الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

لاَ زَكَاةَ فِي شَيْءٍ غَيْرِ هَذِهِ الأَْجْنَاسِ الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّ النَّصَّ بِهَا وَرَدَ؛ وَلأَِنَّهَا غَالِبُ الأَْقْوَاتِ وَلاَ يُسَاوِيهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَفِي كَثْرَةِ نَفْعِهَا شَيْءٌ غَيْرُهَا، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا شَيْءٌ (١) .

وَاحْتَجَّ مَنْ عَدَا أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ (٢) وَعَلَى انْتِفَائِهَا فِي نَحْوِ الرُّمَّانِ وَالتُّفَّاحِ مِنَ الثِّمَارِ بِمَا وَرَدَ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ عَلَى الطَّائِفِ: أَنَّ قِبَلَهُ حِيطَانًا فِيهَا مِنَ الفرسك (الْخَوْخِ) وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ غَلَّةِ الْكُرُومِ أَضْعَافًا فَكَتَبَ يَسْتَأْمِرُ فِي الْعُشْرِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهَا عُشْرٌ، وَقَال: هِيَ مِنَ الْعُفَاةِ كُلِّهَا وَلَيْسَ فِيهَا عُشْرٌ (٣) .

الزَّكَاةُ فِي الزَّيْتُونِ:

٩٩ - تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الزَّيْتُونِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي

_________

(١) المغني ٢ / ٦٩١.

(٢) حديث: " ليس في الخضروات صدقة ". أخرجه الدارقطني (٢ / ٩٦ - دار المحاسن) من حديث أنس بن مالك، وضعف أحد رواته، لكن قال البيهقي في سننه (٤ / ١٢٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) بعد أن ذكر بعض طرقه: " هذه الأحاديث كلها مراسيل، إلا أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضًا ".

(٣) شرح منتهى الإرادات ١ / ٣٨٨، وشرح المنهاج ٢ / ١٦.

الْقَدِيمِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الزَّيْتُونَ فِي أَوَّل الآْيَةِ. وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ ادِّخَارُ غَلَّتِهِ فَأَشْبَهَ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ لأَِنَّهُ لاَ يُدَّخَرُ يَابِسًا، فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ (٢) .

شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ:

١٠٠ - لاَ يُشْتَرَطُ الْحَوْل فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ اتِّفَاقًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) وَلأَِنَّ الْخَارِجَ نَمَاءٌ فِي ذَاتِهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَوْرًا كَالْمَعْدِنِ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ فَإِنَّمَا اشْتُرِطَ فِيهَا الْحَوْل لِيُمْكِنَ فِيهِ الاِسْتِثْمَارُ (٤) .

وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا يَلِي:

الشَّرْطُ الأَْوَّل النِّصَابُ: وَنِصَابُهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ (٥) عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبِهِ قَال صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَا يُوسَقُ، لِمَا فِي حَدِيثِ: لَيْسَ فِيمَا

_________

(١) سورة الأنعام / ١٤١.

(٢) المغني ٢ / ٦٩٤، وشرح المنهاج ٢ / ١٦، والشرح الكبير للدردير ١ / ٤٤٧.

(٣) سورة الأنعام / ١٤١.

(٤) المغني ٦ / ٦٩٦.

(٥) قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل الحمار أو البغل (اللسان) وأوسق البعير ووسقه حمله.

دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلاَ حَبٍّ صَدَقَةٌ (١) وَالْوَسْقُ لُغَةً: حِمْل الْبَعِيرِ، وَهُوَ فِي الْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهِمَا سِتُّونَ صَاعًا (٢) بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ (وَيُنْظَرُ تَحْرِيرُ مِقْدَارِ الصَّاعِ فِي مُصْطَلَحِ: مَقَادِيرُ) فَالنِّصَابُ ثَلاَثُمِائَةِ صَاعٍ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُشْتَرَطُ نِصَابٌ لِزَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ بَل هِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ أَقَل مِنْ نِصْفِ صَاعٍ (٣) .

النِّصَابُ فِيمَا لاَ يُكَال:

١٠١ - ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ مَا لاَ يُوسَقُ فَنِصَابُهُ بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ أَدْنَى نِصَابٍ مِمَّا يُوسَقُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ نِصَابَهُ خَمْسَةُ أَمْثَال مَا يُقَدَّرُ بِهِ، فَفِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ، وَفِي الْعَسَل خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ، وَفِي السُّكَّرِ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ (٤) .

وَفِي النِّصَابِ مَسَائِل:

أ - مَا يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ لِتَكْمِيل النِّصَابِ:

١٠٢ - تُضَمُّ أَنْوَاعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِتَكْمِيل

_________

(١) حديث: " ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة ". تقدم تخريجه ف / ٩٨.

