الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤
الإِْسْلاَمِ طَعْنًا ظَاهِرًا (١) .
سَبُّ الصَّحَابَةِ ﵃:
٢٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ سَبُّ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ. (٢)
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُهُ، فَإِنْ وَقَعَ السَّبُّ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ مَذْهَبَانِ:
الأَْوَّل: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا، قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ شَتَمَهُمْ بِمَا يَشْتُمُ بِهِ النَّاسُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِلًّا، نَقَل عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِل فِيمَنْ شَتَمَ صَحَابِيًّا الْقَتْل؟ فَقَال: أَجَبْنَ عَنْهُ، وَيُضْرَبُ. مَا أَرَاهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ.
الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، نَقَلَهُ الْبَزَّازِيُّ عَنِ الْخُلاَصَةِ: إِنْ كَانَ السَّبُّ لِلشَّيْخَيْنِ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٢٣٠، وتبيين الحقائق ٤ / ٢٨١ ط بولاق الأولى، الزرقاني على المواهب ٥ / ٣٢١، الجمل على المنهج ٥ / ٢٢٧، كشف الأسرار ٤ / ٣٥٥، دار الكتاب العربي، الطحطاوي على الدر ٤ / ٧٧ دار المعرفة.
(٢) حديث: " لا تسبوا أصحابي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٢١ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٦٨ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ للبخاري.
يَكْفُرُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ قَال فِيهِمْ: كَانُوا عَلَى ضَلاَلٍ وَكُفْرٍ، وَقَصَرَ سَحْنُونٌ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ سَبَّ الأَْرْبَعَةَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَهُوَ مُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، ضَعَّفَهُ الْقَاضِي وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا، وَقِيل: وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِل. (١)
سَبُّ الإِْمَامِ:
٢١ - يَحْرُمُ سَبُّ الإِْمَامِ، وَيُعَزَّرُ مَنْ سَبَّهُ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَسْتَوْفِي الإِْمَامُ التَّعْزِيرَ بِنَفْسِهِ.
وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالسَّبِّ كَالتَّصْرِيحِ (٢) .
سَبُّ الْوَالِدِ:
٢٢ - يَحْرُمُ سَبُّ الاِبْنِ وَالِدَهُ، أَوِ التَّسَبُّبُ فِي سَبِّهِ، جَاءَ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٢٣٧، تبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ٢٨٦، معالم السنين ٤ / ٣٠٨، الجمل على المنهج ٥ / ١٢٢، القليوبي ٤ / ١٧٥، إعانة الطالبين ٤ / ٢٩٢، نهاية المحتاج ٧ / ٤١٦، الإنصاف ١٠ / ٣٢٤، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٦٠، الفتاوى البزازية ٦ / ٣١٩.
(٢) العناية على الهداية هامش الفتح ٤ / ٢٦٢، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٠٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٠، والتحفة مع حواشي الشرواني وابن قاسم ٩ / ١٧٧، والمغني ٨ / ١١١، والإنصاف ١٠ / ٣٢٢.
أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُل وَالِدَيْهِ، قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُل وَالِدَيْهِ؟، قَال: يَسُبُّ الرَّجُل أَبَ الرَّجُل فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ. (١)
وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُصَرِّحُ بِهَذِهِ الْكَبِيرَةِ وَالْبَعْضُ لاَ يَذْكُرُهَا وَلَعَلَّهُ اعْتِمَادًا عَلَى وُرُودِهَا فِي السُّنَّةِ.
وَيُعَزَّرُ الْوَلَدُ فِي سَبِّ أَبِيهِ. (٢)
سَبُّ الاِبْنِ:
٢٣ - لاَ يُعَزَّرُ مَنْ سَبَّ وَلَدَهُ، وَذَكَرَ الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ أَنَّ دَوَامَ سَبِّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ بِحُكْمِ الْغَضَبِ يَجْرِي مَجْرَى الْفَلَتَاتِ فِي غَيْرِهِ وَلاَ يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الْوَالِدِ. (٣)
هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْوَالِدَ لاَ يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى لاَ يُعَزَّرُ فِي الشَّتْمِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوَالِدَ يُعَزَّرُ فِي شَتْمِ وَلَدِهِ. (٤)
_________
(١) حديث: " إن من أكبر الكبائر أن يلعن. . . . " تقدم تخريجه ف / ٣.
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ٢٠، إعانة الطالبين ٤ / ٣٨٣، وفتح القدير للشوكاني ٢ / ١٥١، والإنصاف ١٠ / ٢٤٠.
(٣) الموافقات في أصول الشريعة ١ / ١٣٧، تبصرة ابن فرحون ٢ / ٣٠٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٦١، الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٨.
(٤) الطحطاوي على الدر ٢ / ٢٤١٢.
