الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: خَمْسَةٌ لاَ يُعْطَوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ: الْفَقِيرُ، وَالْمِسْكِينُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَابْنُ السَّبِيل، وَخَمْسَةٌ يَأْخُذُونَ مَعَ الْغِنَى: الْعَامِل، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ، وَالْغَازِي، وَالْغَارِمُ لإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَابْنُ السَّبِيل الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ.
وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْغَازِي وَالْغَارِمِ لإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَرَأَوْا أَنَّهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ (١) .
٣ - الْكُفَّارُ وَلَوْ كَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ: لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ. نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (٢) وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِعْطَاءَهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ إِنْ عَمِلُوا عَلَى الزَّكَاةِ.
وَيُسْتَثْنَى الْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَوْضِعِهِ (٣) .
وَيَشْمَل الْكَافِرُ هُنَا الْكَافِرَ الأَْصْلِيَّ وَالْمُرْتَدَّ، وَمَنْ كَانَ مُتَسَمِّيًا بِالإِْسْلاَمِ وَأَتَى بِمُكَفِّرٍ نَحْوِ الاِسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ، أَوْ سَبِّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ دِينِ الإِْسْلاَمِ، فَهُوَ كَافِرٌ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ اتِّفَاقًا، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّة) .
_________
(١) المغني ٦ / ٤٤٠، وابن عابدين ٢ / ١٧.
(٢) حديث: " إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ". سبق تخريجه ف / ٣٣.
(٣) المجموع للنووي ٦ / ٢٢٨، والإنصاف ٣ / ٢٥٢.
كُل مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ الْمُزَكِّي أَوِ انْتَسَبَ إِلَى الْمُزَكِّي بِالْوِلاَدَةِ.
وَيَشْمَل ذَلِكَ أُصُولَهُ وَهُمْ أَبَوَاهُ وَأَجْدَادُهُ، وَجَدَّاتُهُ، وَارِثِينَ كَانُوا أَوْ لاَ، وَكَذَا أَوْلاَدُهُ وَأَوْلاَدُ أَوْلاَدِهِ، وَإِنْ نَزَلُوا، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ مَنَافِعَ الأَْمْلاَكِ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا سَائِرُ الأَْقَارِبِ، وَهُمُ الْحَوَاشِي كَالإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ، وَأَوْلاَدِهِمْ، فَلاَ يَمْتَنِعُ إِعْطَاؤُهُمْ زَكَاتَهُ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ فِي عِيَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (١) وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ الأَْقَارِبَ الَّذِينَ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمُ الْمُزَكِّيَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ، وَاَلَّذِينَ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الأَْبُ وَالأُْمُّ دُونَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ دُونَ أَوْلاَدِهِمَا، وَاللاَّزِمُ نَفَقَةُ الاِبْنِ مَا دَامَ فِي حَدِّ الصِّغَرِ، وَالْبِنْتُ إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ وَيَدْخُل بِهَا زَوْجُهَا.
_________
(١) حديث: " الصدقة على المسكين صدقة. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٨ - ط الحلبي) من حديث سلمان بن عامر، وقال: " حديث حسن ".
وَاَلَّذِينَ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الأُْصُول وَالْفُرُوعُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ: يُفَرَّقُ فِي غَيْرِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ بَيْنَ الْمَوْرُوثِ مِنْهُمْ وَغَيْرِ الْمَوْرُوثِ، فَغَيْرُ الْمَوْرُوثِ يُجْزِئُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَالْمَوْرُوثُ لاَ يُجْزِئُ، وَعَلَى الْوَارِثِ نَفَقَتُهُ إِنْ كَانَ الْمَوْرُوثُ فَقِيرًا فَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنِ الزَّكَاةِ، إِذْ لَوْ أَعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ لَعَادَ نَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُشْتَرَط هُنَا شُرُوطُ الإِْرْثِ وَمِنْهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْوَارِثُ مَحْجُوبًا عَنِ الْمِيرَاثِ وَقْتَ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ (١)
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَنْ فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، فَلاَ يُجْزِئُ إِعْطَاؤُهُ الزَّكَاةَ، لأَِنَّهُ أَدَاءُ وَاجِبٍ فِي وَاجِبٍ آخَرَ، عَلَى أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ وَزَوْجَةِ ابْنِهِ وَزَوْجِ ابْنَتِهِ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الإِْعْطَاءَ الْمَمْنُوعَ بِسَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَمَّا لَوْ أَعْطَى وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ أَوِ الْمُكَاتَبِينَ أَوِ الْغَارِمِينَ أَوِ الْغُزَاةِ فَلاَ بَأْسَ. وَقَالُوا أَيْضًا: إِنْ كَانَ لاَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ جَازَ إِعْطَاؤُهُ.
