الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

حُكْمُ السَّبِّ:

٥ - الْمُسْتَقْرِئُ لِصُوَرِ السَّبِّ يَجِدُ أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الآْتِيَةُ:

أَوَّلًا: الْحُرْمَةُ: وَهِيَ أَغْلَبُ أَحْكَامِ السَّبِّ وَقَدْ يَكْفُرُ السَّابُّ، كَالَّذِي يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ يَسُبُّ الرَّسُول ﷺ أَوِ الْمَلاَئِكَةَ.

ثَانِيًا: الْكَرَاهَةُ: كَسَبِّ الْحُمَّى.

ثَالِثًا: خِلاَفُ الأَْوْلَى: وَذَلِكَ إِذَا سَبَّ الْمَشْتُومُ شَاتِمَهُ بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ بِهِ، عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.

رَابِعًا: الْجَوَازُ: نَحْوَ سَبِّ الأَْشْرَارِ، وَسَبِّ السَّابِّ بِقَدْرِ مَا سَبَّ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ (١) .

أَلْفَاظُ السَّبِّ:

٦ - مِنْ أَلْفَاظِ السَّبِّ قَوْلُهُ: كَافِرٌ، سَارِقٌ، فَاسِقٌ، مُنَافِقٌ، فَاجِرٌ، خَبِيثٌ، أَعْوَرُ، أَقْطَعُ، ابْنُ الزَّمِنِ، الأَْعْمَى، الأَْعْرَجُ، كَاذِبٌ، نَمَّامٌ. (٢)

وَمِنْ أَلْفَاظِ السَّبِّ مَا يُحْكَمُ بِكُفْرِ قَائِلِهِ، نَحْوَ سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَحَدِ أَنْبِيَائِهِ الْمُجْمَعِ عَلَى

_________

(١) الأذكار ص ٣٢٣، وانظر تفسير القرطبي عند قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) الآية (٣٩) من سورة الشورى، وقوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) الآية (١٤٨) من سورة النساء.

(٢) المغني ٨ / ٢٢٠.

نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ مَلاَئِكَتِهِ، أَوْ دِينِ الإِْسْلاَمِ، وَيُنْظَرُ حُكْمُهُ فِي (رِدَّةٍ) .

وَمِنْهَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَهُوَ لَفْظُ السَّبِّ بِالزِّنَا، وَهُوَ الْقَذْفُ، وَيُنْظَرُ حُكْمُهُ فِي (قَذْفٍ) .

وَمِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ، وَمِنْهُ مَا لاَ يَقْتَضِي تَعْزِيرًا كَسَبِّ الْوَالِدِ وَلَدَهُ.

إِثْبَاتُ السَّبِّ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْزِيرِ:

٧ - يَثْبُتُ السَّبُّ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْزِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَجْرِي فِيهِ الْيَمِينُ وَيُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُول. (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكْفِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ، أَوْ لَفِيفٌ مِنَ النَّاسِ.

وَاللَّفِيفُ: الْمُرَادُ بِهِ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ. (٢)

حُكْمُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى:

٨ - سَبُّ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ.

فَإِنْ وَقَعَ مِنْ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا حَلاَل الدَّمِ. (٣)

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ١٦٧، وفتح القدير ٤ / ٢١٣.

(٢) الخرشي ٨ / ٧٤.

(٣) تبصرة ابن فرحون ٢ / ٢٨٤ - ط بيروت، ابن عابدين على الدر ٤ / ٢٣٨، الفتاوى البزازية هامش الهندية ٦ / ٣٢١، التحفة مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي ٩ / ٦٩، مغني ابن قدامة ٨ / ١٥٠ - ط الرياض، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٠ / ٣٥٦ - ط إحياء التراث الإسلامي، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٩٠.

وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فَقَطْ فِي اسْتِتَابَتِهِ.

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّةٍ) .

التَّعْرِيضُ بِسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى:

٩ - التَّعْرِيضُ بِالسَّبِّ كَالسَّبِّ، صَرَّحَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، نَقَل حَنْبَلٌ: مَنْ عَرَّضَ بِشَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ فَعَلَيْهِ الْقَتْل مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا. (١)

سَبُّ الذِّمِّيِّ لِلَّهِ تَعَالَى:

١٠ - لاَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي سَبِّ الذِّمِّيِّ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ سَبِّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ حَيْثُ الْقَتْل، وَنَقْضُ الْعَهْدِ، وَيَتَّضِحُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ سَبِّ الذِّمِّيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ (٢) .