سَبُّ الْمُسْلِمِ:
٢٤ - سَبُّ الْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ. قَال النَّوَوِيُّ: يَحْرُمُ سَبُّ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ. رَوَيْنَا فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، (١) وَإِذَا سَبَّ الْمُسْلِمَ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، وَحَكَى بَعْضُهُمُ الاِتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَالتَّعْرِيضُ كَالسَّبِّ، وَهَذَا إِذَا وَقَعَ السَّبُّ بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (٢)
سَبُّ الذِّمِّيِّ:
٢٥ - سَبُّ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ مَعْصِيَةٌ، وَيُعَزَّرُ الْمُسْلِمُ إِنْ سَبَّ الْكَافِرَ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: سَوَاءٌ أَكَانَ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا، يَعْلَمُ مَوْتَهُ عَلَى الْكُفْرِ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. (٣)
_________
(١) حديث: " سباب المسلم فسوق ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٦٤ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٨١ - ط الحلبي) .
(٢) فتح القدير ٤ / ٢١٣، تبصرة ابن فرحون ٢ / ٣١٠، أسهل المدارك ٣ / ١٩٢، فتح العلي المالك ٢ / ٣٤٧، إعانة الطالبين ٤ / ٢٨٣ - ٢٨٤، المغني لابن قدامة ٨ / ١١، ٢٢٠، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٤٧، ٣٦١، ٣٨٥، التحفة مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم ٩ / ١٧٧، الطحطاوي على الدر ٢ / ٤١٥.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٦١، فتح القدير ٤ / ٢١٨، البناني ١٠ / ٢٥٠، إعانة الطالبين ٤ / ٢٨٣، الطحطاوي على الدر ٢ / ٤١٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٦١.
النَّهْيُ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ:
٢٦ - يَحْرُمُ سَبُّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (١)
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الآْيَةِ لاَ تَسُبُّوا آلِهَةَ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا إِلَهَكُمْ (٢) .
سَبُّ السَّابِّ قِصَاصًا:
٢٧ - أَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِمَنْ سَبَّهُ أَحَدٌ أَنْ يَسُبَّهُ بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ كَاذِبًا، وَلاَ قَاذِفًا، نَحْوُ: يَا أَحْمَقُ، وَيَا ظَالِمُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو أَحَدٌ عَنْهُمَا، قَالُوا: وَعَلَى الأَْوَّل إِثْمُ الاِبْتِدَاءِ.
صَرَّحَ بِهَذَا فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ الْقِصَاصَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ فِرْيَةٌ أَيْ قَذْفٌ.
وَلاَ يُخَالِفُ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: لاَ تَأْدِيبَ إِذَا كَانَ فِي مُشَاتَمَةٍ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ نَال مِنْ صَاحِبِهِ.
وَجَعَل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ خِلاَفَ الأَْوْلَى. (٣)
_________
(١) سورة الأنعام / ١٠٨.
(٢) الشوكاني ٢ / ١٥٤، أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٥ ط دار الكتاب، تبصرة ابن فرحون ٢ / ٣٧٧، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٤٣ ط دار المعرفة.
(٣) التحفة مع حواشي الشرواني وابن قاسم ٩ / ١٢٣، ١٧٧، فتاوى ابن زياد وهامش بغية المسترشدين ص ٢٤٩، الإنصاف ١٠ / ٢٥٠، والقليوبي ٤ / ١٨٥، وتبصرة ابن فرحون ٢ / ٣٠٦، وفتح القدير ٤ / ٢١٨، والهندية ٣ / ١٦٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٣ / ٨٢٤.
اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ بِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ زَيْنَبَ لَمَّا سَبَّتْ عَائِشَةَ ﵄ قَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ سُبِّيهَا. (١)
وَيَشْهَدُ لِقَوْل الْحَنَفِيَّةِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَال: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لاَ يَقُول شَيْئًا إِلاَّ صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا رَسُول اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، قَال: لاَ تَقُل: عَلَيْكَ السَّلاَمُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُل: السَّلاَمُ عَلَيْكَ قَال. قُلْتُ: أَنْتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ قَال: أَنَا رَسُول اللَّهِ الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ أَوْ فَلاَةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ قَال قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، قَال: لاَ تَسُبَّنَّ أَحَدًا قَال: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلاَ عَبْدًا وَلاَ بَعِيرًا وَلاَ شَاةً، قَال: وَلاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ
_________
(١) حديث: " قوله لعائشة: سبيها ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٠٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله المنذري بتضعيف راو فيه، وبجهالة الراوية عن عائشة، كذا في مختصر السنن (٧ / ٢٢٣ - نشر دار المعرفة) .
وَجْهُكَ، إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَال الإِْزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلاَ تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَال ذَلِكَ عَلَيْهِ. (١)
٢٨ - وَيُسْتَثْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ عِدَّةُ صُوَرٍ أَهَمُّهَا:
١ - سَبُّ الاِبْنِ: فَلاَ يُقْتَصُّ مِنْ أَبِيهِ إِذَا سَبَّهُ.
٢ - الإِْمَامُ الأَْعْظَمُ: إِذَا سُبَّ فَلاَ يَقْتَصُّ بِنَفْسِهِ.
