الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

عَلَى الْعُلَمَاءِ، فَأَفْتَوْا بِصِحَّتِهَا، وَجَوَازِ الْقَضَاءِ بِهَا.

د - وَلاَ بُدَّ فِي السِّجِل مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الْحُكْمِ، وَمُسْتَنَدِهِ، مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

هـ - وَيَتَضَمَّنُ السِّجِل صُدُورَ الْحُكْمِ عَلَنًا، وَالإِْشْهَادَ عَلَيْهِ، وَتَوْقِيعَ الْقَاضِي، وَالنَّصَّ عَلَى أَنَّهُ حُرِّرَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَفِيهِ حُكْمُهُ، وَقَضَاؤُهُ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمَحْكُومِ لَهُ.

وَلاَ بُدَّ مِنْ عَرْضِ نُسْخَةِ السِّجِل عَلَى الْقَاضِي، لِتَدْقِيقِهَا حَتَّى لاَ يَكُونَ فِيهَا أَيُّ خَلَلٍ (١) .

حِفْظُ السِّجِلاَّتِ:

١١ - إِنَّ أَوَّل مَا يَبْدَأُ بِهِ الْقَاضِي إِذَا تَقَلَّدَ عَمَلَهُ هُوَ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى مَا فِي الدِّيوَانِ مِنْ وَثَائِقَ، وَوَدَائِعَ، وَأَمْوَالٍ.

وَلاَ يَتِمُّ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ جَرْدِهِ بِمَعْرِفَةِ أَمِينَيْنِ أَوْ أَمِينٍ وَاحِدٍ، وَبِحُضُورِ الْقَاضِي السَّابِقِ، أَوْ أَمِينِهِ.

ثُمَّ يُوضَعُ كُل نَوْعٍ مُسْتَقِلًّا عَمَّا سِوَاهُ، لِسُهُولَةِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَضَعُ عَلَيْهِ خَتْمَهُ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٦ / ١٦٢ - ١٦٤، وأدب القاضي للماوردي ٢ / ٦٤، ٧٦، ٣٠٣، والمحرر ص ٢١٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٨٣، ٥٤٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٣٩، والمغني ١٠ / ١٦٠، وكشاف القناع ٦ / ٣٦١ - ٣٦٣.

خَوْفَ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ (١) .

وَبِهَذَا يُحْفَظُ مَا فِي الدِّيوَانِ مَهْمَا تَعَاقَبَ الْقُضَاةُ.

وَمَا يُنَظِّمُهُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ، وَالسِّجِلاَّتِ، وَالْوَثَائِقِ الأُْخْرَى يُكْتَبُ عَلَيْهِ نَوْعُهُ، وَاسْمُ صَاحِبِهِ فَيَقُول: مَحْضَرُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ.

وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمِهِ، وَمَا اجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ، أَوْ أُسْبُوعٍ فَإِنَّهُ يُفْرِدُهُ، وَيَضُمُّهُ فِي إِضْبَارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَكْتُبُ عَلَى ظَاهِرِهَا مَحَاضِرُ يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا. . وَيَفْعَل ذَلِكَ فِي كُل مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ فِي الشَّهْرِ، وَفِي السَّنَةِ. وَيَضَعُ عَلَى ذَلِكَ خَاتَمَهُ، وَيَحْفَظُهُ فِي خِزَانَتِهِ وَتَحْتَ مُرَاقَبَتِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَخْرِجُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَعْرِفَتِهِ، وَمُشَاهَدَتِهِ (٢) .

_________

(١) كنز الدقائق مع البحر الرائق ٦ / ٢٩٩، ٣٠٠، والهداية مع فتح القدير، وشرح العناية ٥ / ٤٦٢ - ٤٦٣، والبناية ٧ / ١٧ - ١٨، وشرح أدب القاضي للخصاف ١ / ٢٥٨ - ٢٦٣ (ف ١٢٧، ١٢٩، ١٣١، ١٣٤) ومجمع الأنهر ٢ / ١٥٦، ودرر الحكام ٢ / ٤٦١، ٥٠٠، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٦، وحاشية الرملي ٢ / ٢٣٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٦٩، ٣٧٠، وأدب القاضي للماوردي ١ / ٢٢٠ (ف ٢٨٧)، والتنبيه ٢٥١ - ٢٥٢، والمحرر ٢٠ / ٢٠٤، والمغني ١٠ / ١٣١، ومطالب أولي النهى ٦ / ٧٤، وكشاف القناع ٦ / ٣٠٦.