_________
(١) المغني ٦ / ٦٤٨، ٧ / ٥٨٥، والمجموع ٦ / ٢٢٩، وابن عابدين ٢ / ٦٣، ٦٤، وفتح القدير ٢ / ٢٢، ومجموع الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٢٥ / ٩٠، ٩١ - ٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ٤٠٧، والدسوقي ١ / ٤٩٨، ٤٩٩.
دَفْعُ الزَّوْجِ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ:
١٧٨ - لاَ يُجْزِئُ الرَّجُل إِعْطَاءُ زَكَاةِ مَالِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هُوَ إِجْمَاعٌ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُشْتَرَكَةٌ، وَقَال الْجُمْهُورُ: لأَِنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، فَيَكُونُ كَالدَّافِعِ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَحَل الْمَنْعِ إِعْطَاؤُهَا الزَّكَاةَ لِتُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَأَمَّا لَوْ أَعْطَاهَا مَا تَدْفَعُهُ فِي دَيْنِهَا، أَوْ لِتُنْفِقَهُ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَلاَ بَأْسَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَمْنُوعَ إِعْطَاؤُهَا مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ، أَمَّا مِنْ سَهْمٍ آخَرَ هِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لَهُ فَلاَ بَأْسَ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ كَلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
وَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا زَكَاةَ مَالِهَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِحَدِيثِ زَيْنَبَ زَوْجَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَفِيهِ أَنَّهَا هِيَ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى سَأَلَتَا النَّبِيَّ ﷺ: هَل تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِمَا؟ فَقَال: لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ (١) .
_________
(١) حديث: " لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٢٨ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٩٥ - ط الحلبي) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلأَِنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الزَّوْجِ، وَلِعُمُومِ آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، إِذْ لَيْسَ فِي الزَّوْجِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ يَمْنَعُ إِعْطَاءَهُ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا زَكَاتَهَا وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلاَقِهِ الْبَائِنِ وَلَوْ بِثَلاَثِ طَلَقَاتٍ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مُشْتَرَكَةٌ، فَهِيَ تَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الزَّكَاةِ الَّتِي تُعْطِيهَا لِزَوْجِهَا؛ وَلأَِنَّ الزَّوْجَ لاَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَال امْرَأَتِهِ، وَلاَ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ لَهَا.
وَقَال مَالِكٌ: لاَ تُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا زَكَاةَ مَالِهَا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَعْنَى كَلاَمِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ مُرَادَهُ عَدَمُ الإِْجْزَاءِ، وَقَال آخَرُونَ: بِإِجْزَائِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (١) .
٦ - الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ:
١٧٩ - ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى كَافِرٍ (٢) أَنَّ فِي إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلْعَاصِي خِلاَفًا، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الزَّكَاةَ
_________
(١) الدر وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٢، ومجموع الفتاوى الكبرى ٢٥ / ٩٠، ٩١، وفتح القدير ٢ / ٢٢، والدسوقي ١ / ٤٩٩، والمجموع ٦ / ١٩٢، ٢٣٠، والمغني ٢ / ٦٤٩.
