الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 66

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَقَدْرِ حَاجَاتِهِمْ، وَاسْتِحْقَاقِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الزَّكَوَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَوْ مَعَهُ لِيَتَعَجَّل وُصُول حَقِّهِمْ إِلَيْهِمْ.

قَالُوا: وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَْصْنَافِ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ، وَلاَ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَفْرَادِ كُل صِنْفٍ إِنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، بَل يَجُوزُ تَفْضِيل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أَمَّا إِنْ قَسَمَ الإِْمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيل مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ، فَإِنْ فَقَدَ بَعْضَ الأَْصْنَافِ أَعْطَى سَهْمَهُ لِلأَْصْنَافِ الْبَاقِيَةِ، وَكَذَا إِنِ اكْتَفَى بَعْضُ الأَْصْنَافِ وَفَضَل شَيْءٌ، فَإِنِ اكْتَفَى جَمِيعُ أَفْرَادِ الأَْصْنَافِ جَمِيعًا بِالْبَلَدِ، جَازَ النَّقْل إِلَى أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِ عَلَى الأَْظْهَرِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.

وَقَال النَّخَعِيُّ: إِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ قَلِيلَةً جَازَ صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِلاَّ وَجَبَ اسْتِيعَابُ الأَْصْنَافِ، وَقَالاَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ: إِنْ أَخْرَجَهَا الإِْمَامُ وَجَبَ اسْتِيعَابُ الأَْصْنَافِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا الْمَالِكُ جَازَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ (١) .

التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَصَارِفِ:

١٨٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ يُبْدَأُ بِهِ قَبْل غَيْرِهِ فِي الإِْعْطَاءِ مِنَ

_________

(١) المجموع ٦ / ١٨٥، ١٨٦، والمغني ٢ / ٦٦٨، ٦٦٩ و٦ / ٤٤٠، شرح المنهاج وحاشيتا القليوبي وعميرة ٣ / ٢٠١، ٢٠٢، الأموال لأبي عبيد ف / ١٨٥١ ص٦٩٢ ط دار الفكر.

الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْ عَمَلِهِ، وَغَيْرُهُ يَأْخُذُ عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ وَهُوَ ثُمُنُ الزَّكَاةِ قَدْرَ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ زَادَ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ الْفَاضِل عَلَى سَائِرِ السِّهَامِ، وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ حَقِّهِ تُمِّمَ لَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَقِيل: مِنْ بَاقِي السِّهَامِ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعَامِل يُقَدَّمُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى سَائِرِ الأَْصْنَافِ، أَيْ مِنْ مَجْمُوعِ الزَّكَاةِ.

أَمَّا مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُقْسَمُ بَيْنَ بَاقِي الأَْصْنَافِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَنَظَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْحَاجَةِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُقَدَّمُ الْمَدِينُ عَلَى الْفَقِيرِ لأَِنَّ حَاجَةَ الْمَدِينِ أَشَدُّ، وَرَاعَى الْحَنَفِيَّةُ أُمُورًا أُخْرَى تَأْتِي فِي نَقْل الزَّكَاةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُزَادَ فِي إِعْطَائِهِ مِنْهَا.

وَنَظَرَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ فَقَالُوا: يُقَدَّمُ الأَْحْوَجُ فَالأَْحْوَجُ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ الأَْقْرَبُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ فِي الْجِوَارِ وَأَكْثَرَ دِينًا، وَكَيْفَ فَرَّقَهَا جَازَ، بَعْدَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الأَْصْنَافِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى (١) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦١، ٦٩، والشرح الكبير ١ / ٤٩٨، والمجموع ٦ / ١٨٧، والمغني ٢ / ٦٨٩، والإنصاف ٣ / ٢٣٩.

نَقْل الزَّكَاةِ:

١٨٥ - إِذَا فَاضَتِ الزَّكَاةُ فِي بَلَدٍ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِهَا جَازَ نَقْلُهَا اتِّفَاقًا، بَل يَجِبُ، وَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا نَقْل الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنَّمَا تُفَرَّقُ صَدَقَةُ كُل أَهْل بَلَدٍ فِيهِمْ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (١) . وَلأَِنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقِّ الْجِوَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ بَلَدُ الْمَال، لاَ بَلَدُ الْمُزَكِّي.

