. هَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَتَفْصِيلُهُ فِي (إِجَارَةٍ) .

٦ - وَالأَْصْل أَنَّ الاِنْتِفَاعَ بِعَمَل الإِْنْسَانِ أَنْ يَكُونَ بِرِضَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ كَالإِْجَارَةِ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَأَنْ يَتَطَوَّعَ بِمَعُونَةِ شَخْصٍ أَوْ خِدْمَتِهِ، وَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى الأَْفْرَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَنْطَبِقُ عَلَى الدَّوْلَةِ فِيمَنْ تَسْتَعْمِلُهُمْ مِنْ عُمَّالٍ، إِلاَّ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُسَخِّرَ بَعْضَ النَّاسِ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ تَقْتَضِيهَا مَصْلَحَةُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَجُوزُ تَسْخِيرُهُمْ بِدُونِ أَجْرٍ، وَتُلْزَمُ الدَّوْلَةُ بِإِجْرَاءِ أُجُورِهِمْ فِي مُقَابِل مَا يَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالٍ.

٧ - وَيَشْهَدُ لِهَذَا الأَْصْل جُمْلَةٌ مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ:

مِنْهَا: أَنَّ لِلْعَامِل فِي الدَّوْلَةِ أَجْرًا يُجْرِيهِ لَهُ وَلِيُّ الأَْمْرِ، وَلاَ يَخْلُو هَذَا الأَْجْرُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:

الْحَال الأَْوَّل: أَنْ يُسَمِّيَ الْوَالِي لِلْعَامِل أَجْرًا مَعْلُومًا: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الأَْجْرَ إِذَا وَفَّى الْعِمَالَةَ حَقَّهَا، فَإِنْ قَصَّرَ رُوعِيَ تَقْصِيرُهُ، فَإِنْ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ بَعْضِ الْعَمَل لَمْ يَسْتَحِقَّ جَارِي مَا قَابَلَهُ، وَإِنْ كَانَ خِيَانَةً مَعَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَل اسْتَكْمَل جَارِيهِ وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ مَا خَانَ فِيهِ، وَإِنْ زَادَ فِي الْعَمَل رُوعِيَتِ الزِّيَادَةُ فِي الأَْجْرِ.

الْحَال الثَّانِي: أَنْ يُسَمِّيَ لِلْعَامِل أَجْرًا مَجْهُولًا: فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل أَجْرَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِل، فَإِنْ كَانَ جَارِي الْعَمَل مُقَدَّرًا فِي الدِّيوَانِ وَعَمِل

بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُمَّال صَارَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ جَارِي الْمِثْل.

الْحَال الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يُسَمِّيَ لَهُ أَجْرًا مَعْلُومًا وَلاَ مَجْهُولًا.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ جَارِيَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِهِ؛ لِخُلُوِّ عَمَلِهِ مِنْ عِوَضٍ. وَذَهَبَ الْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّ لَهُ جَارِيَ مِثْلِهِ لاِسْتِيفَاءِ عَمَلِهِ عَنْ إِذْنِهِ. وَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَهَرْ فَلاَ جَارِيَ لَهُ.

وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ دُعِيَ إِلَى الْعَمَل فِي الاِبْتِدَاءِ أَوْ أُمِرَ بِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ فَإِنِ ابْتَدَأَ بِالطَّلَبِ فَأَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَل فَلاَ جَارِيَ لَهُ (١) .

وَنَظِيرُ هَذَا الْخِلاَفِ مَا تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ (جَعَالَةٍ) فِي مَسْأَلَةِ الْخِلاَفِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل فِي حَالَةِ الإِْذْنِ لَهُ بِالْعَمَل أَوْ عَدَمِ الإِْذْنِ حَيْثُ اسْتُوفِيَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَلْتُرَاجَعْ فِي مُصْطَلَحِ: (جَعَالَةٍ ف ٣١ - ٣٤)

٨ - وَمِنَ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِاسْتِعْمَال الدَّوْلَةِ لِلْعُمَّال بِأَجْرٍ، مَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى صِنَاعَةٍ مِنَ الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلاَحَةِ وَالنِّسَاجَةِ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١١.