(٢) أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩٠ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٠٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة
لاَ تُعْطَى لأَِهْل الْمَعَاصِي إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُعْطِي أَنَّهُمْ يَصْرِفُونَهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَفِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَال تَجُوزُ، وَتُجْزِئُ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّى بِزَكَاتِهِ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ أَهْل الدِّينِ الْمُتَّبِعِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فَمَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ وَالاِسْتِتَابَةَ فَكَيْفَ يُعَانُ عَلَى ذَلِكَ؟، وَقَال: مَنْ كَانَ لاَ يُصَلِّي يُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ، فَإِنْ قَال: أَنَا أُصَلِّي، أُعْطِيَ، وَإِلاَّ لَمْ يُعْطَ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يُعْطَى مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالنِّفَاقِ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِْسْلاَمِ مِنْ أَهْل الْبِدَعِ إِنْ كَانُوا مِنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ بِدْعَتُهُمْ مُكَفِّرَةً مُخْرِجَةً لَهُمْ عَنِ الإِْسْلاَمِ (٣) . عَلَى أَنَّ الأَْوْلَى تَقْدِيمُ أَهْل الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ فِي الاِعْتِقَادِ، وَالْعَمَل عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ عِنْدَ الإِْعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِحَدِيثِ: لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُل طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ (٤) .
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٢، وانظر فتح الباري ٢ / ٢٩١.
(٢) مجموع الفتاوى الكبرى ٢٤ / ٢٧٨، ٢٥ / ٨٧ - ٨٩.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٩.
(٤) أخرجه أحمد (٣ / ٣٨ - ط الميمنية) والترمذي (٤ / ٥١٩ - ط دار الكتب العلمية) من حديث أبي سعيد الخدري، وعند أحمد: " لا تصحب "، وحسنه الترمذي.
٧ - الْمَيِّتُ:
١٨٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَالنَّخَعِيُّ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تُعْطَى الزَّكَاةُ فِي تَجْهِيزِ مَيِّتٍ عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ رُكْنَ الزَّكَاةِ تَمْلِيكُهَا لِمَصْرِفِهَا، فَإِنَّ الْمَيِّتَ لاَ يَمْلِكُ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الزَّكَاةِ التَّمْلِيكُ، قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى بِهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لأَِنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الْغَيْرِ بِهَا لاَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ إِيَّاهَا، قَال أَحْمَدُ: لاَ يُقْضَى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَيُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْحَيِّ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَعَنِ اخْتِيَارِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُقْضَى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً إِنْ تَمَّتْ فِيهِ شُرُوطُ الْغَارِمِ، قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَل هُوَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ الْحَيِّ فِي أَخْذِهِ مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ لاَ يُرْجَى قَضَاؤُهُ بِخِلاَفِ الْحَيِّ، وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ لِهَذَا الْقَوْل بِعُمُومِ الْغَارِمِينَ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَبِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ كَدَيْنِ الْحَيِّ (١) .
٨ - جِهَاتُ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:
١٨١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ
_________
(١) فتح القدير على الهداية ٢ / ٢٠، وابن عابدين ٢ / ٦٢، والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٩٦، والمجموع ٦ / ٢١١، والفروع ٢ / ٦١٩، والمغني ٢ / ٦٦٧.
الزَّكَاةِ فِي جِهَاتِ الْخَيْرِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَلاَ تُنْشَأُ بِهَا طَرِيقٌ، وَلاَ يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلاَ قَنْطَرَةٌ، وَلاَ تُشَقُّ بِهَا تُرْعَةٌ، وَلاَ يُعْمَل بِهَا سِقَايَةٌ، وَلاَ يُوَسَّعُ بِهَا عَلَى الأَْصْنَافِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَقْل خِلاَفٍ عَنْ مُعَيَّنٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ تَمْلِيكَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ وَنَحْوَهُ لاَ يُمْلَكُ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الزَّكَاةِ التَّمْلِيكَ.
وَالثَّانِي:
الْحَصْرُ الَّذِي فِي الآْيَةِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ مِنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ جَعَل الزَّكَاةَ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ (١) .
