الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

وَقَال أَحْمَدُ: إِنْ مَاتَ الْعَتِيقُ وَخَلَّفَ مَالًا وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا اشْتُرِيَ بِمَالِهِ رِقَابٌ فَأُعْتِقُوا، وَقَدْ أَعْتَقَ ابْنُ عُمَرَ عَبْدًا سَائِبَةً فَمَاتَ فَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ بِمَالِهِ رِقَابًا فَأَعْتَقَهُمْ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَال: كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا قَال: أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةٌ فَهُوَ يُوَالِي مَنْ شَاءَ (١) .

ثَانِيًا: تَسْيِيبُ الدَّوَابِّ:

٤ - الأَْصْل أَنَّ تَضْيِيعَ الْمَال حَرَامٌ، وَقَدْ أَبْطَل اللَّهُ ﷾ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَسْيِيبِ دَوَابِّهِمْ وَتَحْرِيمِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا وَجَعْلِهَا لآِلِهَتِهِمْ، وَعَابَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، (٢) وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قَصَبَهُ (أَمْعَاءَهُ) فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ. (٣)

_________

(١) فتح القدير ٨ / ١٥٥، والدسوقي ٤ / ٤١٧، والقرطبي ٦ / ٣٤١، والفواكه الدواني ٢ / ٢٠٩، والقليوبي ٤ / ٣٥١، ومطالب أولي النهى ٤ / ٦٩٦، والمغني ٦ / ٣٥٣ - ٣٥٤، وكشاف القناع ٤ / ٤٩٨ - ٤٩٩.

(٢) سورة المائدة / ١٠٣.

(٣) حديث: " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي ". أخرجه مسلم (٤ / ٢١٩٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَسْيِيبَ الْبَهَائِمِ بِمَعْنَى تَخْلِيَتِهَا وَرَفْعِ الْمَالِكِ يَدَهُ عَنْهَا حَرَامٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَال وَالتَّشَبُّهِ بِأَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، (١) وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ عَلَفٍ وَسَقْيٍ، أَوْ إِقَامَةِ مَنْ يَرْعَاهَا، أَوْ تَخْلِيَتِهَا لِتَرْعَى حَيْثُ تَجِدُ مَا يَكْفِيهَا، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ. (٢)

فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ عَلَفِهَا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا أَوْ ذَبْحِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَل، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُجْبَرُ عَلَى الإِْنْفَاقِ دِيَانَةً وَلاَ يُجْبَرُ قَضَاءً. (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢٢٠، وفتح القدير ٥ / ٤٢٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٢٢٠، والقرطبي ٦ / ٣٣٥، والدسوقي ٤ / ٤١٧، ونهاية المحتاج ٨ / ١١٩، والأم ٦ / ١٨٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٤ - ٣٥٥، وكشاف القناع ٦ / ٢٢٧، والمغني ٨ / ٥٦٣.

(٢) حديث: " دخلت امرأة النار في هرة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٥٦ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢٠٢٢ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

(٣) البدائع ٤ / ٤٠، والقوانين الفقهية ص ٢٢٣، والحطاب ٤ / ٢٠٧، ومغني المحتاج ٣ / ٤٦٢، والمغني ٧ / ٦٣٤ - ٦٣٥.

وَمَنْ سَيَّبَ دَابَّتَهُ فَلاَ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهَا. (١) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَمَنْ سَيَّبَ دَابَّتَهُ فَأَخَذَهَا إِنْسَانٌ فَأَصْلَحَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا. قَال الْحَنَفِيَّةُ: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُول عِنْدَ التَّسْيِيبِ: جَعَلْتُهَا لِمَنْ أَخَذَهَا، فَحِينَئِذٍ لاَ سَبِيل لِصَاحِبِهَا عَلَيْهَا لأَِنَّهُ أَبَاحَ التَّمَلُّكَ، وَفِي الْقِيَاسِ تَكُونُ لِصَاحِبِهَا.

وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ سَيَّبَهَا وَلَمْ يَقُل شَيْئًا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِمَّنْ أَصْلَحَهَا؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ تَمَلُّكُ مَنْ وَجَدَهَا وَأَصْلَحَهَا مِنْ غَيْرِ قَوْل الْمَالِكِ هِيَ لِمَنْ أَخَذَهَا، لَجَازَ ذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ يَتْرُكُهُ مَرِيضًا فِي أَرْضٍ مُهْلِكَةٍ، فَيَأْخُذُهُ رَجُلٌ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَيَبْرَأُ فَيَصِيرُ مِلْكًا لَهُ، وَيَطَأُ الْجَارِيَةَ وَيُعْتِقُ الْعَبْدَ بِلاَ شِرَاءٍ وَلاَ هِبَةٍ وَلاَ إِرْثٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، وَهَذَا أَمْرٌ قَبِيحٌ. (٢)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ تَرَكَ دَابَّتَهُ بِمَهْلَكَةٍ فَأَخَذَهَا إِنْسَانٌ فَأَطْعَمَهَا وَسَقَاهَا وَخَلَّصَهَا مَلَكَهَا، وَبِهَذَا قَال اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ مَرْفُوعًا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا أَنْ يَعْلِفُوهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ. (٣)

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٤٢٢ نشر دار إحياء التراث، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٢٢٠، والأم ٦ / ١٨٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٤ - ٣٥٥، والمغني ٨ / ٥٦٣، ونهاية المحتاج ٨ / ١١٩، والمهذب ١ / ٢٦٤.

(٢) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٤ / ٢٣٣.

(٣) حديث: " من وجد دابة قد عجز عنها أهلها. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٩٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وفي آخره قال الراوي عن الشعبي له: من حدثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ، وإسناده حسن.

قَال الْحَنَابِلَةُ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتْرُكْهَا لِيَرْجِعَ إِلَيْهَا أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ، فَحِينَئِذٍ لاَ يَمْلِكُهَا آخِذُهَا وَتَكُونُ لِرَبِّهَا (١) .

ثَالِثًا: تَسْيِيبُ الصَّيْدِ:

٥ - مَنْ مَلَكَ صَيْدًا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَسْيِيبُهُ وَإِرْسَالُهُ؛ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ السَّوَائِبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ ﷾، وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْمَال، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، سَوَاءٌ أَبَاحَهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ أَوْ لَمْ يُبِحْهُ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ حُرْمَةَ الإِْرْسَال مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا كَانَ الإِْرْسَال مِنْ غَيْرِ إِبَاحَةٍ لأَِحَدٍ، أَمَّا إِذَا أَبَاحَهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ فَيَجُوزُ إِرْسَالُهُ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْحَاصِل أَنَّ إِطْلاَقَ الصَّيْدِ مِنْ يَدِهِ جَائِزٌ إِنْ أَبَاحَهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ، وَقِيل: لاَ يَجُوزُ إِعْتَاقُهُ مُطْلَقًا (أَيْ سَوَاءٌ أَبَاحَهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ أَوْ لَمْ يُبِحْهُ)؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ أَبَاحَهُ فَالأَْغْلَبُ أَنَّهُ لاَ يَبْقَى فِي يَدِ أَحَدٍ فَيَبْقَى سَائِبَةً، وَفِيهِ تَضْيِيعُ الْمَال. (٢)

_________

(١) المغني ٥ / ٧٤٤، وكشاف القناع ٤ / ٢٠١، وعون المعبود ٩ / ٤٣٨.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٢٠ - ٢٢١، ٥ / ٢٥٧، وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ٢٣٣، ومنح الجليل ١ / ٥٨٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧٩، ونهاية المحتاج ٨ / ١١٩، والقليوبي ٤ / ٢٤٧، والمهذب ١ / ٢٦٤، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤١٨، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٤ - ٣٥٥، والمغني ٨ / ٥٦٣.

وَفِي الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ الإِْرْسَال، وَهُوَ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي ثُمَّ قَال: وَالإِْرْسَال هُنَا يُفِيدُ، وَهُوَ رَدُّ الصَّيْدِ إِلَى الْخَلاَصِ مِنْ أَيْدِي الآْدَمِيِّينَ وَحَبْسِهِمْ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ فَأَرْسَلَهُ. هَذَا وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ الإِْرْسَال مَا إِذَا خِيفَ عَلَى وَلَدِ الصَّيْدِ بِحَبْسِ مَا صَادَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ إِرْسَالُهُ صِيَانَةً لِرُوحِهِ.