_________

(١) الشرواني على تحفة المحتاج ٩ / ١٧٧، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٠ / ٣٣٣، نهاية المحتاج ٨ / ٢٠.

(٢) أسنى المطالب شرح روض الطالب ٤ / ٢٢٣، فتح القدير ٤ / ١١، الزرقاني على المواهب ٥ / ٣١٧، ٣١٩.

حُكْمُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ:

سَبُّ الْمُسْلِمِ النَّبِيَّ ﷺ:

١١ - إِذَا سَبَّ مُسْلِمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا. (١) وَفِي اسْتِتَابَتِهِ خِلاَفٌ (٢) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٍ) .

سَبُّ الذِّمِّيِّ النَّبِيَّ ﷺ:

١٢ - لِلْعُلَمَاءِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ فِي حُكْمِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ.

فَقِيل: إِنَّهُ يُنْقَضُ أَمَانُهُ بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَقِيل غَيْرُ ذَلِكَ. (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْل الذِّمَّةِ) .

وَيُقْتَل وُجُوبًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا السَّبِّ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ إِسْلاَمًا غَيْرَ فَارٍّ بِهِ مِنَ الْقَتْل لَمْ

_________

(١) الفتاوى البزازية ٦ / ٣٢١ - ٣٢٢، فتاوى عليش ٢ / ٢٥، تبصرة ابن فرحون ٢ / ٢٨٦، الجمل على المنهج ٥ / ١٣٠، التحفة مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي ٨ / ٩٦، مغني ابن قدامة ٨ / ١٥٠، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٠ / ٣٢٦، ٣٣٢، الزرقاني على المواهب ٥ / ٣١٨، ٣١٩ - ط دار المعرفة.

(٢) الفتاوى البزازية ٦ / ٣٢٢، والزرقاني على المواهب ٥ / ٣٢١، منح الجليل ٤ / ٤٧٧، فتح العلي المالك ٢ / ٢٥، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٠ / ٣٣٢.

(٣) فتح القدير ٤ / ٣٨١، ٤٠٧، منح الجليل ٤ / ٤٧٧، الزرقاني على خليل ٣ / ١٤٧، الخرشي ٤ / ١٤٩، المغني لابن قدامة ٨ / ٢٣٣، ٥٢٥، الإنصاف ١٠ / ٣٣٣.

يُقْتَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . (١)

قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَل إِذَا أَسْلَمَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الأَْصْلِيَّ يُقْتَل بِسَبِّهِ ﵊، وَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ مِنْ أَجْل حَقِّ الآْدَمِيِّ، لأَِنَّا نَعْلَمُ بَاطِنَهُ فِي بُغْضِهِ وَتَنْقِيصِهِ بِقَلْبِهِ لَكِنَّا مَنَعْنَاهُ مِنْ إِظْهَارِهِ، فَلَمْ يَزِدْنَا مَا أَظْهَرَهُ إِلاَّ مُخَالَفَتَهُ لِلأَْمْرِ، وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ سَقَطَ مَا قَبْلَهُ، بِخِلاَفِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّا ظَنَنَّا بَاطِنَهُ بِخِلاَفِ مَا بَدَا مِنْهُ الآْنَ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ انْتِقَاضَ الْعَهْدِ بِمِثْل ذَلِكَ، انْتَقَضَ عَهْدُ السَّابِّ وَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْل وَالاِسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ إِنْ لَمْ يَسْأَل الذِّمِّيُّ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ. (٣)

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ نَبِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الأَْنْبِيَاءِ، وَكَذَا الرُّسُل إِذِ النَّبِيُّ أَعَمُّ مِنَ الرَّسُول عَلَى الْمَشْهُورِ. (٤)

وَالأَْنْبِيَاءُ الَّذِينَ تَخُصُّهُمْ هَذِهِ الأَْحْكَامُ هُمُ الْمُتَّفَقُ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ، أَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُمْ فَلَيْسَ

_________

(١) سورة الأنفال / ٣٨.

(٢) الزرقاني على خليل ٣ / ١٤٧، الخرشي ٤ / ١٤٩.

(٣) الجمل على المنهج ٥ / ٢٢٧، شرح روض الطالب ٤ / ٢٢٣.

(٤) تبصرة الحكام ص ١٩٢ - ١٩٣، وتبصرة ابن فرحون ٢ / ٢٨٨، إعانة الطالبين ٤ / ١٣٦، الهندية ٢ / ٢٦٣، الزرقاني على خليل ٣ / ١٤٧.

