الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
زَكَاةُ الْعَسَل وَالْمُنْتَجَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ:
١١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَسَل تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَل مِنْ عَشْرِ قِرْبَاتٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا (١) . وَوَرَدَ أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ الْمُتَعِيَّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي نَحْلًا، قَال: أَدِّ الْعُشْرَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: احْمِهَا لِي. فَحَمَاهَا لَهُ (٢) . وَأَخَذَ عُمَرُ مِنَ الْعَسَل الْعُشْرَ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَسَل لاَ زَكَاةَ فِيهِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَل خَبَرٌ يَثْبُتُ.
ثُمَّ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْرَانِ:
الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ النَّحْل فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجِيَّةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
_________
(١) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رسول الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل ". أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (ص ٥٩٨ - ط نشر دار الفكر) . وأعل بالإرسال كما في التلخيص لابن حجر (٢ / ١٦٨ - ط شركة الطباعة) . ولكن أورد له ما يقويه
(٢) حديث أبي سيارة أنه قال: " قلت: يا رسول الله، إن لي نحلًا ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٨٤ - ط الحلبي) وأعله البوصيري بالانقطاع كما في الزوائد (١ / ٣٢٠ - ط دار الجنان) .
(٣) المغني ٢ / ٧١٤، وابن عابدين ٢ / ٤٩، والأم للشافعي ٢ / ٣٣، ط بولاق ١٣٢١ هـ.
الثَّانِي: إِنْ كَانَ النَّحْل فِي أَرْضِ مَفَازَةٍ أَوْ جَبَلٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ إِلاَّ إِنْ حَفِظَهُ الإِْمَامُ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ زَكَاةَ إِلاَّ إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً (١) .
نِصَابُ الْعَسَل:
(١١٨ م) - قَال الْحَنَابِلَةُ: نِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ (وَالْفَرْقُ مِكْيَالٌ يَسَعُ ١٦ رِطْلًا عِرَاقِيًّا مِنَ الْقَمْحِ) .
وَقِيل: عِنْدَهُمُ النِّصَابُ أَلْفُ رِطْلٍ. وَقَال مُحَمَّدٌ: خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ (٢) .
أَمَّا مَا عَدَا الْعَسَل فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْحَرِيرِ وَدُودَةِ الْقَزِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَأَضَافَ صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَاللَّبَنُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِمَّا لاَ زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا: الْمِسْكَ وَنَحْوَهُ مِنَ الطِّيبِ (٣) .
زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ غَيْرِ النَّبَاتِ:
١١٩ - قَدْ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ غَيْرَ النَّبَاتِ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَعَادِنِ الَّتِي
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٦، والمغني ٢ / ٧١٤.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) كشاف القناع ٢ / ٢٠٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٧، ٧٤، والأم للشافعي ٢ / ٣، والهداية وفتح القدير ٢ / ٦.
تَنْطَبِعُ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالزِّئْبَقِ أَوْ لاَ تَنْطَبِعُ كَالنِّفْطِ وَالْقَارِ وَالْفَحْمِ وَغَيْرِهَا. وَكُل ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا فِي الأَْرْضِ بِفِعْل اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَكُونُ مِمَّا وَضَعَهُ فِيهَا الآْدَمِيُّونَ كَالْكُنُوزِ الَّتِي يَضَعُهَا أَهْلُهَا فِي الأَْرْضِ ثُمَّ يَبِيدُونَ وَتَبْقَى فِيهَا. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ اسْمَ (الرِّكَازِ) شَامِلٌ لِكُل ذَلِكَ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اسْمَ الرِّكَازِ خَاصٌّ بِمَا هُوَ مَرْكُوزٌ فِي الأَْرْضِ خِلْقَةً، وَيُؤْخَذُ الْخُمُسُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رُبُعُ الْعُشْرِ عَلَى اخْتِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُؤْخَذُ أَهُوَ زَكَاةٌ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهَا أَمْ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ (١) .
