الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
لَيَالِيِ رَمَضَانَ يَصُومُ وَيُفْطِرُ، فَيُعْتَبَرُ مُفْطِرًا مِنْ صَوْمِهِ بِطُلُوعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ (٢)، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْل الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ (٣) .
دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَجِبُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَضَافَ الصَّدَقَةَ إِلَى الْفِطْرِ، وَالإِْضَافَةُ تَقْتَضِي الاِخْتِصَاصَ، أَيِ الصَّدَقَةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالْفِطْرِ، وَأَوَّل فِطْرٍ يَقَعُ عَنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ هُوَ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ.
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِيمَنْ مَاتَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ تُخْرَجُ عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ؛ لأَِنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ وُجُوبِهَا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ
_________
(١) الزيلعي ١ / ٣٠٧ وما بعدها، تحفة الفقهاء ج١ في صدقة الفطر، بلغة السالك ١ / ٢٠١ وما بعدها، بداية المجتهد ١ / ١٤٤ ما بعدها.
(٢) شرح المنهاج ١ / ٥٢٨ وما بعدها، كشاف القناع ١ / ٤٧١ وما بعدها.
(٣) حديث: " فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر طهرة للصائم. . . " تقدم ف / ٢.
لاَ تُخْرَجُ عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ تُخْرَجُ عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ لأَِنَّهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا كَانَ مَوْجُودًا، وَلاَ تُخْرَجُ عَنْهُ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ لأَِنَّهُ كَانَ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَقْتَ وُجُوبِهَا.
وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، لاَ تُخْرَجُ عَنْهُ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ لأَِنَّهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ تُخْرَجُ عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ؛ لأَِنَّهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا كَانَ أَهْلًا (١) .
وَقْتُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ أَدَاءِ زَكَاةِ الْفِطْرِ مُوَسَّعٌ، لأَِنَّ الأَْمْرَ بِأَدَائِهَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ، كَالزَّكَاةِ، فَهِيَ تَجِبُ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِهِ، فَفِي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى كَانَ مُؤَدِّيًا لاَ قَاضِيًا، غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إِخْرَاجُهَا قَبْل الذَّهَابِ إِلَى الْمُصَلَّى (٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ: اغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ (٣) .
_________
(١) راجع المحلى ٦ / ١٤٢ - ١٤٣، والمراجع المذكورة لجميع الفقهاء في هذا الموضوع.
(٢) راجع المراجع المذكورة للحنفية في صدقة الفطر.
(٣) حديث: " اغنوهم في هذا اليوم ". أخرجه الدارقطني (٢ / ١٥٣ - ط. دار المحاسن) من حديث ابن عمر، وضعفه ابن حجر في بلوغ المرام (شرحه سبل السلام ٢ / ٢٨٢ - ط دار الكتب العلمية) .
وَذَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الأَْدَاءِ مُضَيَّقٌ كَالأُْضْحِيَّةِ، فَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ بِدُونِ عُذْرٍ كَانَ آثِمًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَاتَّفَقَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ لِمَنْ هِيَ لَهُ، وَهُمْ مُسْتَحِقُّوهَا، فَهِيَ دَيْنٌ لَهُمْ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ؛ لأَِنَّهَا حَقٌّ لِلْعَبْدِ، أَمَّا حَقُّ اللَّهِ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ وَقْتِهَا فَلاَ يُجْبَرُ إِلاَّ بِالاِسْتِغْفَارِ وَالنَّدَامَةِ
.
إِخْرَاجُهَا قَبْل وَقْتِهَا:
١٠ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَنْ وَقْتِهَا يَوْمَيْنِ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانُوا يُعْطُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْل الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ إِخْرَاجُهَا قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنِ الصَّلاَةِ، وَمُحَرَّمٌ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ بِلاَ عُذْرٍ؛ لِفَوَاتِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ إِغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ عَنِ الطَّلَبِ فِي يَوْمِ السُّرُورِ، فَلَوْ أَخَّرَهَا بِلاَ عُذْرٍ عَصَى وَقَضَى،
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) بلغة السالك ١ / ٢٠١ وما بعدها، كشاف القناع ١ / ٤٧١ وما بعدها.
لِخُرُوجِ الْوَقْتِ (١) .
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَنْ وَقْتِهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ كَالزَّكَاةِ (٢) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا فِي رَمَضَانَ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلٌ مُصَحَّحٌ لِلْحَنَفِيَّةِ.