وَتَسْيِيبُ الصَّيْدِ لاَ يُزِيل مِلْكَ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ لأَِنَّ رَفْعَ الْيَدِ لاَ يَقْتَضِي زَوَال الْمِلْكِ. وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ وَيَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ، وَزَوَال الْمِلْكِ هُوَ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا لَوْ قَال عِنْدَ إِرْسَالِهِ: أَبَحْتُهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ، فَإِنَّ مِلْكَ صَاحِبِهِ يَزُول عَنْهُ وَيُبَاحُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ عِنْدَ إِرْسَالِهِ: أَبَحْتُهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ أَوْ أَبَحْتُهُ فَقَطْ، حَل لِمَنْ أَخَذَهُ

أَكْلُهُ بِلاَ ضَمَانٍ، وَلَهُ إِطْعَامُ غَيْرِهِ، وَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اصْطَادَ شَخْصٌ صَيْدًا وَأَرْسَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَصَادَهُ آخَرُ فَهُوَ لِلثَّانِي اتِّفَاقًا عِنْدَهُمْ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ (١) .

رَابِعًا: تَسْيِيبُ صَيْدِ الْحَرَمِ:

٦ - صَيْدُ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْحَلاَل وَالْمُحْرِمِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ. (٢)

وَمَنْ مَلَكَ صَيْدًا فِي الْحِل ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ دَخَل بِهِ الْحَرَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ، أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَ الصَّيْدَ بِمُجَرَّدِ إِحْرَامِهِ أَوْ دُخُولِهِ الْحَرَمَ، لأَِنَّ الْحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ لِلصَّيْدِ وَيُوجِبُ ضَمَانَهُ فَحَرُمَ اسْتِدَامَةُ إِمْسَاكِهِ كَالإِْحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ وَتَلِفَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: لَوْ أَدْخَل الْحَلاَل مَعَهُ إِلَى الْحَرَمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ لاَ يَضْمَنُهُ، بَل لَهُ إِمْسَاكُهُ فِيهِ وَذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ لأَِنَّهُ صَيْدُ حِلٍّ، ثُمَّ قَال بَعْدَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢٢٠ - ٢٢١، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٤ - ٥٢٥، والمغني ٣ / ٣٤٥.

(٢) حديث: " إن هذا البلد حرمه الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٤٩ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٨٦ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، واللفظ للبخاري.

ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ صَيْدٌ فَأَحْرَمَ، زَال مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَزِمَهُ إِرْسَالُهُ، لأَِنَّهُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ فَتَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (حَرَمٍ، صَيْدٍ، إِحْرَامٍ) .

سَائِقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السَّائِقُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ (سَاقَ)، يُقَال: سَاقَ الإِْبِل يَسُوقُهَا سَوْقًا وَسِيَاقًا، فَهُوَ سَائِقٌ.

وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَجَاءَتْ كُل نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (١) أَيْ سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى الْمَحْشَرِ، وَاسْمُ الْمَفْعُول: (مَسُوقٌ) .

وَسَائِقُ الإِْبِل يَكُونُ خَلْفَهَا بِخِلاَفِ الرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ. فَالرَّاكِبُ يَمْتَطِيهَا وَيَعْلُو عَلَيْهَا، وَالْقَائِدُ يَكُونُ أَمَامَهَا آخِذًا بِقِيَادِهَا (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا سَاقَ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ دَابَّةً أَوْ دَوَابَّ فَجَنَتْ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ أَتْلَفَتْ مَالًا ضَمِنَ السَّائِقُ مَا أَتْلَفَتْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَالِكًا أَمْ غَاصِبًا، أَمْ أَجِيرًا أَمْ مُسْتَأْجِرًا، أَمْ مُسْتَعِيرًا أَمْ مُوصًى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ، وَقَالُوا: لأَِنَّهَا فِي

_________

(١) سورة ق / ٢١.

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.