٣ - الصَّائِمُ: إِذَا سَبَّهُ أَحَدٌ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسُبَّهُ، فَالسَّبُّ يُحْبِطُ أَجْرَ الصِّيَامِ. (٢)
يَقُول ﷺ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَل، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُل إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ. (٣)
سَبُّ الأَْمْوَاتِ:
٢٩ - قَال الْعُلَمَاءُ يَحْرُمُ سَبُّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَسُبُّوا الأَْمْوَاتَ
_________
(١) حديث جابر بن سليم: " رأيت رجلًا يصدر الناس في رأيه. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٤٤ - ٣٤٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.
(٢) إعانة الطالبين ٢ / ٢٥٠، ٤ / ٣٨٣، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ٢٠، فتح القدير للشوكاني ٢ / ١٥١، الإنصاف ١٠ / ٢٤٠، والعناية على الهداية بهامش فتح القدير ٤ / ٢١٢.
(٣) حديث: " الصيام جنة ". أخرجه مالك (١ / ٣١٠ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وهو في البخاري كذلك (الفتح ٤ / ١٠٣ - ط السلفية) دون قوله: " فإذا كان أحدكم صائمًا ".
فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا. (١)
وَأَمَّا الْكَافِرُ، وَالْمُسْلِمُ الْمُعْلِنُ بِفِسْقِهِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ لِلسَّلَفِ لِتَعَارُضِ النُّصُوصِ فِيهِ.
قَال ابْنُ بَطَّالٍ: سَبُّ الأَْمْوَاتِ يَجْرِي مَجْرَى الْغِيبَةِ، فَإِنْ كَانَ أَغْلَبُ أَحْوَال الْمَرْءِ الْخَيْرَ وَقَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْفَلْتَةُ فَالاِغْتِيَابُ لَهُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا مُعْلِنًا فَلاَ غِيبَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ. (٢)
سَبُّ الدَّهْرِ:
٣٠ - وَرَدَتْ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَال: أَنَا الدَّهْرُ، الأَْيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ. (٣)
قَال ابْنُ حَجَرٍ وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِل لِلْمَكْرُوهِ فَسَبُّهُ خَطَأٌ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِل، فَإِذَا سَبَبْتُمْ مَنْ أَنْزَل ذَلِكَ بِكُمْ رَجَعَ السَّبُّ إِلَى اللَّهِ. (٤)
_________
(١) حديث: " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٥٨ - ط السلفية) من حديث عائشة.
(٢) الفتاوى الحديثية ص ١١٠ ط الميمنية، والأذكار ص ١٤١، نيل الأوطار ٤ / ١٢٣ ط مصطفى الحلبي.
(٣) حديث: " لا تسبوا الدهر ". أخرجه أحمد (٢ / ٤٩٦ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في المجمع (٨ / ٧١ - ط القدسي)، وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٤) فتح الباري ١٠ / ٤٦٦ - ٤٦٧ ط دار المعرفة، الصارم المسلول ص ٥٦٢.
سَبُّ الرِّيحِ:
٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا. (١)
قَال الشَّافِعِيُّ: لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيَاحَ، فَإِنَّهَا خَلْقٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُطِيعٌ، وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ، يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنِعْمَةً إِذَا شَاءَ.
سَبُّ الْحُمَّى:
٣٢ - قَال النَّوَوِيُّ: يُكْرَهُ سَبُّ الْحُمَّى، رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل عَلَى أُمِّ السَّائِبِ - أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ - فَقَال مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ - تُزَفْزِفِينَ (٢) قَالَتْ: الْحُمَّى، لاَ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَال: لاَ تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ " (٣) .
وَلأَِنَّهَا تُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْمُؤْمِنِ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَدِيثٍ: الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ (٤)
_________
(١) حديث: " الريح من روح الله ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٢٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٤ / ٢٨٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) تزفزفين: أي: ترتعدين من الحمى (الأذكار) .
(٣) حديث جابر: " أن رسول الله دخل على أم السائب ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٣ - ط الحلبي) .
(٤) حديث: " الحمى حظ المؤمن من النار " أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤ / ٤٤٨ - ط دار الكتب العلمية) من حديث عثمان بن عفان بلفظ: " الحمى حظ المؤمن في الدنيا من النار يوم القيامة ". وقال: في إسناده نظر، ويروى من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا، وله شاهد من ح أخرجه أحمد (٢ / ٤٤٠ - ط الميمنية)، والحاكم (١ / ٣٤٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
فَالْحُمَّى لِلْمُؤْمِنِ تُكَفِّرُ خَطَايَاهُ فَتُسَهِّل عَلَيْهِ الْوُرُودَ عَلَى النَّارِ فَيَنْجُو مِنْهُ سَرِيعًا.
وَقَال الزَّيْدُ الْعِرَاقِيُّ: إِنَّمَا جُعِلَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُغَيِّرِ لِلْجِسْمِ، وَهَذِهِ صِفَةُ جَهَنَّمَ، فَهِيَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ فَتَمْنَعُهُ مِنْ دُخُول النَّارِ. (١)
_________
(١) الأذكار ص ١٦٢، ٣٢٣، والفتاوى الحديثية ص ١٠٣، والزرقاني على المواهب اللدنية ٧ / ١٤٠ - ١٤١.