(٢) المبسوط ١٦ / ٩٠ - ٩١، وتحفة الفقهاء للسمرقندي ٣ / ٥٤٠ - ٥٤١ تحقيق محمد المنتصر الكتاني ووهبه الزحيلي - دار الفكر - دمشق، وفتاوى قاضيخان ٢ / ٣٦٥ - مطبوعة مع الفتاوى الهندية، والكافي لابن عبد البر ص ٩٥٤ مكتبة الرياض الحديثة - الرياض - ط ٢ - ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، والأم ٦ / ٢١١، ومختصر المزني ٨ / ٣٠٠ مطبوع مع الأم وأدب القاضي للماوردي ٢ / ٧٧ - ٧٨ (ف ٢١٤٣ - ٢١٤٦)، وكتاب القضاء لابن أبي الدم ١٢٢ - ٢٣ (ف ٦٣)، والتنبيه ص ٢٥٧، وحاشية الشرواني ١٠ / ١٤٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٦، والمحرر ٢ / ٢١٤، والمغني ١٠ / ١٦٠، وكشاف القناع ٦ / ٣١٣، ٣٦٣.

وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ إِلاَّ إِذَا أَشْرَفَ الْقَاضِي عَلَى الدِّيوَانِ، وَرَاقَبَ كُتَّابَهُ، وَأُمَنَاءَهُ، وَمَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَبِمَعْرِفَتِهِمْ (١) .

تَعَدُّدُ نُسَخِ السِّجِل:

١٢ - تُكْتَبُ الْمَحَاضِرُ، وَالسِّجِلاَّتُ، وَالْوَثَائِقُ عَلَى نُسْخَتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْمَحْكَمَةِ، وَعَلَيْهَا اسْمُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ صَاحِبُ الْوَثِيقَةِ، وَخَاتَمُ الْقَاضِي، وَتَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلرُّجُوعِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ.

وَالأُْخْرَى: تُعْطَى لِلْمَحْكُومِ لَهُ، أَوْ صَاحِبِ الْوَثِيقَةِ، لِتَكُونَ حُجَّةً بِالْحَقِّ، وَهِيَ غَيْرُ مَخْتُومَةٍ. وَيَجْرِي ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ.

ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْوَثَائِقُ تُكْتَبُ مُرَتَّبَةً فِي كِتَابٍ

_________

(١) شرح أدب القاضي للخصاف ٣ / ٧٣ (ف ٦١٦) .

يَجْمَعُهَا، وَبِحَسَبِ مَا يَسَعُ مِنْهَا، وَيُحْفَظُ فِي الدِّيوَانِ، وَهُوَ أَكْثَرُ حِفْظًا، وَأَحْوَطُ (١) .

فَإِنْ ضَاعَتِ النُّسْخَةُ الَّتِي فِي يَدِ ذِي الشَّأْنِ، وَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي نُسْخَةً أُخْرَى، أَسْعَفَ طَلَبَهُ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْفِقْدَانِ، وَتَارِيخِهَا، حَتَّى لاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ الْوَارِدُ فِيهَا مَرَّتَيْنِ (٢) .

عَمَل الْقَاضِي بِمَا يَجِدُهُ فِي سِجِلِّهِ:

١٣ - إِذَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ مَحْضَرًا كَانَ قَدْ كَتَبَهُ بِإِقْرَارٍ، أَوْ شَهَادَةٍ بِحَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ، أَوْ وَجَدَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْخُذُ بِهِ، وَلاَ يُنْفِذُهُ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْهُ. وَبِهَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةُ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ الأَْخْذِ بِكُل ذَلِكَ، وَاعْتِمَادِهِ، وَتَنْفِيذِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ؛ لِعَجْزِ الْقَاضِي عَنْ حِفْظِ الْحَادِثَةِ؛ وَلأَِنَّ وُجُودَ

_________

(١) شرح أدب القاضي للخصاف ١ / ٢٥٩، ٤ / ١٢٢ (ف ١٢٨، ١١٣٢)، ومجمع الأنهر ٢ / ١٥٦، ودرر الحكام ٢ / ٥٠٠، وأدب القاضي للماوردي ٢ / ٦٥، ٧٦، ٣٠٣ (ف ٢٠٨٨، ٢١٣٩، ٣١٩٥)، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٥، والسراج الوهاج ص ٥٩٣، وتحفة المحتاج ١٠ / ١٤٤، وشرح المحلي ٤ / ٣٠٤، وحاشية البجيرمي ٤ / ٣٥٤، والمغني ١٠ / ١٦٠، والمحرر ص ٢١٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٥٤٥، ٥٤٧، وكشاف القناع ٦ / ٣٦١، ٣٦٣.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٣٩٢، وأدب القاضي للماوردي ٢ / ٢١ (ف ٢٣٢٣) .

