الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
زَكَاةُ الْفِطْرِ
.
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الزَّكَاةِ فِي اللُّغَةِ: النَّمَاءُ، وَالزِّيَادَةُ، وَالصَّلاَحُ، وَصَفْوَةُ الشَّيْءِ، وَمَا أَخْرَجْتَهُ مِنْ مَالِكِ لِتُطَهِّرَهُ بِهِ.
وَالْفِطْرُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إِفْطَارًا (١) .
وَأُضِيفَتِ الزَّكَاةُ إِلَى الْفِطْرِ؛ لأَِنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا، وَقِيل لَهَا فِطْرَةٌ، كَأَنَّهَا مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ: يُقَال لِلْمُخْرَجِ: فِطْرَةٌ. وَالْفِطْرَةُ - بِكَسْرِ الْفَاءِ لاَ غَيْرُ - وَهِيَ لَفْظَةٌ مُوَلَّدَةٌ لاَ عَرَبِيَّةٌ وَلاَ مُعَرَّبَةٌ بَل اصْطِلاَحِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ، فَتَكُونُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً عَلَى الْمُخْتَارِ، كَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ.
وَزَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الاِصْطِلاَحِ: صَدَقَةٌ تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ (٣) .
_________
(١) القاموس المحيط والمصباح ولسان العرب مادة: (زكو) .
(٢) كشاف القناع ٢ / ٢٤٥، ومغني المحتاج ١ / ٤٠١.
(٣) راجع حاشية الشبلي على الزيلعي، وشرح الزيلعي ١ / ٣٠٦، ونيل المآرب ١ / ٢٥٥ ط الفلاح.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
٢ - حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ بِإِغْنَائِهِمْ عَنِ السُّؤَال فِي يَوْمِ الْعِيدِ، وَإِدْخَال السُّرُورِ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمٍ يُسَرُّ الْمُسْلِمُونَ بِقُدُومِ الْعِيدِ عَلَيْهِمْ، وَتَطْهِيرُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ شَهْرِ الصَّوْمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ (١) . رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْل الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ (٣) . وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ
_________
(١) المغني ٣ / ٥٦.
(٢) حديث ابن عباس: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٦٢ - ٢٦٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في المجموع (٦ / ١٦٢ - ط المنيرية) .
(٣) الزيلعي ١ / ٣٠٧، وابن عابدين ٢ / ١١٠، وفتح القدير ٢ / ٣٠، وبلغة السالك ١ / ٢٠٠، وشرح المنهاج ١ / ٦٢٨، وكشاف القناع ١ / ٤٧١.
شَعِيرٍ، عَلَى كُل حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١) . وَبِقَوْلِهِ ﷺ: أَدُّوا عَنْ كُل حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ (٢) وَهُوَ أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ: إِنَّهَا سُنَّةٌ، وَاسْتَبْعَدَهُ الدُّسُوقِيُّ (٣) .
شَرَائِطُ وُجُوبِ أَدَاءِ زَكَاةِ الْفِطْرِ:
يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ أَدَائِهَا مَا يَلِي:
٤ - أَوَّلًا: الإِْسْلاَمُ: وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ الإِْسْلاَمُ شَرْطًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّهَا قُرْبَةٌ مِنَ الْقُرَبِ، وَطُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ الرَّفَثِ وَاللَّغْوِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا فِي الآْخِرَةِ (٤) .
_________
(١) حديث ابن عمر: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦٧ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٧٧ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) حديث: " أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير. . . " أخرجه الدارقطني (٢ / ١٤٧ - ١٤٨ - ط دار المحاسن) وأعله ابن دقيق العيد بالاضطراب في إسناده ومتنه كما في نصب الراية (٢ / ٤٠٨ - ط المجلس العلمي) .
(٣) الدسوقي ١ / ٥٠٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٠١.
(٤) الدر المختار ٢ / ٧٢، وشرح الدردير بحاشية الدسوقي ١ / ٥٠٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٠٢.
٥ - ثَانِيًا: الْحُرِّيَّةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ، وَمَنْ لاَ يَمْلِكُ لاَ يُمَلِّكُ (١) .
٦ - ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى إِخْرَاجِهَا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ مِلْكِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلنِّصَابِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَوِ السَّوَائِمِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، أَوْ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ.
وَالنِّصَابُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ (٢) . فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ هَذَا الْقَدْرُ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَسِلاَحٍ وَفَرَسٍ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
وَفِي وَجْهٍ آخَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَ لاَ يَمْلِكُ نِصَابًا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ. وَلاَ يَجْتَمِعُ جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمِقْدَارِ
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) الدرهم يساوي (٢. ٩٧٥) غرامًا.