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَنْقُلَهَا الْمُزَكِّي إِلَى قَرَابَتِهِ، لِمَا فِي إيصَال الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ. قَالُوا: وَيُقَدَّمُ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ.

وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْ أَهْل بَلَدِهِ، وَكَذَا لأَِصْلَحَ، أَوْ أَوْرَعَ، أَوْ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ إِلَى طَالِبِ عِلْمٍ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الزَّكَاةِ إِلَى مَا يَزِيدُ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاذٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَال: لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلاَ آخِذَ جِزْيَةٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّ عَلَى

_________

(١) حديث: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ". تقدم تخريجه ف / ٣٣.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٨، ٦٩، وفتح القدير ٢ / ٢٨.

فُقَرَائِهِمْ، فَقَال مُعَاذٌ: مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنِّي.

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُتِيَ بِزَكَاةٍ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ فَرَدَّهَا إِلَى خُرَاسَانَ.

قَالُوا: وَالْمُعْتَبَرُ بَلَدُ الْمَال، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْمَال، وَفِي النَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْمَالِكُ.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِمَّنْ هُوَ فِي الْبَلَدِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ النَّقْل مِنْهَا وَلَوْ نُقِل أَكْثَرُهَا.

١٨٦ - ثُمَّ إِنْ نُقِلَتِ الزَّكَاةُ حَيْثُ لاَ مُسَوِّغَ لِنَقْلِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَقَلَهَا لِمِثْل مَنْ فِي بَلَدِهِ فِي الْحَاجَةِ فَتُجْزِئُهُ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَإِنْ نَقَلَهَا لأَِدْوَنَ مِنْهُمْ فِي الْحَاجَةِ لَمْ تُجْزِئْهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ وَالدَّرْدِيرُ، وَقَال الدُّسُوقِيُّ: نَقَل الْمَوَّاقُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الإِْجْزَاءُ بِكُل حَالٍ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: لاَ تُجْزِئُهُ بِكُل حَالٍ.

وَحَيْثُ نُقِلَتِ الزَّكَاةُ فَأُجْرَةُ النَّقْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لاَ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَكُونُ عَلَى الْمُزَكِّي (١) .

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٢٨، والدسوقي ١ / ٥٠٠ - ٥٠٢، وشرح المنهاج ٣ / ٢٠٢، ٢٠٣، والمغني ٢ / ٦٧١ - ٦٧٤، والإنصاف ٣ / ٢٠٢.

حُكْمُ مَنْ أُعْطِيَ مِنَ الزَّكَاةِ لِوَصْفٍ فَزَال الْوَصْفُ وَهِيَ فِي يَدِهِ:

١٨٧ - مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ مَنْ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا فَلاَ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إِنْ كَانَ فِيهِ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ بِشُرُوطِهِ عِنْدَ الأَْخْذِ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الْمِسْكِينُ، وَالْفَقِيرُ، وَالْعَامِل، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى، فَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ إِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ فِي وَجْهِهِ، أَوْ تَأَدَّى الْغَرَضُ مِنْ بَابٍ آخَرَ، أَوْ زَال الْوَصْفُ وَالزَّكَاةُ فِي يَدِهِ، وَهُمْ أَيْضًا أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ، عَلَى خِلاَفٍ فِي بَعْضِهَا:

١ - الْمُكَاتَبُ، فَيُسْتَرَدُّ مِنَ الْمُعْطَى مَا أَخَذَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَعْتِقَ، أَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَفَاءِ فَلَمْ يَعْتِقْ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَكُونُ مَا أَخَذَهُ لِسَيِّدِهِ وَيَحِل لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُسْتَرَدُّ، وَلاَ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، بَل يُنْفِقُ فِي الْمُكَاتَبِينَ (١) .

