الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

لأَِنَّ الأَْرْضَ كَمَا تُسْتَنْمَى بِالزِّرَاعَةِ تُسْتَنْمَى بِالإِْجَارَةِ (١) .

ج - الأَْرْضُ الَّتِي تُسْتَغَل بِالْمُزَارَعَةِ أَوِ الْمُسَاقَاةِ:

١١٠ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِل كُلٌّ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنَ الْغَلَّةِ إِنْ بَلَغَ نَصِيبُهُ نِصَابًا، وَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُمَا أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَلاَ عُشْرَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ أَرْضٍ غَيْرِهَا مَا يُكَمِّل بِهِ النِّصَابَ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لاَ تَجْعَل الْخُلْطَةَ مُؤَثِّرَةً فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ.

أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَجْعَل الْخُلْطَةَ مُؤَثِّرَةً فِيهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ غَلَّةُ الأَْرْضِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ يَكُونُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عُشْرُ نَصِيبِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لاَ عُشْرَ عَلَيْهِ، كَالذِّمِّيِّ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْعُشْرُ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ عِنْدَهُ فَاسِدَةٌ، فَالْخَارِجُ مِنْهَا لَهُ، تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا (٢) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَائِطِ (الْبُسْتَانِ) الْمُسَاقَى عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَرَةِ إِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، أَوْ كَانَ لِرَبِّ الْحَائِطِ مَا إِنْ ضَمَّهُ

_________

(١) الدر وابن عابدين ٢ / ٥٥، والدسوقي ١ / ٤٤٧، والمغني ٢ / ٧٢٦.

(٢) المغني ٢ / ٧٢٨، وابن عابدين ٢ / ٥٦.

إِلَيْهَا بَلَغَتْ نِصَابًا، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ تُشْتَرَطَ الزَّكَاةُ فِي حَظِّ رَبِّ الْحَائِطِ أَوِ الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ سَاقَاهُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا فَشَأْنُ الزَّكَاةِ أَنْ يُبْدَأَ بِهَا ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ.

وَقَال اللَّخْمِيُّ نَقْلًا عَنْ مَالِكٍ: إِنَّ الْمُسَاقَاةَ تُزَكَّى عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْحَائِطِ فَيَجِبُ ضَمُّهَا إِلَى مَالِهِ مِنْ ثَمَرٍ غَيْرِهَا، وَيُزَكِّي جَمِيعَهَا وَلَوْ كَانَ الْعَامِل مِمَّنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَتَسْقُطُ إِنْ كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مِمَّنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ وَالْعَامِل مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (١) .

د - الأَْرْضُ الْمَغْصُوبَةُ:

١١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَزَرَعَهَا إِنْ لَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ فَلاَ عُشْرَ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ، وَإِنْ نَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ كَانَ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ.

وَقَال قَاضِي خَانْ: أَرْضٌ خَرَاجُهَا وَظِيفَةٌ اغْتَصَبَهَا غَاصِبٌ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاحِدًا وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْمَالِكِ إِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا الْغَاصِبُ فَلاَ خَرَاجَ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ زَرَعَهَا الْغَاصِبُ وَلَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ، فَالْخَرَاجُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ أَوْ كَانَ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ وَلَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ، وَإِنْ

_________

(١) الحطاب والتاج والإكليل ٥ / ٣٨٠ - ٣٨١، وانظر المدونة ٥ / ١٢.

نَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ قَل النُّقْصَانُ أَوْ كَثُرَ، كَأَنَّهُ آجَرَهَا مِنَ الْغَاصِبِ بِضَمَانِ النُّقْصَانِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُنْظَرُ إِلَى الْخَرَاجِ وَالنُّقْصَانِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَكْثَرَ مِنَ الْخَرَاجِ، فَمِقْدَارُ الْخَرَاجِ يُؤَدِّيهِ الْغَاصِبُ إِلَى السُّلْطَانِ وَيَدْفَعُ الْفَضْل إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ أَكْثَرَ يَدْفَعُ الْكُل إِلَى السُّلْطَانِ، وَمِنْ نَصِّهِمْ هَذَا فِي الْخَرَاجِ يُفْهَمُ مُرَادُهُمْ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْعُشْرِ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّخْل إِذَا غُصِبَتْ ثُمَّ رُدَّتْ بَعْدَ أَعْوَامٍ مَعَ ثَمَرَتِهَا، فَإِنَّهَا تُزَكَّى لِكُل عَامٍ بِلاَ خِلاَفٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ زُكِّيَتْ أَيْ يُزَكَّى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِذَا رَدَّ الْغَاصِبُ جَمِيعَهَا. فَإِنْ رَدَّ بَعْضَ ثِمَارِهَا وَكَانَ حَصَل فِي كُل سَنَةٍ نِصَابٌ وَلَمْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ بَل رَدَّ مِنْهُ قَدْرَ نِصَابٍ فَأَكْثَرَ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُسِمَ عَلَى سِنِينَ الْغَصْبِ لَمْ يَبْلُغْ كُل سَنَةٍ نِصَابًا فَفِي زَكَاتِهِ قَوْلاَنِ (٢) .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ زَكَاةَ الزَّرْعِ عَلَى مَالِكِ الأَْرْضِ إِنْ تَمَلَّكَ الزَّرْعَ قَبْل وَقْتِ الْحَصَادِ وَبَعْدَ اشْتِدَادِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِمِثْل بَذْرِهِ وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ، فَيَسْتَنِدُ مِلْكُهُ إِلَى أَوَّل زَرْعِهِ. أَمَّا إِنْ

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٨٧، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ١ / ٢٧١ - ٢٧٢.

(٢) الخرشي ٢ / ١٨٠، والدسوقي ١ / ٤٥٧.

حَصَدَ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ بِأَنْ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ رَبُّهَا قَبْل حَصَادِهِ، فَزَكَاةُ الزَّرْعِ عَلَى الْغَاصِبِ لاِسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (١) .

وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

زَكَاةُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ الْمَأْخُوذَيْنِ مِنَ الأَْرْضِ الْمُبَاحَةِ:

١١٢ - مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَْرْضِ الْمُبَاحَةِ مَا فِي جِنْسِهِ الزَّكَاةُ، وَبَلَغَ نِصَابًا. فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ. قَال الْحَنَابِلَةُ: لَكِنْ لَوْ زَرَعَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ ثَمَرَ الْجِبَال وَالْمَفَاوِزِ فِيهِ الْعُشْرُ، إِنْ حَمَاهُ الإِْمَامُ أَيْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ وَالْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ وَلَمْ يُعَالِجْهُ أَحَدٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ النَّمَاءُ، وَقَدْ حَصَل بِأَخْذِهِ (٢) .

خَرْصُ الثِّمَارِ إِذَا بَدَا صَلاَحُهَا:

١١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ إِذَا بَدَا صَلاَحُ الثِّمَارِ أَنْ يُرْسِل سَاعِيًا يَخْرُصُهَا - أَيْ يُقَدِّرُ كَمْ سَيَكُونُ مِقْدَارُهَا بَعْدَ الْجَفَافِ - لِيَعْرِفَ قَدْرَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَأَهْل

_________

(١) شرح المنتهى ١ / ٣٩٥.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٩، والدسوقي ١ / ٤٤٧، والمغني ٢ / ٦٩٣، وشرح المنتهى ١ / ٣٩٢.

اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ، وَلِلتَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْل الثِّمَارِ لِيُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رُطَبًا ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ بِحِسَابِ الْخَرْصِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ عِنْدَ جَفَافِ الثَّمَرِ.

وَلِمَعْرِفَةِ مُؤَهِّلاَتِ الْخَارِصِ، وَمَا يُرَاعِيهِ عِنْدَ الْخَرْصِ، وَمَعْرِفَةِ مَا يُخْرَصُ مِنَ الْغِلاَل وَمَا لاَ يُخْرَصُ، وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْخَرْصِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خَرْص) .

الْحِيَل لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ:

١١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّحَيُّل لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ فَعَل مَا تَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ عَنْهُ وَلَوْ بِنِيَّةِ الْفِرَارِ مِنْهَا سَقَطَتْ، وَمَثَّل لَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِمَنْ وَهَبَ النِّصَابَ قَبْل الْحَوْل بِيَوْمٍ، ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الْحَوْل، وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ أَثْنَاءَ الْحَوْل ثُمَّ رَجَعَ أَثْنَاءَ الْحَوْل لاِنْقِطَاعِ الْحَوْل بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ وَهَبَ النِّصَابَ لاِبْنِهِ، أَوِ اسْتَبْدَل نِصَابَ السَّائِمَةِ بِآخَرَ.