(٣) راجع الزيلعي ١ / ٣٠٧ وما بعدها، وبداية المجتهد ١ / ١٦٤ وما بعدها.
الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ أَقَل مِنْ صَاعٍ وَعِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ، بَل قَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِضَ لأَِدَاءِ زَكَاةِ الْفِطْرِ إِذَا كَانَ يَرْجُو الْقَضَاءَ؛ لأَِنَّهُ قَادِرٌ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ لاَ يَرْجُو الْقَضَاءَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ (٢) .
وَاتَّفَقَ جَمِيعُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ مِلْكِ النِّصَابِ عَلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي عِنْدَهُ إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ (٣) .
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ مِلْكِ النِّصَابِ بِأَنَّ مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ، فَمَا زَادَ عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَهْل بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ سَأَل وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَال: أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (٤) .
_________
(١) بلغة السالك ١ / ٢٠١ وما بعدها.
(٢) متن المنهاج مع مغني المحتاج ١ / ٤٠٣، ٦٢٨، والمغني ٣ / ٧٦ وما بعدها، وكشاف القناع ٢ / ٢٤٧ وما بعدها.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) حديث: " من سأل وعنده ما يغنيه. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث سهل بن الحنظلية وإسناده حسن.
دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّا زَادَ عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى اشْتِرَاطِ مِلْكِ النِّصَابِ بِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى (١) . وَالظَّهْرُ هَا هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْقُوَّةِ، فَكَأَنَّ الْمَال لِلْغَنِيِّ بِمَنْزِلَةِ الظَّهْرِ، عَلَيْهِ اعْتِمَادُهُ، وَإِلَيْهِ اسْتِنَادُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ التَّصَدُّقَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ إِذَا كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ مِنْ غِنًى، وَلاَ يُعْتَبَرُ غَنِيًّا إِلاَّ إِذَا مَلَكَ نِصَابًا (٢) .
مَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا، وَعَنْ كُل مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَيَلِي عَلَيْهِ وِلاَيَةً كَامِلَةً. وَالْمُرَادُ بِالْوِلاَيَةِ أَنْ يَنْفُذَ قَوْلُهُ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى، فَابْنُهُ الصَّغِيرُ، وَابْنَتُهُ الصَّغِيرَةُ، وَابْنُهُ الْكَبِيرُ الْمَجْنُونُ، كُل أُولَئِكَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِمْ بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا.
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يُخْرِجُهَا الشَّخْصُ عَنْ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ابْدَأْ
_________
(١) حديث: " لا صدقة إلا عن ظهر غنى ". أخرجه أحمد (٢ / ٢٣٠ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.
(٢) الزيلعي ١ / ٣٠٧ وما بعدها.
بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُول (١) . وَيُخْرِجُهَا عَنْ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، أَمَّا الأَْغْنِيَاءُ مِنْهُمْ، بِأَنْ أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ مَالٌ، أَوْ وَرِثُوا مَالًا، فَيُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً، بَل فِيهَا مَعْنَى النَّفَقَةِ، فَتَجِبُ فِي مَال الصَّبِيِّ، كَمَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ فِي مَالِهِ لأَِقَارِبِهِ الْفُقَرَاءِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: تَجِبُ فِي مَال الأَْبِ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
أَمَّا أَوْلاَدُهُ الْكِبَارُ، فَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَعَمَّنْ يَلُونَ عَلَيْهِمْ وِلاَيَةً كَامِلَةً، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ لاَ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنْهُمْ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُمْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَلِي عَلَيْهِمْ وِلاَيَةً كَامِلَةً فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ مَجْنُونًا، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا أَخْرَجَ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا دَفَعَ عَنْهُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ؛ لأَِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَيَلِي عَلَيْهِ وِلاَيَةً
_________
(١) حديث: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ". قال ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٨٤ - ط شركة الطباعة الفنية): لم أره هكذا، بل في الصحيحين من حديث أبي هريرة: " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " وهو في البخاري (الفتح ٩ / ٥٠٠ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢ / ٦٩٢ - ط الحلبي) من حديث حكيم بن حزام.
