الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

زَرْع

التَّعْرِيفُ:

١ - الزَّرْعُ فِي اللُّغَةِ: مَا اسْتُنْبِتَ بِالْبَذْرِ - تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ - وَمِنْهُ يُقَال: حَصَدْتُ الزَّرْعَ أَيِ: النَّبَاتَ، وَالْجَمْعُ: زُرُوعٌ.

قَال بَعْضُهُمْ: وَلاَ يُسَمَّى زَرْعًا إِلاَّ وَهُوَ غَضٌّ طَرِيٌّ.

وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَقِيل: الزَّرْعُ: نَبَاتُ كُل شَيْءٍ يُحْرَثُ، وَقِيل: الزَّرْعُ: طَرْحُ الْبَذْرِ. (١)

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْغَرْسُ:

٢ - الْغَرْسُ مَصْدَرُ غَرَسَ يُقَال: غَرَسْتُ الشَّجَرَةَ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

غَرْسًا فَالشَّجَرُ مَغْرُوسٌ وَغَرْسٌ وَغِرَاسٌ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّرْعِ، أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالشَّجَرِ.

الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالزَّرْعِ:

إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحْيَا بِهِ الأَْرْضُ زَرْعَهَا أَوِ الْغَرْسَ فِيهَا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) (٢ ٢٤٨ - ٢٤٩) .

زَكَاةُ الزُّرُوعِ:

٤ - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الزُّرُوعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة) .

بَيْعُ الزُّرُوعِ:

٥ - إِذَا بَاعَ الأَْرْضَ وَأَطْلَقَ، دَخَل مَا فِيهَا مِنَ الزَّرْعِ سَوَاءٌ اشْتَدَّ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الزَّرْعَ تَابِعٌ وَلَوْ بِيعَ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بَعْدَ اشْتِدَادِهِ لِيَأْمَنَ الْعَاهَةَ.

وَإِذَا بَاعَ الزَّرْعَ لَمْ تُدَخِّل الأَْرْضُ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الأَْرْضِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِيهَا مِنَ الزَّرْعِ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْع) .

بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ:

٦ - الْمُحَاقَلَةُ: هِيَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ مِثْل كَيْلِهَا خَرْصًا.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ بَيْعَ الْمُحَاقَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْع) (٩ ١٣٨، ١٦٨) .

بَيْعُ مَا يَكْمُنُ فِي الأَْرْضِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ مَا يَكْمُنُ فِي الأَْرْضِ مِنَ الزَّرْعِ قَبْل قَلْعِهِ، كَالْبَصَل، وَالثُّومِ، وَنَحْوِهِمَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْجَوَازِ بِشَرْطٍ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (جَهَالَة ٩ ١٧٠ - ١٧١) .

إِتْلاَفُ الزَّرْعِ:

٨ - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ مِنَ الزُّرُوعِ نَهَارًا وَبَيْنَ مَا تُتْلِفُهُ لَيْلًا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإِْتْلاَفَ إِذَا كَانَ لَيْلًا ضَمِنَ صَاحِبُ الدَّوَابِّ؛ لأَِنَّ فِعْلَهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الإِْتْلاَفُ نَهَارًا، وَكَانَتِ الدَّوَابُّ وَحْدَهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ حِفْظُ الزَّرْعِ نَهَارًا مِنْ قِبَل صَاحِبِهِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَى هَذَا فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَف ١ ٢٢٤) .

زَعَامَة

انْظُرْ: إِمَارَة، إِمَامَة، خِلاَفَة، كَفَالَة

زَعْفَرَان

التَّعْرِيفُ:

١ - الزَّعْفَرَانُ نَبَاتٌ بَصَلِيٌّ مُقْمِرٌ مِنَ الْفَصِيلَةِ السَّوْسَنِيَّةِ مِنْهُ أَنْوَاعٌ بَرِّيٌّ وَنَوْعٌ صَيْفِيٌّ طِبِّيٌّ مَشْهُورٌ.

وَزَعْفَرْتُ الثَّوْبَ صَبَغْتُهُ فَهُوَ مُزَعْفَرٌ. (١)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لاِسْتِعْمَال الزَّعْفَرَانِ:

أ - حُكْمُ الْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَهَا طَاهِرٌ كَالزَّعْفَرَانِ:

٢ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي خَالَطَهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنِ الْمَاءِ غَالِبًا مَتَى غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لأَِنَّهُ لاَ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً

_________

(١) لسان العرب مادة: (زعفر) .

فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) . فَالْمَاءُ هُنَا عَلَى إِطْلاَقِهِ، وَأَمَّا الْمُخَالِطُ فَيُضَافُ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي خَالَطَهُ، فَيُقَال مَثَلًا: مَاءُ زَعْفَرَانٍ، أَوْ رَيْحَانٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ مَا لَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرُ عَنْ طَبْخٍ.

أَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالطَّبْخِ مَعَ شَيْءٍ طَاهِرٍ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلاَ التَّطَهُّرُ بِهِ. (٢) (ر: مِيَاه) .

ب - الاِخْتِضَابُ بِالزَّعْفَرَانِ:

٣ - يُسْتَحَبُّ الاِخْتِضَابُ بِالزَّعْفَرَانِ لِحَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَْشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ (٣) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ وَرَفَعَهُ إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ (٤) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْحَدِيثُ

_________

(١) سورة النساء / ٤٣.

(٢) الاختيار ١ / ١٤ ط دار المعرفة، المنتقى ١ / ٥٩ ط دار الكتاب العربي، مغني المحتاج ١ / ١٨ ط دار الفكر، كشاف القناع ١ / ٢٧ ط عالم الكتب.

(٣) حديث: " كان خضابنا مع رسول الله ﷺ الورس والزعفران ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٧٢ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في المجمع (٥ / ١٥٩ - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح خلا بكر بن عيسى وهو ثقة ".

(٤) حديث: " إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤١٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢٣٢ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".

يَدُل عَلَى أَنَّ الْخِضَابَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا بَل يُشَارِكُهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْخِضَابِ فِي أَصْل الْحُسْنِ.

وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى شِيخَةٍ مِنَ الأَْنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَال: يَا مَعْشَرَ الأَْنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْل الْكِتَابِ (١)، وَالصُّفْرَةُ هِيَ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ.

وَاتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى جَوَازِ خَضْبِ رَأْسِ الصَّبِيِّ بِالزَّعْفَرَانِ وَبِالْخَلُوقِ (قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هُوَ طِيبٌ مَائِعٌ فِيهِ صُفْرَةٌ) وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: الْخَلُوقُ طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ. (٢)

وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَال: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَِحَدِنَا غُلاَمٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالإِْسْلاَمِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ (٣)

جـ -

_________

(١) حديث: " يا معشر الأنصار حمروا وصفروا ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٤ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥ / ١٦٠ - ط القدسي) . وقال: " رجاله رجال الصحيح خلا القاسم وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر ".

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٧١، البجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٩١، نهاية المحتاج ٨ / ١٤١، المصباح المنير (مادة: خلق)، فتح الباري ٩ / ٣٣٣.

(٣) حديث بريدة: " كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٦٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٤ / ٢٣٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

تَزَعْفُرُ الرَّجُل:

٤ - الأَْصْل جَوَازُ التَّزَعْفُرِ لِلْمَرْأَةِ. أَمَّا الرَّجُل فَقَدْ نَقَل الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَال: أَنْهَى الرَّجُل الْحَلاَل بِكُل حَالٍ أَنْ يَتَزَعْفَرَ، وَآمُرُهُ إِذَا تَزَعْفَرَ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَأُرَخِّصُ فِي الْمُعَصْفَرِ، لأَِنَّنِي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَحْكِي عَنْهُ إِلاَّ مَا قَال عَلِيٌّ ﵁: نَهَانِي وَلاَ أَقُول نَهَاكُمْ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْمُعَصْفَرِ لِلرِّجَال لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، (٢) مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال: رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهَا (٣) .

وَقَدْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لاَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، لِقَوْل أَنَسٍ ﵁: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال: مَا هَذَا؟ قَال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَال: بَارَكَ اللَّهُ

_________

(١) حديث علي: " نهاني ولا أقول نهاكم ". مقالة الشافعي التي نقلها عنه البيهقي ذكرها ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٠٦ - ط السلفية) . والحديث أخرجه البيهقي (٥ / ٦٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأصله في صحيح مسلم (١ / ٣٤٩ - ط الحلبي) وغيره في المواضع مفرقًا.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٢، المغني ١ / ٥٨٥، شرح الموطأ ٥ / ٢٧٠.

(٣) حديث عبد الله بن عمرو: " إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٧ - ط الحلبي) .

لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. (١) .

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ فِي الْبُيُوتِ وَكَرِهَهُ فِي الْمَحَافِل وَالأَْسْوَاقِ.