هَذِهِ الْوَثَائِقِ فِي الدِّيوَانِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى صِحَّتِهَا، وَبُعْدِهَا عَنِ التَّزْوِيرِ، وَالتَّحْرِيفِ.

وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَلَيْهِ عُرْفُ الْقُضَاةِ مِنَ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِيِّ (١) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ مُوَافِقٌ لِقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الأَْصَحِّ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ. وَلَكِنِ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل مُتَّفِقٌ مَعَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (٢) .

_________

(١) المبسوط ١٦ / ٩٢ - ٩٣ و١٨ / ١٧٤، والكنز ٧ / ٧٢، وشرح أدب القاضي للخصاف ٣ / ١٠٥ (ف ٦٣٦)، ودرر الحكام ٢ / ٤٦١، والدر المنتقى ٢ / ١٥٦، ١٩١، ١٩٢، وفتح القدير ٦ / ١٩، ومعين الحكام ١١٩، ومجمع الأنهر ٢ / ١٩٢، والبناية ٧ / ١٤٩، والبحر الرائق ٧ / ٧٢، والفتاوى البزازية ٥ / ١٨٤، والفتاوى الهندية ٣ / ٣٤٠، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٤٠٥ - ٤٠٦، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٣٧، وأدب القاضي للماوردي ٢ / ٧٩ (ف ٢١٥٥، ٢١٥٦)، والأم ٧ / ١٥٢، والمغني ١٠ / ١٦١.

(٢» تبصرة الحكام ٢ / ٣٩، ٤٣، ٤٩، وحلى المعاصم ١ / ١٠٢، ١٠٣، والبهجة ١ / ١٠٢، ١٠٣، وإحكام الأحكام ٣٢، والأم ٧ / ١٥٢، ١٥٣، ٢١١، وأدب القاضي للماوردي ١ / ٢٢١، ٢ / ٧٨ (ف ٢٨٩، ٢١٤٩)، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٩، والسراج الوهاج ٥٩٣، وشرح المحلي ٤ / ٣٠٤ - ٣٠٥، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ١٠ / ١٤٩، وأدب القضاء لابن أبي الدم ١٢٣ (ف ٦٥)، وشرح منهج الطلاب ٤ / ٣٥٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٣٧ - البابي الحلبي - مصر، والمحرر ٢ / ٢١١، والمغني ١٠ / ١٦١، والإنصاف ١١ / ٣٠٧، ومطالب أولي النهى ٦ / ٥٣٢، والطرق الحكمية لابن القيم ٢٠٤، ٢٠٥ - تحقيق محمد حامد الفقي - السنة المحمدية - مصر - ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٣ م، وفي الترغيب: أن رواية عدم التنفيذ هي الأشهر (الإنصاف ١١ / ٣٠٧) .

وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ لإِثْبَاتِ صِحَّةِ مَا فِي الدِّيوَانِ مِنَ الْوَثَائِقِ فِي الْقَوْل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لاَ تُسْمَعُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ. وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى خِلاَفِهِ.

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَثِيقَةٌ، وَادَّعَى أَحَدٌ أَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِكَذَا، فَإِنْ تَذَكَّرَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَقْبَل بَيِّنَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ قَدْ قَضَى بِهِ، وَلاَ يَأْخُذُ بِهَا فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ.

وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول الْبَيِّنَةِ، وَإِمْضَاءِ الْقَضَاءِ.

وَلَوْ ضَاعَ سِجِلٌّ مِنْ دِيوَانِ الْقَاضِي، فَشَهِدَ كَاتِبَاهُ عَلَى مَا فِيهِ، تَعَيَّنَ قَبُول هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَاعْتِمَادُهَا (١) .

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٢٠، والبناية ٧ / ١٥٠، والبحر الرائق ٧ / ٥١، ٧٢، والكافي ٩٥٥، وكتاب القضاء لابن أبي الدم ١٢٤ (ف ٦٦)، والمغني ١٠ / ١٦١، والمبسوط ١٦ / ٩٤، والفتاوى الخانية ٢ / ٤٧٤، والفتاوى الهندية ٣ / ٣٤١.

