الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

أَنْوَاعُ الْمُسَابَقَةِ:

الْمُسَابَقَةُ نَوْعَانِ: مُسَابَقَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَمُسَابَقَةٌ بِعِوَضٍ.

أ - الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ:

٦ - الأَْصْل أَنَّهُ تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الأَْقْدَامِ وَبِالسُّفُنِ وَالطُّيُورِ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ وَالْمَزَارِيقِ (١)، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الأَْصْل بَعْضُ الصُّوَرِ يَأْتِي بَيَانُهَا قَرِيبًا.

وَتَجُوزُ الْمُصَارَعَةُ وَرَفْعُ الْحَجَرِ لِيُعْرَفَ الأَْشَدُّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَائِشَةَ فَسَابَقَتْهُ عَلَى رِجْلِهَا فَسَبَقَتْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَال: هَذِهِ بِتِلْكَ. (٢)

وَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ رَجُلًا مِنَ الأَْنْصَارِ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ. (٣) وَصَارَعَ النَّبِيُّ ﷺ رُكَانَةَ فَصَرَعَهُ. (٤)

_________

(١) المزاريق جمع مزراق، والمزراق: رمح قصير أخف العنزة (المصباح) .

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ كان في سفر مع عائشة فسابقته ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.

(٣) حديث: " سابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٣٩ - ط الحلبي) .

(٤) حديث: " صارع النبي ﷺ ركانة فصرعه ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٤٧ - ط الحلبي) وقال: إسناده ليس بالقائم، وأورد له ابن حجر ما يقويه في التلخيص (٤ / ١٦٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .

﴿وَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْمٍ يَرْبَعُونَ حَجَرًا يَعْنِي يَرْفَعُونَهُ لِيَعْرِفُوا الأَْشَدَّ مِنْهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، (١) وَسَائِرُ الْمُسَابَقَةِ يُقَاسُ عَلَى هَذَا. هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.

٧ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ السِّبَاقِ أَنْ يَكُونَ فِي الأَْنْوَاعِ الأَْرْبَعَةِ: الْحَافِرِ، وَالْخُفِّ، وَالنَّصْل، وَالْقَدَمِ لاَ فِي غَيْرِهَا. لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَال: لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ. (٢) إِلاَّ أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ السَّبْقُ فِي الْقَدَمِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، فَفِيمَا وَرَاءَهُ بَقِيَ عَلَى أَصْل النَّفْيِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلأَِنَّهُ لَعِبٌ، وَاللَّعِبُ حَرَامٌ فِي الأَْصْل. إِلاَّ أَنَّ اللَّعِبَ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ صَارَ مُسْتَثْنًى مِنَ التَّحْرِيمِ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: كُل مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُل الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ. (٣)

حَرَّمَ ﵊ كُل لَعِبٍ وَاسْتَثْنَى الْمُلاَعَبَةَ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ الْمَخْصُوصَةِ، فَبَقِيَتِ

_________

(١) حديث: " مر النبي ﷺ بقوم يرفعون حجرا ". أورده ابن قدامة في المغني (٨ / ٦٠٢ - ط الرياض) ولم يعزه إلى أي مصدر.

(٢) حديث: " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٠٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وقال: حديث حسن.

(٣) حديث: " كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ١٧٤ - ط الحلبي) من حديث عقبة بن عامر، وقال: حديث حسن صحيح.

الْمُلاَعَبَةُ بِمَا وَرَاءَهَا عَلَى أَصْل التَّحْرِيمِ، إِذِ الاِسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَكَذَا الْمُسَابَقَةُ بِالْخُفِّ صَارَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنَ الْحَدِيثِ. (١)

ب - الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ:

٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَصْل جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَابَقَةُ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ السِّبَاقُ بِعِوَضٍ إِلاَّ فِي النَّصْل وَالْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَبِهَذَا قَال الزُّهْرِيُّ.