وَعَنْ أَنَسٍ قَال: دَخَل رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَلَّمَا كَانَ يُوَاجِهُ أَحَدًا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، فَلَمَّا قَامَ قَال: لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَتْرُكَ هَذِهِ الصُّفْرَةَ (٢) .

وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لُبْسَ هَذَيْنِ لاَ يَعْدُو الْكَرَاهَةَ، فَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لأَمَرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْسِلَهُ وَلَمَا سَكَتَ عَنْ نُصْحِهِ وَإِرْشَادِهِ. هَذَا وَالْكَرَاهَةُ لِمَنْ تَزَعْفَرَ فِي بَدَنِهِ أَشَدُّ مِنَ الْكَرَاهَةِ لِمَنْ تَزَعْفَرَ فِي ثَوْبِهِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُل (٣) . وَلأَِبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ قَال: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي لَيْلًا وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلَقُونِي بِالزَّعْفَرَانِ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْتُ

_________

(١) حديث أنس: " رأى النبي ﷺ على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٢٢١ - ط السلفية) .

(٢) حديث أنس: " لو أمرتم هذا أن يترك الصفرة ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤٠٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأورده ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٠٤ - ط السلفية) وذكر تليينا في أحد رواته.

(٣) حديث أنس: " نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٠٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٦٣ - ط الحلبي) .

عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَلَمْ يُرَحِّبْ بِي. وَقَال: اذْهَبْ فَاغْسِل هَذَا عَنْكَ، ثُمَّ قَال: لاَ تَحْضُرِ الْمَلاَئِكَةُ جِنَازَةَ الْكَافِرِ بِخَيْرٍ، وَلاَ الْمُتَضَمِّخِ بِالزَّعْفَرَانِ، وَلاَ الْجُنُبِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَلْبِسَة)

د - أَكْل الزَّعْفَرَانِ:

٥ - يَحْرُمُ أَكْل كَثِيرِ الزَّعْفَرَانِ لأَِنَّهُ يُزِيل الْعَقْل، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ وَعَدُّوهُ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ الْجَامِدَةِ الَّتِي تَحْرُمُ، وَلاَ حَدَّ فِيهَا، بَل فِيهَا التَّعْزِيرُ.

وَهِيَ طَاهِرَةٌ فِي ذَاتِهَا بِخِلاَفِ الْمَائِعَاتِ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ. (٢)

هـ - أَكْل الزَّعْفَرَانِ فِي الإِْحْرَامِ:

٦ - يُحْظَرُ أَكْل الزَّعْفَرَانِ خَالِصًا أَوْ شُرْبُهُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ.

أَمَّا إِذَا خُلِطَ بِطَعَامٍ قَبْل الطَّبْخِ وَطَبَخَهُ مَعَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ مَطْبُوخٍ بَعْدَ الطَّبْخِ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي أَكْلِهِ.

أَمَّا إِذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَلاَ فِدْيَةَ إِنْ لَمْ تُوجَدْ

_________

(١) حديث عمار قال: " قدمت على أهلي ليلًا. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤٠٢ - ٤٠٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ١٠، الشرقاوي على التحرير ١ / ١١٩.

الرَّائِحَةُ، وَإِلاَّ يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ وُجُودِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ.

وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ غَالِبًا وَجَبَ فِي أَكْلِهِ الدَّمُ سَوَاءٌ ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَوْ لَمْ تَظْهَرْ، كَخَلْطِ الزَّعْفَرَانِ بِالْمِلْحِ.

وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَكُل طَعَامٍ خُلِطَ بَعْدَ الطَّبْخِ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي كُل الصُّوَرِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِنْ خُلِطَ الزَّعْفَرَانُ بِمَشْرُوبٍ، وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ قَلِيلًا كَانَ الطِّيبُ أَوْ كَثِيرًا.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا خُلِطَ الزَّعْفَرَانُ بِغَيْرِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ رِيحٌ أَوْ طَعْمٌ فَلاَ حُرْمَةَ وَلاَ فِدْيَةَ، وَإِلاَّ فَفِيهِ الْحُرْمَةُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. (١)

و حُكْمُ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ مِنَ الثِّيَابِ أَثْنَاءَ الإِْحْرَامِ:

٧ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِيمَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ: وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ (٢) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٩١، حاشية الدسوقي ٢ / ٦١ - ٦٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٢٣، وكشاف القناع ٢ / ٤٢٩ - ٤٣١ - ٤٥٧.

(٢) حديث ابن عمر: " ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٠١ - ط السلفية) .