مِقْدَارُ الْوَاجِبِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِخْرَاجُهُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنْ جَمِيعِ الأَْصْنَافِ الَّتِي يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ مِنْهَا عَدَا الْقَمْحِ وَالزَّبِيبِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمِقْدَارِ فِيهِمَا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِخْرَاجُهُ فِي الْقَمْحِ هُوَ صَاعٌ مِنْهُ (٣) .
وَسَيَأْتِي بَيَانُ الصَّاعِ وَمِقْدَارُهُ كَيْلًا وَوَزْنًا.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَلاَ أَزَال أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٤٠٢.
(٢) فتح القدير ٢ / ٤٠ وما بعدها.
(٣) بداية المجتهد ١ / ٦٤، كشاف القناع ١ / ٤٧١ وما بعدها.
أُخْرِجُهُ مَا عِشْتُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْقَمْحِ نِصْفُ صَاعٍ، وَكَذَا دَقِيقُ الْقَمْحِ وَسَوِيقُهُ، أَمَّا الزَّبِيبُ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ صَاعٍ كَالْبُرِّ، لأَِنَّ الزَّبِيبَ تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى قِيمَةِ الْقَمْحِ، وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ - أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ صَاعٌ مِنْ زَبِيبٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُل صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ (٢)، أَوْ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَل نُخْرِجُ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَال: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ يَعْنِي الْقَمْحَ تَعْدِل صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، أَمَّا أَنَا فَلاَ أَزَال أُخْرِجُهُ أَبَدًا
_________
(١) حديث أبي سعيد الخدري: " كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٧٢ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٧٨ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) الأقط قال الأزهري: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل - أي يجف - وهو بفتح الهمزة وكسر القاف، ككتف، وقد تسكن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها، مثل: تخفيف كبد، انظر المصباح المنير ومختار الصحاح (مادة: أقط) وفي القاموس أكثر من ذلك.
مَا عِشْتُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ (١) . دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يُخْرَجُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَاعٌ مِنَ الزَّبِيبِ.
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ قَبْل الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَقَال: أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، عَنْ كُل حُرٍّ، وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (٢) .
نَوْعُ الْوَاجِبِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ الْقِيمَةُ مِنَ النُّقُودِ وَهُوَ الأَْفْضَل، أَوِ الْعُرُوضِ، لَكِنْ إِنْ أَخْرَجَ مِنَ الْبُرِّ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ أَجْزَأَهُ نِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ أَخْرَجَ مِنَ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ فَصَاعٌ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سُلْتٍ (٣) أَوْ زَبِيبٍ. قَال ابْنُ عُمَرَ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَكَثُرَتِ الْحِنْطَةُ جَعَل عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ، مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الأَْشْيَاءِ.
_________
(١) حديث أبي سعيد الخدري سبق تخريجه ف / ١١.
(٢) حديث: " أدوا صاعًا من بر بين اثنين. . . " تقدم تخريجه ف / ٣.
(٣) السلت هو الشعير النبوي، وهو نوع من الشعير ليس له قشر (مختار الصحاح) .
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَا سِوَى هَذِهِ الأَْشْيَاءِ الأَْرْبَعَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مِنَ الْحُبُوبِ كَالْعَدَسِ وَالأُْرْزِ، أَوْ غَيْرِ الْحُبُوبِ كَاللَّبَنِ وَالْجُبْنِ وَاللَّحْمِ وَالْعُرُوضِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِقِيمَةِ الأَْشْيَاءِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنَ الْعَدَسِ مَثَلًا، فَيُقَوِّمُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ نِصْفِ الصَّاعِ ثَمَانِيَةَ قُرُوشٍ مَثَلًا، أَخْرَجَ مِنَ الْعَدَسِ مَا قِيمَتُهُ ثَمَانِيَةُ قُرُوشٍ مَثَلًا، وَمِنَ الأُْرْزِ وَاللَّبَنِ وَالْجُبْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الشَّارِعُ، يُخْرِجُ مِنَ الْعَدَسِ مَا يُعَادِل قِيمَتَهُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، إِلَى أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ كَالْعَدَسِ وَالأُْرْزِ، وَالْفُول وَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالتَّمْرِ وَالأَْقِطِ وَالدُّخْنِ (٢) .