وَلاَ يَثْبُتُ مِمَّا نُقِل عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ سِيرِينَ خِلاَفُ ذَلِكَ (٢) .
مَا يُرَاعَى فِي قِسْمَةِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:
أ - تَعْمِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الأَْصْنَافِ:
١٨٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَعْمِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى
_________
(١) حديث: " إن الله جعل الزكاة ثمانية أجزاء. . . " سبق تخريجه ف / ١٥٦.
(٢) فتح القدير ٢ / ٢٠، وابن عابدين ٢ / ٦٢، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٩، والشرح الكبير والدسوقي ١ / ٤٩٧، والمغني ٢ / ٦٦٧.
الأَْصْنَافِ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُؤَدِّيهَا إِلَيْهَا رَبَّ الْمَال أَوِ السَّاعِيَ أَوِ الإِْمَامَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَال كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، بَل يَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِشَخْصٍ وَاحِدٍ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْتَهُ أَجْزَأَكَ.
١٨٣ - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (١) قَالُوا: وَالْفُقَرَاءُ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْنَافِ أَهْل الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةِ، وَبِوَقَائِعَ أَعْطَى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ الزَّكَاةَ لِفَرْدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَفْرَادٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيَّ صَدَقَةَ قَوْمِهِ (٢) . وَقَال لِقَبِيصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا (٣) . قَالُوا: وَاللاَّمُ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ بِمَعْنَى " أَوْ "، أَوْ هِيَ لِبَيَانِ الْمَصَارِفِ، أَوْ هِيَ لِلاِخْتِصَاصِ، وَمَعْنَى الاِخْتِصَاصِ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْهُمْ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لاَ يُنْدَبُ إِلاَّ أَنْ يُقْصَدَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلاَفِ، وَكَذَا اسْتَحَبَّ
_________
(١) حديث: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " سبق تخريجه ف / ٣٣.
(٢) حديث: " أعطى سلمة بن صخر البياضي صدقة قومه ". أخرجه الترمذي (٥ / ٤٠٥ - ٤٠٦ - ط الحلبي) ونقل عن البخاري بالانقطاع بين سلمة بن صخر والراوي عنه وهو سليمان بن يسار، وقال قبلها: حديث حسن.
(٣) حديث: " أقم يا قبيصة حتى تأتينا بالصدقة فنأمر لك بها ". تقدم تخريجه ف / ١٦٥.
الْحَنَابِلَةُ التَّعْمِيمَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل عِكْرِمَةَ، إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَعْمِيمُ الأَْصْنَافِ، وَإِعْطَاءُ كُل صِنْفٍ مِنْهُمُ الثُّمُنَ مِنَ الزَّكَاةِ الْمُتَجَمِّعَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَةِ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الزَّكَاةَ إِلَيْهِمْ فَاللاَّمُ لِلتَّمْلِيكِ، وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمْ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ، فَدَل عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَوْ قَال رَبُّ الْمَال: هَذَا الْمَال لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ وَوَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ، فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ وَجَبَ التَّعْمِيمُ وَالتَّسْوِيَةُ.
وَتَفْصِيل مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الْقَسْمِ إِنْ قَسَمَ الإِْمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامِلٌ بِأَنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، أَوْ حَمَل أَصْحَابُ الأَْمْوَال زَكَاتَهُمْ إِلَى الإِْمَامِ، فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةِ أَصْنَافٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ، وَيَسْتَوْعِبُ الإِْمَامُ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُل صِنْفٍ وُجُوبًا، إِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ، وَوَفَى بِهِمُ الْمَال. وَإِلاَّ فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلاَثَةٍ مِنْ كُل صِنْفٍ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ ذَكَرَتِ الأَْصْنَافَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.
قَالُوا: وَيَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي أَنْ يَعْتَنِيَ
_________
(١) المغني ٢ / ٦٨٨، ٦٧٠، وفتح القدير ٢ / ١٨، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٨.