كَامِلَةً، فَلَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمُ الْمَذْكُورَةِ: لاَ تَجِبُ عَنْ زَوْجَتِهِ لِقُصُورِ الْوِلاَيَةِ وَالنَّفَقَةِ، أَمَّا قُصُورُ الْوِلاَيَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلِي عَلَيْهَا إِلاَّ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ فَلاَ تُخْرِجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، أَمَّا التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا بِدُونِ إِذْنِهَا فَلاَ يَلِي عَلَيْهِ. وَأَمَّا قُصُورُ النَّفَقَةِ فَلأَِنَّهُ لاَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا إِلاَّ فِي الرَّوَاتِبِ كَالْمَأْكَل وَالْمَسْكَنِ وَالْمَلْبَسِ. وَكَمَا لاَ يُخْرِجُهَا عَنْ زَوْجَتِهِ لاَ يُخْرِجُهَا عَنْ وَالِدَيْهِ وَأَقَارِبِهِ الْفُقَرَاءِ إِنْ كَانُوا كِبَارًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلِي عَلَيْهِمْ وِلاَيَةً كَامِلَةً (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يُخْرِجُهَا الشَّخْصُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُل مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وَهُمُ الْوَالِدَانِ الْفَقِيرَانِ، وَالأَْوْلاَدُ الذُّكُورُ الْفُقَرَاءُ، وَالإِْنَاثُ الْفَقِيرَاتُ، مَا لَمْ يَدْخُل الزَّوْجُ بِهِنَّ. وَالزَّوْجَةُ وَالزَّوْجَاتُ وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتَ مَالٍ، وَزَوْجَةُ وَالِدِهِ الْفَقِيرِ (٣) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ (٤) . أَيْ: تُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ.
_________
(١) مراقي الفلاح ص (٣٩٥) والدر المختار، ورد المحتار ٢ / ٧٥.
(٢) تحفة الفقهاء ج١١ / ٦٨٢ - ٦٨٣ في صدقة الفطر، الطبعة الأولى جامعة دمشق سنة ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨، ابن عابدين ٢ / ٧٧ وما بعدها وفتح القدير ٢ / ٣٠.
(٣) بلغة السالك ١ / ٢٠١ وما بعدها، بداية المجتهد ١ / ١٦٥ - ١٦٦.
(٤) حديث: " أمر رسول الله بصدقة الفطر عن الصغير والكبير. . . " أخرجه الدارقطني (٢ / ١٤١ - ط دار المحاسن)، وصوب وقفه على ابن عمر.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ يُخْرِجُهَا الشَّخْصُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ كُل مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِقَرَابَةٍ، أَوْ زَوْجِيَّةٍ، أَوْ مِلْكٍ، وَهُمْ:
أَوَّلًا: زَوْجَتُهُ غَيْرُ النَّاشِزَةِ وَلَوْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيَّةً، سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَمْ لاَ، أَمْ بَائِنًا حَامِلًا، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِنَّ عَلَيْهِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وَمِثْلُهَا الْخَادِمُ إِذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِأَنْ كَانَ يُعْطَى أَجْرًا كُل يَوْمٍ، أَوْ كُل شَهْرٍ، لاَ يُخْرِجُ عَنْهُ الصَّدَقَةَ؛ لأَِنَّهُ أَجِيرٌ وَالأَْجِيرُ لاَ يُنْفَقُ عَلَيْهِ.
ثَانِيًا: أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَإِنْ عَلَوْا، كَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ.
ثَالِثًا: فَرْعُهُ وَإِنْ نَزَل ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ فُقَرَاءَ.
وَقَالُوا: إِنْ كَانَ وَلَدُهُ الْكَبِيرُ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ أَخْرَجَ الصَّدَقَةَ عَنْهُ، وَقَالُوا: لاَ يَلْزَمُ الاِبْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ الْفَقِيرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ
_________
(١) سورة الطلاق / ٦.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٠٣.
عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ كُل مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُخْرِجُهُ لِجَمِيعِهِمْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَزَوْجَتِهِ، فَأُمِّهِ، فَأَبِيهِ، ثُمَّ الأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ الإِْرْثِ، فَالأَْبُ وَإِنْ عَلاَ مُقَدَّمٌ عَلَى الأَْخِ الشَّقِيقِ، وَالأَْخُ الشَّقِيقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الأَْخِ لأَِبٍ. أَمَّا ابْنُهُ الصَّغِيرُ الْغَنِيُّ فَيُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ (١) .
سَبَبُ الْوُجُوبِ وَوَقْتُهُ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ مُصَحَّحَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ (٢) . دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَدَاءَهَا الَّذِي نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّارِعُ هُوَ قَبْل الْخُرُوجِ إِلَى مُصَلَّى الْعِيدِ، فَعُلِمَ أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ، وَلأَِنَّ تَسْمِيَتَهَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ، تَدُل عَلَى أَنَّ وُجُوبَهَا بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْفِطْرِ؛ لأَِنَّ الْفِطْرَ إِنَّمَا يَكُونُ بِطُلُوعِ فَجْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِفِطْرٍ؛ لأَِنَّهُ فِي كُل لَيْلَةٍ مِنْ
_________
(١) المغني ١ / ٦٤٦ وما بعدها، وكشاف القناع ١ / ٤٧١.
(٢) حديث: " أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٧٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٧٩ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.