ثُمَّ قَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنِ الْوُجُوبِ، لاَ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لأَِنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ وَإِبْطَال حَقِّهِمْ مَآلًا. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْفِرَارُ مَكْرُوهٌ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: حَرَامٌ وَلاَ تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ

فِي الْبَاطِنِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ - وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى تَحْرِيمِ التَّحَيُّل لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ فُعِل لَمْ تَسْقُطْ، كَمَنْ أَبْدَل النِّصَابَ مِنَ الْمَاشِيَةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ، أَوْ أَتْلَفَ أَوِ اسْتَهْلَكَ جُزْءًا مِنَ النِّصَابِ عِنْدَ قُرْبِ الْحَوْل. . وَلَوْ فَعَل ذَلِكَ فِي أَوَّل الْحَوْل لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَظِنَّةِ الْفِرَارِ مِنَ الزَّكَاةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَلَمِ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَقَوْلِهِ فِيهَا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (١) فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحَيُّلِهِمْ لإِسْقَاطِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، فَتُؤْخَذُ مُعَاقَبَةً لِلْمُحْتَال بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ مِيرَاثِ الْقَاتِل، وَتَوْرِيثِ الْمُطَلَّقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الْمَالِكِيَّةُ هُوَ زَكَاةُ الْمُبْدَل، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةُ الْبَدَل إِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ لأَِنَّهَا لَمْ تَجِبْ (٢) .

قَدْرُ الْمَأْخُوذِ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ:

١١٥ - يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عُشْرُ

_________

(١) سورة القلم / ١٩، ٢٠.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٣٧، و٢ / ٢١ و٥ / ١٥٦، والدسوقي ١ / ٤٣٧ وانظر أيضًا تقرير الشيخ عليش على حاشية الدسوقي ١ / ٤٣١، ومغني المحتاج ١ / ٣٧٩، وفتح العزيز ٥ / ٤٩٣، وشرح المنهاج ٢ / ١٤، والمغني ٢ / ٦٧٦.

الْخَارِجِ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ. فَالْعُشْرُ اتِّفَاقًا فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، كَاَلَّذِي يَشْرَبُ بِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ بِمَاءِ الأَْنْهَارِ سَيْحًا، أَوْ بِالسَّوَاقِي دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ غَرْفًا أَوْ بِآلَةٍ، أَوْ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَهُوَ مَا يُزْرَعُ فِي الأَْرْضِ الَّتِي مَاؤُهَا قَرِيبٌ مِنْ وَجْهِهَا تَصِل إِلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ فَيَسْتَغْنِي عَنِ السَّقْيِ.

وَيَجِبُ فِيمَا يُسْقَى بِكُلْفَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ، سَوَاءٌ سَقَتْهُ النَّوَاضِحُ أَوْ سُقِيَ بِالدَّوَالِي، أَوِ السَّوَانِي أَوِ الدَّوَالِيبِ أَوِ النَّوَاعِيرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا لَوْ مَدَّ مِنَ النَّهْرِ سَاقِيَةً إِلَى أَرْضِهِ فَإِذَا بَلَغَهَا الْمَاءُ احْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ بِالْغَرْفِ أَوْ بِآلَةٍ. وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنْ يُحْتَاجَ فِي رَفْعِ الْمَاءِ إِلَى وَجْهِ الأَْرْضِ إِلَى آلَةٍ أَوْ عَمَلٍ.

وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ (١) وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْلِيل الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيمَا فِيهِ عَمَلٌ أَنَّ لِلْكُلْفَةِ أَثَرًا فِي تَقْلِيل النَّمَاءِ.

وَلَوِ احْتَاجَتِ الأَْرْضُ إِلَى سَاقٍ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الأَْنْهَارِ أَوِ الأَْمْطَارِ، وَيُحَوِّل الْمَاءَ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، أَوِ احْتَاجَتْ إِلَى عَمَل سَوَاقٍ أَوْ حَفْرِ أَنْهَارٍ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَقْلِيل النِّصَابِ.

_________

(١) حديث: " فيما سقت السماء والعيون. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٤٧ - ط السلفية) من حديث ابن عمر.

وَإِنْ سُقِيَتِ الأَْرْضُ نِصْفَ الْوَقْتِ بِكُلْفَةٍ وَنِصْفَهَا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ فَالزَّكَاةُ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سُقِيَتْ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى اعْتِبَارِ الأَْكْثَرِ، وَيَسْقُطُ حُكْمُ الأَْقَل، وَقِيل: يُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِقِسْطِهِ (١) .