حُكْمُ مَنْ سَبَّهُمْ كَذَلِكَ. وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ أَوْ آذَاهُمْ، وَيُؤَدَّبُ بِقَدْرِ حَال الْقَوْل فِيهِمْ، لاَ سِيَّمَا مَنْ عُرِفَتْ صِدِّيقِيَّتُهُ وَفَضْلُهُ مِنْهُمْ كَمَرْيَمَ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُ، وَلاَ عِبْرَةَ بِاخْتِلاَفِ غَيْرِنَا فِي نُبُوَّةِ نَبِيٍّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، كَنَفْيِ الْيَهُودِ نُبُوَّةَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ.

التَّعْرِيضُ بِسَبِّ الأَْنْبِيَاءِ:

١٣ - التَّعْرِيضُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ كَالتَّصْرِيحِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ. (١)

وَيُقَابِلُهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّعْرِيضَ لَيْسَ كَالتَّصْرِيحِ. (٢)

وَقَدْ ذَكَرَ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةَ الْفَتْوَى مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ التَّلْوِيحَ كَالتَّصْرِيحِ.

سَبُّ السَّكْرَانِ النَّبِيَّ ﷺ:

١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ السَّكْرَانِ إِذَا سَبَّ فِي سُكْرِهِ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، هَل يَكُونُ مُرْتَدًّا

_________

(١) الزرقاني على المواهب ٥ / ٣١٥، منح الجليل ٤ / ٤٧٦، ٤٧٨، شرح روض الطالب ٤ / ١٢٢، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٨٦، ٣٩٠، الإنصاف ١٠ / ٣٣٣، معين الحكام ص ١٩٢، إعانة الطالبين ٤ / ١٣٩، الدسوقي ٤ / ٣٠٩.

(٢) تبصرة ابن فرحون ٢ / ٢٨٦.

بِذَلِكَ؟ وَهَل يُقْتَل؟ وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (سُكْرٍ) .

الإِْكْرَاهُ عَلَى سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الرَّسُول ﷺ:

١٥ - الإِْكْرَاهُ عَلَى سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سَبِّ رَسُولِهِ ﷺ لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ إِكْرَاهًا عَلَى الْكُفْرِ، وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ غَالِبًا فِي بَابِ الرِّدَّةِ أَوِ الإِْكْرَاهِ.

وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَقِيَّةٍ، رِدَّةٍ، إِكْرَاهٍ) .

سَبُّ الْمَلاَئِكَةِ:

١٦ - حُكْمُ سَبِّ الْمَلاَئِكَةِ لاَ يَخْتَلِفُ عَنْ حُكْمِ سَبِّ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

قَال عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا فِيمَنْ حَقَّقْنَا كَوْنَهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ كَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَخَزَنَةِ الْجَنَّةِ وَخَزَنَةِ النَّارِ وَالزَّبَانِيَةِ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَكَعِزْرَائِيل، وَإِسْرَافِيل وَرِضْوَانَ، وَالْحَفَظَةِ، وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَّفَقِ عَلَى كَوْنِهِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِي سَابِّهِمْ وَالْكَافِرِ بِهِمْ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ قَدَّمْنَاهُ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ وَآذَاهُمْ، وَيُؤَدَّبُ حَسَبَ حَال الْمَقُول فِيهِمْ.

وَحَكَى الزَّرْقَانِيُّ عَنِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ يُقْتَل مَنْ

سَبَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِمْ. (١)

قَتْل الْقَرِيبِ الْكَافِرِ إِذَا سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوِ الرَّسُول أَوِ الدِّينَ:

١٧ - الأَْصْل أَنَّهُ يُكْرَهُ قَتْل الْقَرِيبِ الْكَافِرِ حَتَّى فِي الْغَزْوِ. لَكِنَّهُ إِنْ سَبَّ الإِْسْلاَمَ أَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ يُبَاحُ لَهُ قَتْلُهُ؛ لأَِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَتَل أَبَاهُ، (٢) وَقَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ: سَمِعْتُهُ يَسُبُّكَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ.

(٣) وَوَرَدَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُول فِيكَ قَوْلًا قَبِيحًا فَقَتَلْتُهُ، فَلَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. (٤)

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٣٤ ط مصطفى الحلبي الثانية، معين الحكام ص ١٩٢ - ١٩٣، منح الجليل ٤ / ٤٧٦، الزرقاني على المواهب ٥ / ٣١٥، الجمل على المنهج ٥ / ١٢، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٨٦.

(٢) المهذب ٢ / ٢٢٣، الطحطاوي على الدر ٢ / ٤٤٣، الزرقاني على المواهب ٥ / ٣٢١.