يَدِهِ، وَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ لَهُ، فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا، وَتَعَهُّدُهَا؛ وَلأَِنَّ إِبَاحَةَ السَّوْقِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ مَشْرُوطَةٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ، فَإِنْ حَصَل تَلَفٌ بِسَبَبِهِ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ فَوَقَعَ تَعَدِّيًا، فَيَكُونُ الْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ فَيَكُونُ مَضْمُونًا، وَهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ بِأَنْ يَذُودَ النَّاسَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَيَضْمَنُ وَسَوَاءٌ أَكَانَ السَّائِقُ رَاجِلًا أَمْ رَاكِبًا. وَخَصَّ الْحَنَابِلَةُ الضَّمَانَ بِمَا تُتْلِفُهُ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا، أَوْ وَطِئَتْ بِرِجْلِهَا. أَمَّا مَا تَنْفَحُهُ بِرِجْلِهَا فَلاَ يُضْمَنُ. (١) لِخَبَرِ الرِّجْل جُبَارٌ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ رِجْل الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ (٣) فَدَل عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي جِنَايَتِهَا بِغَيْرِ رِجْلِهَا، وَخَصَّصَ عَدَمَ الضَّمَانِ بِالنَّفْحِ دُونَ الْوَطْءِ لأَِنَّ مَنْ بِيَدِهِ الدَّابَّةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَنِّبَهَا وَطْءَ مَا لاَ يُرِيدُ أَنْ تَطَأَهُ بِتَصَرُّفِهِ فِيهَا، بِخِلاَفِ نَفْحِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ. (٤)

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٨٠، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٨، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠٤، والقليوبي ٤ / ٢١١، وكشاف القناع ٤ / ١٢٦.

(٢) حديث: " الرجل جبار ". أخرجه أبو داود (٤ / ٧١٤ - ٧١٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٣ / ١٥٢، ١٧٩ - ط دار المحاسن من حديث أبي هريرة، وأعله الدارقطني بالشذوذ) .

(٣) حديث: " رجل العجماء جبار ". عزاه صاحب كشاف القناع (٤ / ١٢٦ - ط الرياض) إلى سعيد بن منصور في سننه.

(٤) كشاف القناع ٤ / ١٢٦.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَضْمَنُ السَّائِقُ إِلاَّ إِذَا حَدَثَ التَّلَفُ بِفِعْلٍ مِنْهُ. (١)

وَإِذَا كَانَ مَعَ السَّائِقِ قَائِدٌ، أَوْ رَاكِبٌ، أَوْ هُمَا وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَصَرَّفُ فِي الدَّابَّةِ اشْتَرَكُوا فِي الضَّمَانِ لاِشْتِرَاكِهِمْ فِي التَّصَرُّفِ. (٢)

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيَجِبُ عَلَى الرَّاكِبِ أَيْضًا الْكَفَّارَةُ فِي صُورَةِ الْقَتْل الْخَطَأِ وَيُحْرَمُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ، أَمَّا الرَّاجِل مِنْهُمْ فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْل لاَ بِالتَّسْبِيبِ، وَالْمُبَاشَرَةُ مِنَ الرَّاكِبِ لاَ مِنْ غَيْرِهِ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (ضَمَانٍ) .

سَائِقُ الْقِطَارِ (الدَّوَابِّ الْمَقْطُورَةِ):

٣ - إِذَا كَانَتِ الدَّوَابُّ قِطَارًا مَرْبُوطًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَيَقُودُهَا قَائِدٌ، وَالسَّائِقُ فِي آخِرِهَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبُ التَّلَفِ. وَإِنْ كَانَ السَّائِقُ فِي وَسَطِ الْقِطَارِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لأَِنَّ السَّائِقَ يَسُوقُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ قَائِدٌ لِمَا خَلْفَهُ، وَالسَّوْقُ وَالْقَوْدُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ. (٤)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ السَّائِقُ فِي آخِرِ

_________

(١) شرح الزرقاني ٨ / ١١٩، حاشية الدسوقي ٤ / ١٥٨.

(٢) كشاف القناع ٤ / ١٢٦، والبدائع ٧ / ٢٨٠.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٢٨٠ - ٢٨١.

(٤) المرجع السابق.