وَلِمَعْرِفَةِ كُل ذَلِكَ تُنْظَرُ الْمُصْطَلَحَاتُ: (رِكَاز، كَنْز، مَعْدِن) .
زَكَاةُ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْبِحَارِ:
١٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمَرْجَانِ وَنَحْوِهَا لاَ شَيْءَ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خُمُسٍ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَلأَِنَّهُ قَدْ كَانَ
_________
(١) المغني ٣ / ١٧ - ٢٧، وابن عابدين ٢ / ٤٣ - ٤٩، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٦ - ٤٩٢، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ٢٥.
يُسْتَخْرَجُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ عَنْهُ وَلاَ عَنْهُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: فِيهِ الزَّكَاةُ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْخَارِجَ مِنْ مَعْدِنِ الْبَرِّ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال فِي الْعَنْبَرِ: إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمُسِ، وَكَتَبَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي عَنْبَرَةٍ وَجَدَهَا عَلَى سَاحِل الْبَحْرِ فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فَأَشَارُوا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا الْخُمُسَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْعَنْبَرِ الْخُمُسَ. وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلَهُ بِعُمَانَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ السَّمَكِ الزَّكَاةَ إِذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا خَرَجَ مِنَ الْبَحْرِ كَعَنْبَرٍ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ وَلاَ يُخَمَّسُ كَالصَّيْدِ، فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَإِنْ كَانَ لِجَاهِلِيٍّ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَرِكَازٌ، وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلُقَطَةٌ (٢) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ:
١٢١ - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِمَّا أَنْ يُخْرِجَهَا بِإِعْطَائِهَا مُبَاشَرَةً إِلَى الْفُقَرَاءِ وَسَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى الإِْمَامِ لِيَصْرِفَهَا فِي
_________
(١) المغني ٣ / ٢٧، والأموال لأبي عبيد ص٣٤٦، والأم للشافعي ٢ / ٣٣، وفتح القدير ١ / ٥٤٢.
(٢) الشرح الكبير ١ / ٤٩٢.
مَصَارِفِهَا. وَنَذْكُرُ هُنَا الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالإِْخْرَاجِ وَخَاصَّةً الإِْخْرَاجَ الْمُبَاشِرَ إِلَى الْفُقَرَاءِ.
النِّيَّةُ عِنْدَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
١٢٢ - الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِيهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَرُوِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لأَِنَّهَا دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (١) . وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْمَال لِلَّهِ يَكُونُ فَرْضًا وَيَكُونُ نَفْلًا، فَافْتَقَرَتِ الْفَرِيضَةُ إِلَى النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِهَا عَنِ النَّفْل، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلاَةِ.
وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ هُوَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنْ يَقْصِدَ أَنَّهَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِمَا (٢) . وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ النَّاوِي مُكَلَّفًا؛ لأَِنَّهَا فَرِيضَةٌ (٣) .
_________
(١) حديث: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩ - ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٥١٥ - ١٥١٦ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٤، والمغني ٢ / ٦٣٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٥٠٠، وشرح المنهاج ٢ / ٤٣.
(٣) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤١٩.
وَيَنْوِي عِنْدَ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ أَوْ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَوْ قَبْل الدَّفْعِ بِقَلِيلٍ. فَإِنْ نَوَى بَعْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالشَّرْطُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلأَْدَاءِ وَلَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ دَفَعَ بِلاَ نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى وَالْمَال لاَ يَزَال قَائِمًا فِي مِلْكِ الْفَقِيرِ بِخِلاَفِ مَا إِذَا نَوَى بَعْدَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْفَقِيرُ أَوْ بَاعَهُ فَلاَ تُجْزِئُ عَنِ الزَّكَاةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَزَل الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ وَنَوَى عِنْدَ الْعَزْل أَنَّهَا زَكَاةٌ كَفَى ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ الدَّفْعِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ الدَّفْعَ يَتَفَرَّقُ، فَيَتَحَرَّجُ بِاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ عِنْدَ كُل دَفْعٍ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، لِلْحَرَجِ (١) .
وَإِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى وَكِيلِهِ نَاوِيًا أَنَّهَا زَكَاةٌ كَفَى ذَلِكَ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَنْوِيَ الْوَكِيل أَيْضًا عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ أَيْضًا وَلاَ تَكْفِي نِيَّةُ الْوَكِيل وَحْدَهُ (٢) .
وَلَوْ دَفَعَ الإِْنْسَانُ كُل مَالِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ تَطَوُّعًا بَعْدَ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، بَل تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ.
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٥٠٠، وشرح المنهاج ٢ / ٤٣، وابن عابدين ٢ / ١١.
(٢) شرح المنهاج ٢ / ٤٣، وابن عابدين ٢ / ١١، وفتح القدير ١ / ٤٩٣.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ فِي هَذِهِ الْحَال اسْتِحْسَانًا لأَِنَّهُ لَمَّا أَدَّى الْكُل زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَ الْجُزْءِ الْمُؤَدَّى وَسَائِرِ الأَْجْزَاءِ، وَبِأَدَاءِ الْكُل لِلَّهِ تَعَالَى تَحَقَّقَ أَدَاءُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ (١) .
وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَال الْمُخْرَجِ عَنْهُ، لَكِنْ لَوْ عَيَّنَهُ تَعَيَّنَ.
فَلَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَنَوَى عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ سَلاَمَتَهُ جَازَ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاؤُهُ ثُمَّ إِنْ تَبَيَّنَتْ سَلاَمَتُهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ تَلَفُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَصْرِفَ الزَّكَاةَ إِلَى مَالٍ آخَرَ، وَإِنْ نَوَى عَنْ مَالَيِ الْغَائِبِ أَوِ الْحَاضِرِ، فَتَبَيَّنَ تَلَفُ الْغَائِبِ أَجْزَأَتْ عَنِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ نَوَى بِالْمُخْرَجِ أَنْ يَكُونَ زَكَاةَ الْمَال الْمَوْرُوثِ الَّذِي يَشُكُّ فِي مَوْتِ مُورَثِهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، لأَِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ وَالأَْصْل عَدَمُ الْمَوْتِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ آخِذِ الزَّكَاةِ أَنَّهَا زَكَاةٌ (٢) .
النِّيَّةُ عِنْدَ أَخْذِ السُّلْطَانِ الزَّكَاةَ:
١٢٣ - إِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَائِهَا قَهْرًا، وَبِمَنْزِلَةِ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا مَنْ غَيَّبَ مَالَهُ لِئَلاَّ تُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَالأَْسِيرُ، وَمَنْ يَتَعَذَّرُ الْوُصُول إِلَيْهِ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْمُنْتَهَى، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا وَنَوَى عِنْدَ
_________
(١) المغني ٢ / ٦٣٩، وابن عابدين ٢ / ١٢.
(٢) المغني ٢ / ٦٤٠، وشرح المنهاج ٢ / ٤٣.
الأَْخْذَ أَوْ عِنْدَ التَّفْرِيقِ، أَجْزَأَتْ عَنِ الْمُمْتَنِعِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لأَِنَّ تَعَذُّرَ النِّيَّةِ فِي حَقِّهِ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا عَنْهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَالسُّلْطَانُ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَالِكِ.
وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل بِإِجْزَائِهَا، وَظَاهِرُهُ إِجْزَاؤُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَخَذَهَا السُّلْطَانُ أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ سَوَاءٌ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، لأَِنَّ أَخْذَ الإِْمَامِ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَسْمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، لأَِنَّهُ وَكِيل الْفُقَرَاءِ؛ وَلأَِنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلاَيَةً عَامَّةً، وَبِدَلِيل أَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَمَا أَخَذَهَا، أَوْ لأَخَذَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، حَتَّى يَنْفَدَ مَالُهُ.