(٣) حديث: " أن أبا عبيدة ابن الجراح قتل أباه ". أخرجه البيهقي (٩ / ٢٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) بمعناه من حديث عبد الله بن شودنب مرسلًا، وقال البيهقي: " هذا منقطع ". وقال ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٠٢ - ط شركة الطباعة الفنية): " معضل، وكان الواقدي ينكره، ويقول: مات والد أبي عبيدة قبل الإسلام ".

(٤) حديث: " أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني سمعت أبي يقول. . . . " أورده الزرقاني في شرح المواهب (٥ / ٣٢١ - ط المطبعة الأزهرية) وعزاه إلى ابن قانع.

سَبُّ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ:

١٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ سَبَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا مِمَّا بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ كُفْرٌ؛ لأَِنَّ السَّابَّ بِذَلِكَ كَذَّبَ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَنَّهَا مُحْصَنَةٌ.

أَمَّا إِنْ قَذَفَ سَائِرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْل ذَلِكَ فَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ قَذْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا.

أَمَّا إِنْ كَانَ السَّبُّ بِغَيْرِ الْقَذْفِ لِعَائِشَةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ صَرَّحَ الزَّرْقَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ السَّابَّ يُؤَدَّبُ، وَكَذَا الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَذْفِ وَبَيْنَ السَّبِّ بِغَيْرِ الْقَذْفِ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يُقَيِّدُونَ السَّبَّ الْمُكَفِّرَ بِأَنَّهُ السَّبُّ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. وَمَنْ صَرَّحَ بِالْقَتْل بِالسَّبِّ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ سَبٌّ هُوَ قَذْفٌ. (١)

سَبُّ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ:

١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ مِلَّةَ

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٤١٦، الجمل على المنهج ٥ / ١٢٢، إعانة الطالبين ٤ / ٢٩٢، ابن عابدين ٤ / ٢٣٧، أسنى المدارك ٣ / ١٩٢، الإنصاف ١٠ / ٢٢٢، والزرقاني على خليل ٨ / ٧٤ ط دار الفكر، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٥٦، وتحفة المحتاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم ٨ / ١٢٣، ومعين الحكام ص ١٩٢، تبصرة ابن فرحون ٢ / ٢٨٧، شرح روض الطالب ٤ / ١١٧، الصارم المسلول ص ٥٦٧.

الإِْسْلاَمِ أَوْ دِينَ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ كَافِرًا، أَمَّا مَنْ شَتَمَ دِينَ مُسْلِمٍ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكْفُرَ مَنْ شَتَمَ دِينَ مُسْلِمٍ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ التَّأْوِيل بِأَنَّ الْمُرَادَ أَخْلاَقُهُ الرَّدِيئَةُ وَمُعَامَلَتُهُ الْقَبِيحَةُ لاَ حَقِيقَةَ دِينِ الإِْسْلاَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَكْفُرَ حِينَئِذٍ. (١)

قَال الْعَلاَّمَةُ عُلَيْشٌ: يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ بَعْضِ شِغْلَةِ الْعَوَامِّ كَالْحَمَّارَةِ وَالْجَمَّالَةِ وَالْخَدَّامِينَ سَبُّ الْمِلَّةِ أَوِ الدِّينِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَ الشَّرِيعَةَ الْمُطَهَّرَةَ، وَالأَْحْكَامَ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا، ثُمَّ إِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. (٢)

فَإِنْ وَقَعَ السَّبُّ مِنَ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ سَبِّ اللَّهِ أَوِ النَّبِيِّ، ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (٣)

نُقِل عَنْ عَصْمَاءَ بِنْتِ مَرْوَانَ الْيَهُودِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَعِيبُ الإِْسْلاَمَ، وَتُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَتُحَرِّضُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهَا عَمْرُو بْنُ عَدِيٍّ الْخِطْمِيُّ.

قَالُوا: فَاجْتَمَعَ فِيهَا مُوجِبَاتُ الْقَتْل إِجْمَاعًا.

وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: يَجُوزُ قَتْلُهُ وَيُنْقَضُ عَهْدُهُ إِنْ طَعَنَ فِي

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٣٠، فتاوى الرملي هامش الفتاوى الكبرى الفقهية ٤ / ٢٠، وفتح العلي المالك ٢ / ٣٤٧.

(٢) فتح العلي المالك ٢ / ٦، ٣٤٧، ٣٤٨.

(٣) الجمل على المنهج ٥ / ٢٢٧.