عَمَل الْقَاضِي بِمَا يَجِدُهُ فِي سِجِل قَاضٍ سَابِقٍ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَأْخُذُ بِمَا يُوجَدُ فِي دِيوَانِهِ مِنْ سِجِلاَّتِ الْقُضَاةِ السَّابِقِينَ وَمَحَاضِرِهِمْ، وَلاَ يَعْتَمِدُهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَخْتُومَةً، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا وَرَدَ فِيهَا شَاهِدَانِ.

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الدِّيوَانِ مِنْ رُسُومٍ تَضَمَّنَتْ أَوْقَافًا فِي أَيْدِي الأُْمَنَاءِ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ الْخَوْفُ مِنْ ضَيَاعِ حُقُوقِ الْوَقْفِ عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَلِذَا كَانَ قَوْلُهُمْ هَذَا اسْتِحْسَانًا.

وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ وَجَدَ الْقَاضِي حُكْمَ سَلَفِهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ لَمْ يَجُزْ إِنْفَاذُهُ بِالإِْجْمَاعِ.

وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي الدِّيوَانِ الْعَامِّ مِنْ وَثَائِقَ تُحَدِّدُ حُقُوقَ الدَّوْلَةِ، وَحُقُوقَ الأَْفْرَادِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ اعْتِمَادُهَا، وَإِنْفَاذُهَا.

وَكَذَلِكَ خَطُّ الْمُفْتِي، وَكُتُبُ الْفِقْهِ الْمَوْثُوقَةُ، وَكِتَابُ أَهْل الْحَرْبِ بِطَلَبِ الأَْمَانِ، وَقَرَارَاتُ الدَّوْلَةِ، وَمَا فِي دَفْتَرِ الصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ وَالتَّاجِرِ وَنَحْوِهِمْ، فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الأَْخْذُ بِكُل ذَلِكَ، وَاعْتِمَادُهُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ عَلَى صِحَّةِ مَضْمُونِهِ، وَمُحْتَوَاهُ (١) .

_________

(١) الدر المنتقى ٢ / ١٥٦، ١٩٢، وشرح أدب القاضي للخصاف ٣ / ٩٨، ١٠٧، والبحر الرائق ٧ / ٧٢، والفتاوى البزازية ٥ / ١٦١، والفتاوى الهندية ٣ / ٣٤١، ٣٥٠، والمدونة المجلد الخامس ص ١٤٥، وتبصرة الحكام ١ / ٥٥، ٦١، ومواهب الجليل ٦ / ١٠٦، وأدب القاضي للماوردي ١ / ٢٢١ (ف ٢٨٩)، والتنبيه ٢٥٧، والمغني ١٠ / ١٦١، ومطالب أولي النهى ٦ / ٥٣٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٢٥٧، ٤٠٥، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين ٢ / ١٩ - المطبعة الميمنية - مصر - ١٣١٠ هـ، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤١٣، و٥ / ٣٧٠، ٤٣٥، ٤٣٧، والأحكام السلطانية للماوردي ٢١٥، والأحكام السلطانية للفراء ٢٣٨، والطرق الحكمية ٢٠٥، وحاشية البجيرمي ٤ / ٣٥٦، وتحفة المحتاج ١٠ / ١٥٠، والمبسوط ١٦ / ٩٢، ٩٣، ومجمع الأنهر ٢ / ١٩٢، والكنز ٧ / ٣، والبناية ٧ / ١٤٩ - ١٥٠، وتنوير الأبصار ٥ / ٤٣٥ - ٤٣٦، ومعين الحكام ١٢٣.

نَقْصُ مَا فِي السِّجِل مِنْ أَحْكَامٍ:

١٥ - إِنَّ كُل نَقْصٍ مِنْ مُقَوِّمَاتِ السِّجِل الَّتِي سَبَقَتْ يُعْتَبَرُ خَلَلًا مُؤَثِّرًا فِي صِحَّتِهِ. وَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الآْتِيَةِ:

أ - إِذَا خَلاَ السِّجِل مِنَ الإِْشَارَةِ إِلَى الْمُتَخَاصِمَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّتِهِ. كَمَا لَوْ كَتَبَ فِيهِ: حَضَرَ فُلاَنٌ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلاَنًا، فَادَّعَى هَذَا الَّذِي حَضَرَ، عَلَيْهِ. . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ: (عَلَى هَذَا الَّذِي أَحْضَرَ مَعَهُ) . بَدَلًا مِنْ (عَلَيْهِ) .