وَلاَ تَرِدُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَ صَرْفَ الزَّكَاةِ لِلْمُكَاتَبِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.

٢ - الْغَارِمُ: فَإِنِ اسْتَغْنَى الْمَدِينُ الَّذِي أَخَذَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٠، والمجموع ٦ / ٢٠١، والمغني ١ / ٤٤٠، والفروع وتصحيحه ٢ / ٦١٣.

الزَّكَاةَ قَبْل دَفْعِهَا فِي دَيْنِهِ تُنْزَعُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ أُبْرِئَ مِنَ الدَّيْنِ، أَوْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، أَوْ قَضَاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا (١) .

٣ - الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ: وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ لِلْغَزْوِ ثُمَّ جَلَسَ فَلَمْ يَخْرُجْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: لَوْ خَرَجَ لِلْغَزْوِ وَعَادَ دُونَ أَنْ يُقَاتِل مَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ تُؤْخَذُ مِنْهُ كَذَلِكَ.

وَحَيْثُ وَجَبَ الرَّدُّ تُنْزَعُ مِنْهُ إِنْ كَانَ بَاقِيهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَنْفَقَهَا أُتْبِعَ بِهَا، أَيْ طُولِبَ بِبَدَلِهَا إِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لأَِنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.

٤ - ابْنُ السَّبِيل: وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ، مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا بِبَلَدِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ: تَمَامُ السَّنَةِ. قَالُوا: وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ لَوْ سَافَرَ ثُمَّ عَادَ وَلَمْ يَصْرِفْ مَا أَخَذَهُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا تُنْزَعُ مِنْهُ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَإِنْ كَانَ أَنْفَقَهَا لَمْ يُطَالَبْ بِبَدَلِهَا.

وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُلْزَمُ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمَا فَضَل فِي يَدِهِ (٢) .

_________

(١) الدسوقي ١ / ٤٩٨، والمجموع ٦ / ٢٠٩، والمغني ١ / ٤٤٠، والفروع ٢ / ٦١٧، ٦١٨.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٢، والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٩٨، وشرح المنهاج ٣ / ١٩٩، والمغني ٦ / ٤٣٦، ٤٤٠، والفروع ٢ / ٦١٧.

حُكْمُ مَنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا:

١٨٨ - لاَ يَحِل لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ أَخْذُهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، إِجْمَاعًا. فَإِنْ أَخَذَهَا فَلَمْ تُسْتَرَدَّ مِنْهُ فَلاَ تَطِيبُ لَهُ، بَل يَرُدُّهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا؛ لأَِنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَعَلَى دَافِعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعَرُّفِ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ، فَإِنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ كَانَ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَأَعْطَاهُ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ، إِنْ تَبَيَّنَ الآْخِذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَالْمُرَادُ بِالاِجْتِهَادِ النَّظَرُ فِي أَمَارَاتِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَلَوْ شَكَّ فِي كَوْنِ الآْخِذِ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ كَذَلِكَ (١) .

١٨٩ - أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ فَدَفَعَ لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: تُجْزِئُهُ، وَقَال آخَرُونَ: لاَ تُجْزِئُهُ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ.

فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: إِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ، أَوْ دَفَعَ فِي ظُلْمَةٍ، فَبَانَ أَنَّ الآْخِذَ أَبُوهُ، أَوِ ابْنُهُ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَال: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَال: وَاَللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ،

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٨، والهداية وفتح القدير ٢ / ٢٦.

وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (١) .

وَلأَِنَّا لَوْ أَمَرْنَاهُ بِالإِْعَادَةِ أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا تَكَرَّرَ خَطَؤُهُ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا أَنْ يَتَبَيَّنَ الآْخِذُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلتَّمْلِيكِ أَصْلًا، نَحْوُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الآْخِذَ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ، فَلاَ تُجْزِئُ فِي هَذَا الْحَال.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ تُجْزِئُهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الآْخِذَ لَيْسَ مِنَ الْمَصَارِفِ، لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي ثِيَابٍ فَبَانَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ (٢) .

وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ حَالَيْنِ:

الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ الإِْمَامَ أَوْ مُقَدَّمَ الْقَاضِي أَوِ الْوَصِيَّ، فَيَجِبُ اسْتِرْدَادُهَا، لَكِنْ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا، أَجْزَأَتْ، لأَِنَّ اجْتِهَادَ الإِْمَامِ حُكْمٌ لاَ يَتَعَقَّبُ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ رَبَّ الْمَال فَلاَ تُجْزِئُهُ، فَإِنِ اسْتَرَدَّهَا وَأَعْطَاهَا فِي وَجْهِهَا، وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ الإِْخْرَاجُ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْدَادَهَا إِنْ فَوَّتَهَا الآْخِذُ بِفِعْلِهِ، بِأَنْ أَكَلَهَا، أَوْ بَاعَهَا، أَوْ وَهَبَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

أَمَّا إِنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِأَنْ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، فَإِنْ كَانَ غَرَّ الدَّافِعَ بِأَنْ أَظْهَرَ لَهُ الْفَقْرَ،

_________

(١) حديث: " لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩١ - ط السلفية) .

(٢) الهداية وفتح القدير ٢ / ٢٦.

أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا أَيْضًا، أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَّهُ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ الاِسْتِرْدَادُ، وَعَلَى الآْخِذِ الرَّدُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ أَمْ لاَ، فَإِنِ اسْتُرِدَّتْ صُرِفَتْ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِسْتِرْدَادُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَهَا الإِْمَامُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَهَا الْمَالِكُ ضَمِنَ، وَهَذَا هُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ، وَفِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَالٌ أُخْرَى (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ بَانَ الآْخِذُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ هَاشِمِيًّا، أَوْ قَرَابَةً لِلْمُعْطِي مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، فَلاَ تُجْزِئُ الزَّكَاةُ عَنْ دَافِعِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلاَ تَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا، فَلَمْ يَجْزِهِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، كَدُيُونِ الآْدَمِيِّينَ.

أَمَّا إِنْ كَانَ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا فَكَذَلِكَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالأُْخْرَى يُجْزِئُهُ، لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: قَال رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ. . . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَأُتِيَ فَقِيل لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، لَعَل الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (٣) . وَلأَِنَّ

_________

(١) الدسوقي والشرح الكبير ١ / ٥٠١، ٥٠٢.

(٢) روضة الطالبين ٢ / ٣٣٨.

(٣) حديث أبي هريرة: " قال رجل: لأتصدقن بصدقة ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩٠ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٠٩ - ط الحلبي) .

حَالَهُ تَخْفَى غَالِبًا (١) .

مَنْ لَهُ حَقُّ طَلَبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا:

١٩٠ - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ طَلَبِهِمُ الزَّكَاةَ بِالرَّغْمِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَحِل لَهُ طَلَبُ الزَّكَاةِ هُوَ مَنْ لاَ شَيْءَ لَهُ لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ فَيَحْتَاجُ لِلسُّؤَال لِقُوتِهِ، أَوْ مَا يُوَارِي بَدَنَهُ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِهِمُ الْمُسَمَّى مِسْكِينًا، وَكَذَا لاَ يَحِل السُّؤَال لِمَنْ لاَ يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، أَمَّا الْفَقِيرُ وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِهِمْ مَنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، فَلاَ يَحِل لَهُ سُؤَال الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَحِل لَهُ أَخْذُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا (٢) عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ: مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ أُبِيحَ لَهُ طَلَبُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: يَحْرُمُ طَلَبُهَا عَلَى مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُهُ كُل يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَل أَكْثَرَ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَإِنْ خَافَ أَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يُعْطِيهِ أُبِيحَ لَهُ السُّؤَال أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٣) .

_________

(١) المغني ٢ / ٦٦٧.

(٢) فتح القدير ٢ / ١٥، ١٦.

(٣) الإنصاف ٣ / ٢٢٣، والمغني ٦ / ٤٢٣، وشرح المنتهى ١ / ٤٢٥.