مَا يُطْرَحُ مِنَ الْخَارِجِ قَبْل أَخْذِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ:

١١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ يُؤْخَذُ مِنْ كُل الْخَارِجِ، فَلاَ يُطْرَحُ مِنْهُ الْبَذْرُ الَّذِي بَذَرَهُ وَلاَ أُجْرَةُ الْعُمَّال أَوْ كَرْيُ الأَْنْهَارِ أَوْ أُجْرَةُ الْحَافِظِ وَنَحْوُ ذَلِكَ بَل يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْكُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ، وَلَوْ رُفِعَتِ الْمُؤْنَةُ لَكَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِ الْمِقْدَارِ، وَاسْتَظْهَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ الْوَاجِبَ إِنْ كَانَ جُزْءًا مِنَ الْخَارِجِ فَإِنَّهُ يُجْعَل كَالْهَالِكِ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْبَاقِي (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّرْعِ إِنْ كَانَتْ دَيْنًا يُسْقِطُهَا مَالِكُهُ مِنْهُ قَبْل احْتِسَابِ الْعُشْرِ، قَال أَحْمَدُ: مَنِ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ وَاسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ، احْتَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ دُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ. قَالُوا: وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ، فَالْحَاصِل فِي

_________

(١) المغني ٢ / ٦٩٨، و٦٩٩، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٤٤٩، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٩ - ٥١، وشرح المنهاج ١٨، ١٩.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٥١.

مُقَابَلَتِهِ يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُل، وَهَذَا بِخِلاَفِ سَائِرِ الدُّيُونِ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ مِنَ الْحَاصِل لأَِنَّهُ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (١) .

وَشَبِيهٌ بِمُؤْنَةِ الزَّرْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خَرَاجُ الأَْرْضِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْغَلَّةِ قَبْل احْتِسَابِ الزَّكَاةِ فِيهَا.

وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

مَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ فِعْلُهُ قَبْل إِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ:

١١٧ - يُؤْخَذُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنَ الْغَلَّةِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ فِي الثِّمَارِ وَالتَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ؛ لأَِنَّهُ أَوَانُ الْكَمَال وَحَال الاِدِّخَارِ، وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الثَّمَرَةِ إِلَى حِينِ الإِْخْرَاجِ لاَزِمَةٌ لِرَبِّ الْمَال، لأَِنَّهُ فِي حَقِّ الْغَلَّةِ، كَالْحِفْظِ فِي حَقِّ الْمَاشِيَةِ، وَلاَ يَحِقُّ لِلسَّاعِي أَخْذُهُ رَطْبًا.

وَلَوْ أَخْرَجَ رَبُّ الْمَال الْعُشْرَ رَطْبًا لَمْ يُجْزِئْهُ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ:

مِنْهَا: أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل كَمَالِهَا خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، أَوْ إِلَى قَطْعِ بَعْضِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِثْل ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهَا رَطْبَةً أَنْفَعَ وَأَصْلَحَ.

_________

(١) المغني ٢ / ٧٢٧.

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مِمَّا لاَ يَجِفُّ بَل يُؤْكَل رَطْبًا كَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْفُول وَنَحْوِهَا، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ مَا يُزَكَّى الاِدِّخَارُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُدَّخَرُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.

وَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ: يَجُوزُ أَخْذُ حَقِّ الْفُقَرَاءِ رَطْبًا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا رَبُّ الْمَال فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ قَدْرِ الزَّكَاةِ مِنَ الْجِنْسِ جَافًّا إِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَال.

وَقِيل: يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْعُشْرُ جَافًّا وَلَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عُشْرُ الثَّمَنِ إِنْ بِيعَ وَإِلاَّ فَالْقِيمَةُ.

وَالزَّيْتُونُ عِنْدَ مَنْ قَال تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، إِنْ كَانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي يُعْصَرُ مِنْهُ الزَّيْتُ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ عَصْرِهِ، وَلَوْ كَانَ زَيْتُهُ قَلِيلًا؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُدَّخَرُ فَهُوَ بِمَثَابَةِ التَّجْفِيفِ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ. وَإِنْ كَانَ يُدَّخَرُ حَبًّا، فَيُؤْخَذُ عُشْرُهُ حَبًّا إِذَا بَلَغَ الْحَبُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال مَالِكٌ: إِذَا بَلَغَ الزَّيْتُونُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَ الْخُمُسُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ الْعُشْرُ مِنْهُ حَبًّا عَلَى كُل حَالٍ (٢) .

_________

(١) المغني ٢ / ٧١٢ والشرح الكبير مع الدسوقي ١ / ٤٤٨.

(٢) المغني ٢ / ٧١٣.