وَكَذَا عِنْدَ ذِكْرِ الْخَصْمَيْنِ فِي أَثْنَاءِ السِّجِل لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ضَمِيرِ الإِْشَارَةِ، فَيَكْتُبُ: الْمُدَّعِي هَذَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا.

ب - وَلَوْ لَمْ يَنُصَّ فِي السِّجِل عَلَى حُضُورِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ

خَلَلٌ فِي السِّجِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ لاَ يَرَوْنَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ خَلاَ مِنَ النَّصِّ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ بِحُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَصُدُورِ الْحُكْمِ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ (١) .

ج - وَإِنْ كَانَ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَكِيلٌ وَكَتَبَ فِي السِّجِل ثُبُوتَ الْوَكَالَةِ دُونَ كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهَا: هَل هُوَ الْبَيِّنَةُ، أَوِ الْمُشَافَهَةُ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي وَمَعْرِفَتِهِ بِالْوَكِيل وَالْمُوَكِّل، فَإِنَّ ذَلِكَ خَلَلٌ فِي السِّجِل.

وَأَمَّا الْغَلَطُ بِاسْمِ الْوَكِيل وَجَعْلُهُ مَحَل الْمُوَكِّل، وَجَعْل الْمُوَكِّل مَحَل الْوَكِيل، فَذَلِكَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ السِّجِل، إِلاَّ عَلَى قَوْل بَعْضِ الْمَشَايِخِ (٢) .

د - وَفِي دَعْوَى الْوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، إِذَا خَلاَ السِّجِل مِنْ ثُبُوتِ مَوْتِ الأَْبِ، وَالإِْيصَاءِ، وَمِنَ الإِْذْنِ الْحُكْمِيِّ مِنَ الْقَاضِي، وَالإِْذْنِ بِالْقَبْضِ، فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ رَدَّهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهُ لإِثْبَاتِ صِحَّةِ الْخُصُومَةِ (٣) .

هـ - وَكُل سِجِلٍّ خَلاَ مِنْ سَبَبِ الدَّعْوَى، فَإِنَّهُ

_________

(١) جامع الفصولين ١ / ٨٦، ٢٦١، و٢ / ٢٤٦، ٢٥٤، ودرر الحكام ٢ / ٥١٢، ومعين الحكام ١٣٣، والفتاوى الهندية ٦ / ٢٣٨.

(٢) جامع الفصولين ٢ / ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦١، والفتاوى الهندية ٦ / ٢٤٧.

(٣) جامع الفصولين ٢ / ٢٣٩ - ٢٤٠، والفتاوى الهندية ٦ / ٢١٦.

مَرْدُودٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (١) .

وَلَوْ أَنَّ السِّجِل خَلاَ مِنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْقُضَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ صَارُوا لاَ يَرَوْنَ ذَلِكَ خَلَلًا، وَهُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَمَل عِنْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَلاَ حَاجَةَ لِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَاضِرِ.

وَتَرْكُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ خَلَلٌ فِي مَحْضَرِ الدَّعْوَى. وَأَمَّا فِي السِّجِل، فَلَوْ كَتَبَ فِيهِ: وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى مُوَافَقَةِ الدَّعْوَى، دُونَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّتِهِ. وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ أَفْتَى بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ (٢) .

ووَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ فِي السِّجِل عَلَى وَجْهِ الإِْيجَازِ: ثَبَتَ عِنْدِي مِنَ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّةِ السِّجِل مَا لَمْ يُبَيِّنْ وَسِيلَةَ الإِْثْبَاتِ. وَقِيل يُفْتَى بِصِحَّتِهِ (٣) .

_________

(١) جامع الفصولين ٢ / ٢٥٩.

(٢) شرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٨٢ (ف ٦٢٤)، وتبصرة الحكام ١ / ٦٩ - ٩٧، والتاج والإكليل ٦ / ١٤٤، والعقد المنظم للحكام ٢ / ٢٠٢ - ٢٠٣، والبهجة ١ / ٧٤، ٨٢، وجامع الفصولين ١ / ٨٦، ٢ / ٢٥٨، ومعين الحكام ١٣٤، وحاشية الرملي ١ / ٨٦، والفتاوى الهندية ٦ / ١٦٠، ٢٤٧.

(٣) جامع الفصولين ١ / ٨٧، ومعين الحكام ١٣٤، وحاشية الرملي ١ / ٨٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١١٧ - ١١٨.