وَفِي قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَخَذَهَا الإِْمَامُ قَهْرًا أَجْزَأَتْ ظَاهِرًا، فَلاَ يُطَالَبُ بِهَا، وَلاَ تُجْزِئُ بَاطِنًا، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلاَ تُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَأَخْذُ الإِْمَامِ لَهَا يُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا لاَ غَيْرُ (١) .
تَعْجِيل الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ:
١٢٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ، إِلَى أَنَّهُ
_________
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٤٣، والمغني ٢ / ٦٤٠، ٦٤١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٥٠٣.
يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي تَعْجِيل إِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ قَبْل مِيعَادِ وُجُوبِهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي تَعْجِيل صَدَقَتِهِ قَبْل أَنْ تَحِل، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاسِ عَامَ الأَْوَّل لِلْعَامِ (٢) . إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَجُوزُ التَّعْجِيل لِعَامٍ وَاحِدٍ وَلاَ يَجُوزُ لِعَامَيْنِ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الثَّانِي لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهَا.
وَاشْتَرَطُوا لِجَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَوْجُودًا، فَلاَ يَجُوزُ تَعْجِيل الزَّكَاةِ قَبْل وُجُودِ النِّصَابِ، بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النِّصَابَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْحَوْل شَرْطُهَا وَلاَ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ قَبْل سَبَبِهِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ قَبْل شَرْطِهِ، كَإِخْرَاجِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْل الْحِنْثِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْل بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْل الزُّهُوقِ.
وَتَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَالِكًا لِنِصَابٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يُعَجِّل زَكَاةَ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ لأَِنَّ اللاَّحِقَ تَابِعٌ لِلْحَاصِل.
_________
(١) حديث: " أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٤ - ط الحلبي) والحاكم (٣ / ٣٣٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث علي بن أبي طالب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) حديث: " إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٤ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده جهالة الراوي عن علي، ولكن قوى متنه ابن حجر لطرقه كما في فتح الباري (٣ / ٣٣٤ - ط السلفية) .
وَالشَّافِعِيَّةُ أَجَازُوا ذَلِكَ فِي مَال التِّجَارَةِ لأَِنَّ النِّصَابَ فِيهَا عِنْدَهُمْ مُشْتَرَطٌ فِي آخِرِ الْحَوْل فَقَطْ لاَ فِي أَوَّلِهِ وَلاَ فِي أَثْنَائِهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ مَلَكَ نِصَابًا فَقَدَّمَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا قَدْ يَسْتَفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يُجْزِئُهُ عِنْدَهُمْ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قَدَّمَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا قَدْ يَنْتِجُ مِنْهُ، أَوْ يَرْبَحُهُ مِنْهُ، أَجْزَأَهُ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِمَا هُوَ مَالِكُهُ الآْنَ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثِّمَارِ أَوِ الزُّرُوعِ قَبْل الْوُجُوبِ، بِأَنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ. وَكَذَا لاَ تُجْزِئُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ إِنْ قَدَّمَهَا وَكَانَ هُنَاكَ سَاعٍ يَأْتِي لِقَبْضِهَا فَأَخْرَجَهَا قَبْل قُدُومِهِ. أَمَّا زَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا سَاعٍ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا فِي حُدُودِ شَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ أَكْثَرَ، وَهَذَا عَلَى سَبِيل الرُّخْصَةِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ (٢) وَالأَْصْل عَدَمُ الإِْجْزَاءِ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مَوْقُوتَةٌ بِالْحَوْل.
تَأْخِيرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا:
١٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ مَتَى
_________
(١) المغني ٢ / ٦٢٩، ٦٣١، وفتح القدير ١ / ٥١٧، ٥١٨، وشرح المنهاج ٢ / ٤٤، ٤٥.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٥٠١، ٥٠٢، و٤٣١، وبداية المجتهد ١ / ٢٦٦.