(٢) الصاع مكيال يتسع لما مقداره ٢. ١٧٠ كيلو غراما من القمح ونحوه، فنصاب القمح ونحوه ٦٥٣ كيلو جرامًا (فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي ١ / ٣٧٣) .

(٣) ابن عابدين ٢ / ٤٩.

(٤) ابن عابدين ١ / ٤٩.

النِّصَابِ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا لأَِنَّهَا كُلَّهَا تَمْرٌ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كُل نَوْعٍ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ شَقَّ أُخْرِجَ مِنَ الْوَسَطِ. . وَيُضَمُّ الْجَيِّدُ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ إِلَى الرَّدِيءِ مِنْهُ وَلاَ يُكَمَّل جِنْسٌ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَلاَ يُضَمُّ التَّمْرُ إِلَى الزَّبِيبِ وَلاَ أَيٌّ مِنْهُمَا إِلَى الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ.

إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الأَْشْيَاءِ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ أَوْ أَنْوَاعٌ، كَالْعَلَسِ وَكَانَ قُوتُ صَنْعَاءَ الْيَمَنِ، فَقَدْ قِيل: هُوَ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يُكَمَّل نِصَابًا وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَابْنِ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيل: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ، فَيُضَمُّ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَوْل مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ، وَالْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ أَجْنَاسٌ ثَلاَثَةٌ لاَ يُضَمُّ أَحَدُهَا إِلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَمْحَ جِنْسٌ وَأَنَّ الشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ نَوْعَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.

وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الثَّلاَثَةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ يُكَمَّل النِّصَابُ مِنْهَا جَمِيعًا. بِخِلاَفِ الأُْرْزِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ فَهِيَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَذَلِكَ الْقَطَانِيُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهِيَ سَبْعَةُ أَصْنَافٍ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ تُضَمُّ الْقَطَانِيُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

_________

(١) شرح المنهاج ٢ / ١٧، والمغني ٢ / ٦٩٦، ٧٣١، وشرح المنتهى ١ / ٣٩٠، والشرح الكبير ١ / ٤٥٠، ٤٥٤.

ضَمُّ غَلَّةِ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ:

١٠٣ - لاَ تُضَمُّ ثَمَرَةُ عَامٍ إِلَى ثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ وَلاَ الْحَاصِل مِنَ الْحَبِّ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ فَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، فَأَمَّا الزَّرْعُ فَيُضَمُّ مَا زُرِعَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، كَالذُّرَةِ تُزْرَعُ فِي الرَّبِيعِ وَفِي الْخَرِيفِ، وَأَمَّا الثَّمَرُ إِذَا اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ فَلاَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ لاِخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ وَاخْتِلاَفِ بِلاَدِهِ حَرَارَةً وَبُرُودَةً، وَكَمَا لَوْ أَطْلَعَ النَّخْل فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ فَلاَ يُضَمُّ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: إِنْ أَطْلَعَ الثَّانِي بَعْدَ جِدَادِ الأَْوَّل فَلاَ يُضَمُّ وَإِلاَّ فَيُضَمُّ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِلضَّمِّ أَنْ يُزْرَعَ أَحَدُهَا قَبْل اسْتِحْقَاقِ حَصَادِ الآْخَرِ وَهُوَ وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَبْقَى مِنْ حَبِّ الأَْوَّل إِلَى اسْتِحْقَاقِ حَصَادِ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يُحْصَدْ مَا يَكْمُل بِهِ النِّصَابُ، أَمَّا لَوْ أُكِل الأَْوَّل قَبْل وَقْتِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الثَّانِي، فَلاَ يُضَمُّ الثَّانِي لِلأَْوَّل بَل إِنْ كَانَ الثَّانِي نِصَابًا زُكِّيَ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَكَذَا يُضَمُّ زَرْعٌ ثَانٍ إِلَى أَوَّلٍ، وَثَانٍ إِلَى ثَالِثٍ، إِنْ كَانَ فِيهِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يُخْرِجْ زَكَاةَ الأَْوَّلَيْنِ حَتَّى يَحْصُدَ

_________

(١) شرح المنهاج ٢ / ١٨.

الثَّالِثَ. وَحَيْثُ ضَمَّ أَصْنَافًا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ كُل صِنْفٍ بِحَسَبِهِ.

وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْقَوْل أَنَّ زَرْعَ الْعَامِ الْوَاحِدِ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ إِذَا اتَّفَقَ الْجِنْسُ، وَكَذَا ثَمَرَةُ الْعَامِ، سَوَاءٌ كَانَ الأَْصْل مِمَّا يَحْمِل مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ كَالذُّرَةِ، أَوْ لاَ (١) .