قَال فِي الْمُغْنِي: الْمُرَادُ بِالنَّصْل هُنَا: السَّهْمُ ذُو النَّصْل، وَبِالْحَافِرِ: الْفَرَسُ، وَبِالْخُفِّ: الْبَعِيرُ. عَبَّرَ عَنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا بِجُزْءٍ مِنْهُ يَخْتَصُّ بِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السِّبَاقَ يَكُونُ فِي الأَْنْوَاعِ الأَْرْبَعَةِ: الْحَافِرِ، وَالْخُفِّ، وَالنَّصْل، وَالْقَدَمِ، لِقَوْلِهِ ﵊: لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، (٢) إِلاَّ أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ السَّبْقُ فِي الْقَدَمِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. (٣)

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٠٦، والدسوقي ٢ / ٢١٠، والقوانين الفقهية ص ١٠٥ ط دار القلم، وأسنى المطالب ٤ / ٢٢٩، والمغني ٨ / ٦٥١.

(٢) حديث: " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر " سبق تخريجه ف / ٧.

(٣) البدائع ٦ / ٢٠٦، والدسوقي ٢ / ٢٠٩، والقوانين الفقهية ص ١٠٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣١١ - ٣١٢، والمغني ٨ / ٦٥٢ - ٦٥٣.

٩ - وَقَدْ تَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ فِي جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى عِوَضٍ فَأَلْحَقُوا بِالسِّهَامِ الْمَزَارِيقَ (الرِّمَاحَ الصَّغِيرَةَ) وَالرِّمَاحَ وَالرَّمْيَ بِالأَْحْجَارِ بِمِقْلاَعٍ أَوْ يَدٍ، وَالرَّمْيَ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَكُل نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ كَالرَّمْيِ بِالْمِسَلاَّتِ (١) وَالإِْبَرِ (٢) وَالتَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ.

هَذَا هُوَ الْمُذَهَّبُ. قَال الْبُلْقِينِيُّ: وَالَّذِي يَظْهَرُ امْتِنَاعُ ذَلِكَ فِي الإِْبْرَةِ، وَجَوَازُهُ فِي الْمِسَلَّةِ إِذَا كَانَ يَحْصُل بِرَمْيِهَا النِّكَايَةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ السَّهْمِ.

وَمُقَابِل الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الصِّحَّةِ فِيمَا ذُكِرَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ.

وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ جَوَازِ رَمْيِ الأَْحْجَارِ الْمُدَاحَاةَ، بِأَنْ يَرْمِيَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَجَرَ إِلَى صَاحِبِهِ، فَالْمُسَابَقَةُ بَاطِلَةٌ قَطْعًا، وَإِشَالَةُ (٣) الْحَجَرِ بِالْيَدِ، وَيُسَمَّى الْعِلاَجُ، وَالأَْكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا النِّقَافُ: (٤) فَلاَ نَقْل فِيهِ. قَال

_________

(١) المسلة: المخيط الكبير، والجمع: المسال. (المصباح وترتيب القاموس المحيط) .

(٢) الإبر: جمع إبرة معروفة وهي المخيط. (المصباح) .

(٣) الإشالة: الرفع. يقال: أشال الحجر وشال به وشاوله: رفعه. (المصباح وترتيب القاموس المحيط) مادة: (شول) .

(٤) النقاف بالنون: المضاربة بالسيوف على الرؤوس (اللسان والقاموس) .

الأَْذْرَعِيُّ: وَالأَْشْبَهُ جَوَازُهُ؛ لأَِنَّهُ يَنْفَعُ فِي حَال الْمُسَابَقَةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ خَشْيَةَ الضَّرَرِ، إِذْ كُلٌّ يَحْرِصُ عَلَى إِصَابَةِ صَاحِبِهِ، كَالْمُلاَكَمَةِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ تَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ عَلَى كُرَةِ الصَّوْلَجَانِ، وَلاَ عَلَى الْبُنْدُقِ يَرْمِي بِهِ إِلَى حُفْرَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلاَ عَلَى السِّبَاحَةِ فِي الْمَاءِ، وَلاَ عَلَى الشِّطْرَنْجِ، وَلاَ عَلَى الْخَاتَمِ، وَلاَ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى رِجْلٍ، وَلاَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ شَفْعٍ أَوْ وِتْرٍ، وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ اللَّعِبِ كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الأَْقْدَامِ وَبِالسُّفُنِ وَالزَّوَارِقِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ لاَ تَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ. هَذَا إِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ، وَإِلاَّ فَمُبَاحٌ. وَأَمَّا الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ عَنْ قَوْسٍ فَظَاهِرُ كَلاَمِ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْمَنْقُول فِي الْحَاوِي الْجَوَازُ. قَال الشَّبْرامَلِّسِي: وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ فِي بُنْدُقِ الْعِيدِ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ، أَمَّا بُنْدُقُ الرَّصَاصِ وَالطِّينِ وَنَحْوِهَا فَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِعِوَضٍ؛ لأَِنَّ لَهُ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ.

وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِالْخَيْل: الْفِيلَةَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ، فَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ وَغَيْرِهِ فِي الأَْظْهَرِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نِصَالٍ.

قَال الإِْمَامُ الْجُوَيْنِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ الْعُدُول عَنْ ذِكْرِ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ إِلَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَلاَ فَائِدَةَ فِيهِ غَيْرُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: قَصْرُ الْحَدِيثِ عَلَى الإِْبِل وَالْخَيْل؛ لأَِنَّهَا الْمُقَاتَل عَلَيْهَا غَالِبًا، أَمَّا بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَجُوزُ.

وَلاَ تَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ عَلَى الْكِلاَبِ وَمُهَارَشَةِ الدِّيَكَةِ، وَمُنَاطَحَةِ الْكِبَاشِ بِلاَ خِلاَفٍ لاَ بِعِوَضٍ وَلاَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ فِعْل ذَلِكَ سَفَهٌ.

وَلاَ عَلَى طَيْرٍ وَصِرَاعٍ، فَلاَ تَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ فِيهِمَا عَلَى عِوَضٍ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ آلاَتِ الْقِتَال.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ عَلَى الطَّيْرِ وَالصِّرَاعِ.

أَمَّا الطَّيْرُ فَلِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي الْحَرْبِ لإِنْهَاءِ الأَْخْبَارِ. وَأَمَّا الصِّرَاعُ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَارَعَ رُكَانَةَ عَلَى شِيَاهٍ. (١)

وَكَذَا كُل مَا لاَ يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ كَالشِّبَاكِ وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى الْبَقَرِ فَتَجُوزُ بِلاَ عِوَضٍ.

وَأَمَّا الْغَطْسُ فِي الْمَاءِ فَإِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِالاِسْتِعَانَةِ بِهِ فِي الْحَرْبِ فَكَالسِّبَاحَةِ فَيَجُوزُ بِلاَ عِوَضٍ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا. (٢)

عَقْدُ الْمُسَابَقَةِ:

١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ صارع ركانة ". سبق تخريجه ف / ٧.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣١١ - ٣١٢، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٤ / ٢٢٩، والشبراملسي على نهاية المحتاج ٨ / ١٥٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٢٨١.

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْمُسَابَقَةِ عَقْدٌ جَائِزٌ كَعَقْدِ الْجِعَالَةِ؛ لأَِنَّ الْعِوَضَ مَبْذُولٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا لاَ يُوثَقُ بِهِ كَرَدِّ الآْبِقِ، فَعَلَى هَذَا لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ.

قَال فِي الْمُغْنِي: وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الزِّيَادَةَ فِيهَا أَوِ النُّقْصَانَ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمِ الآْخِرَ إِجَابَتُهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَرْ لأَِحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الآْخَرِ جَازَ الْفَسْخُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ لأَِحَدِهِمَا فَضْلٌ مِثْل أَنْ يَسْبِقَهُ بِفَرَسِهِ فِي بَعْضِ الْمُسَابَقَةِ أَوْ يُصِيبَ بِسِهَامِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلِلْفَاضِل الْفَسْخُ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمَفْضُول؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لَفَاتَ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ؛ لأَِنَّهُ مَتَى بَانَ لَهُ سَبْقُ صَاحِبِهِ لَهُ فَسَخَهَا وَتَرَكَ الْمُسَابَقَةَ، فَلاَ يَحْصُل الْمَقْصُودُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: عَقْدُ الْمُسَابَقَةِ لاَزِمٌ لَيْسَ لأَِحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَسْخُهُ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْمُسَابَقَةِ لاَزِمٌ لِمَنِ الْتَزَمَ بِالْعِوَضِ. أَمَّا مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا فَجَائِزٌ فِي حَقِّهِ.