وَمَا عَدَا ذَلِكَ لاَ يُجْزِئُ، إِلاَّ إِذَا اقْتَاتَهُ النَّاسُ وَتَرَكُوا الأَْنْوَاعَ السَّابِقَةَ، وَلاَ يَجُوزُ الإِْخْرَاجُ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ أَفْضَل، بِأَنِ اقْتَاتَ النَّاسُ الذُّرَةَ فَأَخْرَجَ قَمْحًا. وَإِذَا أَخْرَجَ مِنَ اللَّحْمِ اعْتُبِرَ الشِّبَعُ، فَإِذَا كَانَ الصَّاعُ مِنَ الْبُرِّ يَكْفِي اثْنَيْنِ إِذَا خُبِزَ، أَخْرَجَ مِنَ اللَّحْمِ مَا يُشْبِعُ اثْنَيْنِ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ جِنْسِ
_________
(١) تحفة الفقهاء ج١ في صدقة الفطر.
(٢) الدخن في حجم الذرة الرفيعة.
(٣) بلغة السالك ١ / ٢٠١ وما بعدها.
مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ، وَلَوْ وُجِدَتْ أَقْوَاتٌ فَالْوَاجِبُ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهِ، وَقِيل: مِنْ غَالِبِ قُوتِهِ، وَقِيل: مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأَْقْوَاتِ، وَيُجْزِئُ الأَْعْلَى مِنَ الأَْدْنَى لاَ الْعَكْسُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنَ الْبُرِّ أَوَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ أَوِ الشَّعِيرِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ وَفِيهِ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. . . (٢) الْحَدِيثَ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُخْرَجُ قُوتًا.
وَيُجْزِئُ الدَّقِيقُ إِذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلْحَبِّ فِي الْوَزْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ أَخْرَجَ مِنْ كُل مَا يَصْلُحُ قُوتًا مِنْ ذُرَةٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (٣) .
١٣ - وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ مُتَوَارَثٌ مِنْ عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِهِ كَيْلًا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ بِالْوَزْنِ (٤) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَقَادِيرُ) .
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٤٠٦، وأسنى المطالب ١ / ٣٩١، ٣٩٢.
(٢) حديث: " كنا نخرج زكاة الفطر. . . " الحديث تقدم تخريجه ف / ١١.
(٣) المغني ١ / ٦٤٦ وما بعدها، كشاف القناع ١ / ٤٧١ وما بعدها.
(٤) قدر الصاع بالموازين الحالية بما يتسع لما وزنه ٢. ١٧٦ جرامًا من القمح، ويراعى فرق المواد الأخرى المختلفة عن القمح كثافة، والأصل في الصاع الكيل وإنما قدر بالوزن استظهارًا، انظر ابن عابدين ٢ / ٧٧، بلغة السالك ١ / ٢٠١، وما بعدها، ومغني المحتاج ١ / ٤٠٥، والمغني ٣ / ٥٩، والمقادير الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بها للكردي ص ٢٢٧.
مَصَارِفُ زَكَاةِ الْفِطْرِ:
١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تُصْرَفُ إِلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ قِسْمَتِهَا عَلَى الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي تُصْرَفُ فِيهَا زَكَاةُ الْمَال، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (زَكَاة) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى تَخْصِيصِ صَرْفِهَا بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قِسْمَتِهَا عَلَى الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، أَوْ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ (١) .
أَدَاءُ الْقِيمَةِ:
١٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِذَلِكَ، وَلأَِنَّ الْقِيمَةَ فِي حُقُوقِ النَّاسِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لِصَدَقَةِ الْفِطْرِ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ حَتَّى يَجُوزَ رِضَاهُ أَوْ إبْرَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، بَل هُوَ أَوْلَى لِيَتَيَسَّرَ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيَّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى الْحُبُوبِ بَل هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٧٩، والدسوقي ١ / ٥٠٨، ومغني المحتاج ٣ / ١١٦، والفروع ٢ / ٥٤٠.
مَلاَبِسَ، أَوْ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِعْطَاؤُهُ الْحُبُوبَ، يَضْطَرُّهُ إِلَى أَنْ يَطُوفَ بِالشَّوَارِعِ لِيَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ الْحُبُوبَ، وَقَدْ يَبِيعُهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ أَقَل مِنْ قِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَالَةِ الْيُسْرِ، وَوُجُودِ الْحُبُوبِ بِكَثْرَةٍ فِي الأَْسْوَاقِ، أَمَّا فِي حَالَةِ الشِّدَّةِ وَقِلَّةِ الْحُبُوبِ فِي الأَْسْوَاقِ، فَدَفْعُ الْعَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْقِيمَةِ مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةِ الْفَقِيرِ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي الزَّكَاةِ.