١٠٤ - وَالْمُعْتَبَرُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ اتِّحَادُ الْمَالِكِ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ مُشْتَرَكًا، أَوْ مُخْتَلِطًا فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَا يَمْلِكُهُ الْمُزَكِّي مِنْهُ وَحْدَهُ نِصَابًا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَال الْمُشْتَرَكَ وَالْمُخْتَلِطَ يُزَكَّى زَكَاةَ مَالٍ وَاحِدٍ فَإِنْ بَلَغَ مَجْمُوعُهُ نِصَابًا زُكِّيَ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خُلْطَة) .

وَلاَ تَرِدُ هَذِهِ التَّفْرِيعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّ النِّصَابَ هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ فِي قَلِيل الزُّرُوعِ وَكَثِيرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.

ب - نِصَابُ مَا لَهُ قِشْرٌ، وَمَا يَنْقُصُ كَيْلُهُ بِالْيُبْسِ:

١٠٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الأَْوْسُقُ الْخَمْسَةُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ، وَبَعْدَ الْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ فَلَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ مِنَ الْعِنَبِ لاَ يَجِيءُ مِنْهَا بَعْدَ الْجَفَافِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنَ الزَّبِيبِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا زَكَاةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجَفَافَ هُوَ وَقْتُ وُجُوبِ الإِْخْرَاجِ، فَاعْتُبِرَ

_________

(١) الشرح الكبير ١ / ٤٥٠، والمغني ٢ / ٧٣٣.

النِّصَابُ بِحَال الثِّمَارِ وَقْتَ الْوُجُوبِ.

وَالْمُرَادُ بِتَصْفِيَةِ الْحَبِّ فَصْلُهُ مِنَ التِّبْنِ وَمِنَ الْقِشْرِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل مَعَهُ.

وَهَذَا إِنْ كَانَ الْحَبُّ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ. أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَصْلُحُ ادِّخَارُهُ إِلاَّ فِي قِشْرِهِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل مَعَهُ كَالْعَلَسِ، وَهُوَ حَبٌّ شَبِيهٌ بِالْحِنْطَةِ، وَالأُْرْزِ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ إِذْ يُخَزِّنُونَهُ بِقِشْرِهِ، فَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْقَوْل بِأَنَّ نِصَابَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ اعْتِبَارًا لِقِشْرِهِ الَّذِي ادِّخَارُهُ فِيهِ أَصْلَحُ لَهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُعْتَبَرُ مَا يَكُونُ صَافِيهِ نِصَابًا، وَيُؤْخَذُ الْوَاجِبُ مِنْهُ بِالْقِشْرِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بَل يُحْسَبُ فِي النِّصَابِ قِشْرُ الأُْرْزِ وَالْعَلَسِ الَّذِي يُخَزَّنَانِ بِهِ كَقِشْرِ الشَّعِيرِ فَلَوْ كَانَ الأُْرْزُ مَقْشُورًا أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ فَإِنْ كَانَ بِقِشْرِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ زُكِّيَ، وَإِنْ كَانَ أَقَل فَلاَ زَكَاةَ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْوَاجِبَ مَقْشُورًا أَوْ غَيْرَ مَقْشُورٍ، وَأَمَّا الْقِشْرُ الَّذِي لاَ يُخَزَّنُ الْحَبُّ بِهِ كَقِشْرِ الْفُول الأَْعْلَى فَيَحْتَسِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ مُقَدَّرَ الْجَفَافِ (١) .

وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ وَالثَّمَرِ:

١٠٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ.

_________

(١) شرح المنهاج ٢ / ١٧، والمغني ٢ / ٦٩٨، وشرح المنتهى ١ / ٣٩٣، والشرح الكبير مع الدسوقي ١ / ٤٥٠، ٤٤٧، ٤٤٨.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ عَرَفَةَ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ، وَطِيبِ الثَّمَرِ وَالأَْمْنِ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ، وَالْمُرَادُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ طِيبُهُ وَاسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ السَّقْيِ، وَإِنْ بَقِيَ فِي الأَْرْضِ لِتَمَامِ طِيبِهِ، وَطِيبُ الثَّمَرِ نَحْوُ أَنْ يُزْهِيَ الْبُسْرُ، أَوْ تَظْهَرَ الْحَلاَوَةُ فِي الْعِنَبِ. قَالُوا: لأَِنَّ الْحَبَّ بِاشْتِدَادِهِ يَكُونُ طَعَامًا حَقِيقَةً وَهُوَ قَبْل ذَلِكَ بَقْلٌ، وَالثَّمَرَ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ بَلَحٌ وَحِصْرِمٌ، وَبَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ ثَمَرَةٌ كَامِلَةٌ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْخَرْصِ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا انْعِقَادُ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْخْرَاجُ إِلاَّ بَعْدَ الْيُبْسِ وَالْجَفَافِ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل ابْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالْيُبْسِ وَاسْتِحْقَاقِ الْحَصَادِ.

وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِحَصَادِ الثَّمَرَةِ وَجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَثْبُتُ الْوُجُوبُ بِبُدُوِّ الصَّلاَحِ فِي الثَّمَرِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي الزَّرْعِ، وَيَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِجَعْل الثَّمَرَةِ أَوِ الزَّرْعِ فِي الْجَرِينِ أَوِ الْبَيْدَرِ، فَلَوْ تَلِفَ قَبْل اسْتِقْرَارِ الْحُبُوبِ بِجَائِحَةٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا عَلَى مَا قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عَنْهُ، أَمَّا قَبْل ثُبُوتِ الْوُجُوبِ فَلَوْ بِيعَ النَّخْل أَوِ الأَْرْضُ فَلاَ زَكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، وَلَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْل

الْوُجُوبِ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَرَثَةِ إِنْ بَقِيَ إِلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ وَبَلَغَ نَصِيبُ الْوَارِثِ نِصَابًا، وَكَذَا إِنْ أَوْصَى بِهَا وَمَاتَ قَبْل الْوُجُوبِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَلَوْ أَكَل مِنَ الثَّمَرَةِ قَبْل الْوُجُوبِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ مَا أَكَل، وَلَوْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بِمَا أَكَل فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ فَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ وَإِنْ بَاعَ أَوْ أَوْصَى بِهَا، وَلاَ شَيْءَ عَلَى مَنْ مَلَكَهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ.

وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَى مَنْ حَصَل عَلَى نِصَابٍ مِنْ لِقَاطِ السُّنْبُل أَوْ أُجْرَةِ الْحَصَادِ، أَوْ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْحَبِّ أَوِ الْعَفْصِ وَالأُْشْنَانِ وَنَحْوِهَا لأَِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ (١) .

مَنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ فِي حَال اخْتِلاَفِ مَالِكِ الْغَلَّةِ عَنْ مَالِكِ الأَْرْضِ:

١٠٧ - إِنْ كَانَ مَالِكُ الزَّرْعِ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ هُوَ مَالِكُ الأَْرْضِ، فَالأَْمْرُ وَاضِحٌ، فَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ. أَمَّا إِنْ كَانَ مَالِكُ الزَّرْعِ غَيْرَ مَالِكِ الأَْرْضِ فَلِذَلِكَ صُوَرٌ:

أ - الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ:

١٠٨ - أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي أُقِرَّتْ بِأَيْدِي أَصْحَابِهَا

_________

(١) الشرح الكبير ١ / ٤٥١، ٤٥٤، وشرح المنهاج ٢ / ٢٠، والمغني ٢ / ٧٠٢، ٧١١، وشرح المنتهى ١ / ٣٩٠، ٣٩٢، وابن عابدين ٢ / ٥٣.

عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ وَلَنَا عَلَيْهَا الْخَرَاجُ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ خَرَاجُهَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي غَلَّتِهَا الزَّكَاةُ، فَإِنِ اشْتَرَاهَا مِنَ الذِّمِّيِّ مُسْلِمٌ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ الَّتِي مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ وَحِيزَتْ لِبَيْتِ الْمَال فَهَذِهِ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ بَقِيَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ عَلَى دِينِهِ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ بَاعَهَا لِمُسْلِمٍ؛ لأَِنَّهُ خَرَاجٌ بِمَعْنَى الأُْجْرَةِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل يَجِبُ فِي غَلَّتِهَا إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مُسْلِمًا الزَّكَاةُ أَيْضًا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْخَرَاجَ يُؤَدَّى أَوَّلًا، ثُمَّ يُزَكَّى مَا بَقِيَ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي غَلَّةِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْخَرَاجَ مَئُونَةُ الأَْرْضِ، وَالْعُشْرُ فِيهِ مَعْنَى الْمَئُونَةِ، فَلاَ يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خَرَاج) .

ب - الأَْرْضُ الْمُسْتَعَارَةُ وَالْمُسْتَأْجَرَةُ:

١٠٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ) إِلَى أَنَّ مَنِ اسْتَعَارَ أَرْضًا أَوِ اسْتَأْجَرَهَا فَزَرَعَهَا، فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لأَِنَّ الْغَلَّةَ مِلْكُهُ، وَالْعِبْرَةُ فِي الزَّكَاةِ بِمِلْكِيَّةِ الثَّمَرَةِ لاَ بِمِلْكِيَّةِ الأَْرْضِ أَوِ الشَّجَرِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ

_________

(١) المغني ٢ / ٧٢٦، ٧٢٧، وابن عابدين ٢ / ٤٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٩٥.