وَعَلَى الْقَوْل بِاللُّزُومِ فَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا فَسْخُهُ إِذَا الْتَزَمَا الْمَال وَبَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ؛ لأَِنَّ هَذَا شَأْنُ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، إِلاَّ إِذَا بَانَ بِالْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ عَيْبٌ فَيَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا فِي الأُْجْرَةِ. (١) وَلاَ تَرْكُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٠٦، ومغني المحتاج ٤ / ٣١٢ - ٣١٣، والمغني ٨ / ٦٥٤ - ٦٥٥، والدسوقي ٢ / ٢١١.

الْعَمَل قَبْل الشُّرُوعِ وَبَعْدَهُ، وَلاَ زِيَادَةٌ وَلاَ نَقْصٌ فِي الْعَمَل وَلاَ فِي الْمَال.

الْعِوَضُ:

١١ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا لأَِنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَسَائِرِ الْعُقُودِ. وَيَكُونُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ بِالْقَدْرِ أَوْ بِالصِّفَةِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا. (١)

مَنْ يُخْرِجُ الْعِوَضَ:

١٢ - ١ - إِذَا كَانَتِ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ أَخْرَجَ الْعِوَضَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ الْمُتَسَابِقَيْنِ كَأَنْ يَقُول أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُكَ فَلاَ شَيْءَ لِي عَلَيْكَ.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ هَذَا.

٢ - أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وَهَذَا جَائِزٌ لاَ خِلاَفَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَحَثًّا عَلَى تَعَلُّمِ الْجِهَادِ وَنَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ.

٣ - أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ الرِّهَانُ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٠٦، وابن عابدين ٥ / ٤٧٩، والشرح الصغير ٢ / ٣٢٣ - ٣٢٤، والدسوقي ٢ / ٢٠٨ - ٢٠٩، ومغني المحتاج ٤ / ٣١٣، والمغني ٨ / ٦٥٥.

وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ مِنَ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ. وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَخْرَجَاهُ مُتَسَاوِيًا، مِثْل أَنْ يُخْرِجَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ مُتَفَاوِتًا، مِثْل أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا عَشْرَةً، وَالآْخَرُ خَمْسَةً.

وَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَنَّ هَذَا جَائِزٌ وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحَلِّل.

فَإِنْ أَدْخَلاَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا وَهُوَ ثَالِثٌ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا جَازَ، وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ لِجَوَازِ رُجُوعِ الْجُعْل إِلَى مُخْرِجِهِ.

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ. (١)

فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ قِمَارًا إِذَا أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ لأَِنَّهُ

_________

(١) حديث: " من أدخل فرسا بين فرسين. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٦ - ٦٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة. وصوب إرساله، وصوب أبو حاتم الرازي وقفه على سعيد بن المسيب كذا فيما نقله عنه ابن حجر في التلخيص الحبير (٤ / ١٦٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .

لاَ يَخْلُو كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ. وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُسْبَقَ لَمْ يَكُنْ قِمَارًا لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْ ذَلِكَ. فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّل مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ مُكَافِئًا لِرَمْيَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا مِثْل أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئًا، فَهُوَ قِمَارٌ لِلْخَبَرِ؛ وَلأَِنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا جَازَ.

فَإِنْ جَاءُوا كُلُّهُمُ الْغَايَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَحْرَزَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبْقَ نَفْسِهِ وَلاَ شَيْءَ لِلْمُحَلِّل لأَِنَّهُ لاَ سَابِقَ فِيهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ سَبَقَ الْمُسْتَبِقَانِ الْمُحَلِّل.

وَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّل وَحْدَهُ أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ وَحْدَهُ أَحْرَزَ سَبْقَ نَفْسِهِ وَأَخَذَ سَبْقَ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْمُحَلِّل شَيْئًا.

وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقِينَ وَالْمُحَلِّل أَحْرَزَ السَّابِقُ مَال نَفْسِهِ وَيَكُونُ سَبَقُ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّل نِصْفَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَبِقُونَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى لَوْ كَانُوا مِائَةً وَبَيْنَهُمْ مُحَلِّلٌ لاَ سَبَقَ مِنْهُ، جَازَ.

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُحَلِّل جَمَاعَةً جَازَ؛ لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ. (١)

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٠٦، والدسوقي ٢ / ٢١٠، ومغني المحتاج ٤ / ٣١٣ - ٣١٤، والمغني ٨ / ٦٥٨ - ٦٥٩.