الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
وَيَلْتَحِقُ بِالثِّيَابِ الْجُلُوسُ عَلَى فِرَاشٍ مُزَعْفَرٍ أَوْ مُطَيَّبٍ بِزَعْفَرَانٍ. وَلاَ يَضَعُ عَلَيْهِ ثَوْبًا مُزَعْفَرًا، وَلَوْ عَلِقَ بِنِعَالِهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ طِيبٌ وَجَبَ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى نَزْعِهِ. (١)
(ر: أَلْبِسَة - ب فِقْرَةُ ١٤ وَإِحْرَام) .
ي - التَّدَاوِي بِالزَّعْفَرَانِ فِي الإِْحْرَامِ:
٨ - التَّدَاوِي مُلْتَحِقَةٌ أَحْكَامُهُ بِالطَّعَامِ، وَقَدْ فَصَّل الأَْحْنَافُ فِي الطِّيبِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل بِأَنَّ عَلَى الْمُتَدَاوِي إِحْدَى الْكَفَّارَاتِ الثَّلاَثِ أَيُّهَا شَاءَ، إِذَا فَعَلَهُ الْمُحْرِمُ لِضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ. (ر: إِحْرَام) .
زَعِيم
انْظُرْ: كَفَالَة، إِمَامَة، إِمَارَة.
زِفَاف
انْظُرْ: عُرْس.
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٨٩ ط دار الكتاب العربي سنة ١٩٧٤، القليوبي وعميرة ٢ / ١٣٣ ط إحياء الكتب العربية، كشاف القناع ٢ / ٤٢٣ - ٤٢٦ ط دار الكتب.
زَكَاة
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّكَاةُ لُغَةً: النَّمَاءُ وَالرِّيعُ وَالزِّيَادَةُ، مِنْ زَكَا يَزْكُو زَكَاةً وَزَكَاءً، وَمِنْهُ قَوْل عَلِيٍّ ﵁: الْعِلْمُ يَزْكُو بِالإِْنْفَاقِ.
وَالزَّكَاةُ أَيْضًا الصَّلاَحُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (١) . قَال الْفَرَّاءُ: أَيْ صَلاَحًا، وَقَال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْل اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (٢) أَيْ مَا صَلُحَ مِنْكُمْ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) أَيْ يُصْلِحُ مَنْ يَشَاءُ. وَقِيل لِمَا يُخْرَجُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي الْمَال " زَكَاةٌ "، لأَِنَّهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَال مِمَّا فِيهِ مِنْ حَقٍّ، وَتَثْمِيرٌ لَهُ، وَإِصْلاَحٌ وَنَمَاءٌ بِالإِْخْلاَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لَلأَْبْدَانِ. (٤)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ عَلَى أَدَاءِ حَقٍّ يَجِبُ
_________
(١) سورة الكهف / ٨١.
(٢) سورة النور / ٢١.
(٣) سورة النور / ٢١.
(٤) لسان العرب.
فِي أَمْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ، عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهِ الْحَوْل وَالنِّصَابُ. وَتُطْلَقُ الزَّكَاةُ أَيْضًا عَلَى الْمَال الْمُخْرَجِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: عَزَل زَكَاةَ مَالِهِ، وَالسَّاعِي يَقْبِضُ الزَّكَاةَ. وَيُقَال: زَكَّى مَالَهُ أَيْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ، وَالْمُزَكِّي: مَنْ يُخْرِجُ عَنْ مَالِهِ الزَّكَاةَ. وَالْمُزَكِّي أَيْضًا: مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ جَمْعِ الزَّكَاةِ. (١)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ الزَّكَاةَ تُطْلَقُ عَلَى الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ، وَالنَّفَقَةِ وَالْحَقِّ، وَالْعَفْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعْرِيفَهَا فِي الشَّرْعِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّدَقَةُ:
٢ - الصَّدَقَةُ: تُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل: مَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الْمَال قَاصِدًا بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَشْمَل مَا كَانَ وَاجِبًا وَهُوَ الزَّكَاةُ، وَمَا كَانَ تَطَوُّعًا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الزَّكَاةِ، أَيْ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ خَاصَّةً، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (٣) .
_________
(١) العناية بهامش فتح القدير ١ / ٤٨١ ط بولاق، والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٣١ نشر عيسى الحلبي بالقاهرة، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٢ القاهرة، عيسى الحلبي.
(٢) فتح الباري ٣ / ٦٢، القاهرة، المكتبة السلفية ١٣٧١ هـ.
(٣) حديث: " ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ". أخرجه البخاري (٣ / ٣٢٣ - ط السلفية) .
وَالْمُصَدِّقُ - بِفَتْحِ الصَّادِ مُخَفَّفَةً - هُوَ السَّاعِي الَّذِي يَأْخُذُ الْحَقَّ الْوَاجِبَ فِي الأَْنْعَامِ، يُقَال: جَاءَ السَّاعِي فَصَدَقَ الْقَوْمَ، أَيْ أَخَذَ مِنْهُمْ زَكَاةَ أَنْعَامِهِمْ.
وَالْمُتَصَدِّقُ وَالْمُصَّدِّقُ - بِتَشْدِيدِ الصَّادِ - هُوَ مُعْطِي الصَّدَقَةِ (١) .
ب - الْعَطِيَّةُ:
٣ - الْعَطِيَّةُ: هِيَ مَا أَعْطَاهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُرِيدُ بِهِ التَّوَدُّدَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الإِْسْلاَمِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ. وَقَدْ دَل عَلَى وُجُوبِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) . وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
_________
(١) لسان العرب مادة: (صدق) .
(٢) سورة النور / ٥٦.
(٣) سورة التوبة / ١١.
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١) . وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ (٢)
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ وَذَكَرَ مِنْهَا إِيتَاءَ الزَّكَاةِ (٣) وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرْسِل السُّعَاةَ لِيَقْبِضُوا الصَّدَقَاتِ، وَأَرْسَل مُعَاذًا إِلَى أَهْل الْيَمَنِ، وَقَال لَهُ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (٤) . وَقَال ﷺ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّل لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُول: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ (٥) .
_________
(١) سورة التوبة / ٣٤ - ٣٥.
(٢) حديث: " ما أديت زكاته فليس بكنز ". أخرجه الحاكم (١ / ٣٩٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) مرفوعًا بلفظ: " إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره " وصححه، وأقره الذهبي، وذكره ابن أبي حاتم في " علل الحديث " (١ / ٢٢٣ - ط السلفية) بلفظ: " ما أدي زكاته فليس كنزًا " وصوب وقفه على جابر بن عبد الله.
(٣) حديث: " بني الإسلام على خمس. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٩ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٥ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٤) حديث: " أعلمهم أن الله افترض عليهم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٦١ - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(٥) حديث: " من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٦٨ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ عَلَى وُجُوبِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قِتَال مَانِعِيهَا.
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَال عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِل النَّاسَ وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (١) .
فَقَال أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال. وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَال عُمَرُ: فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ (٢) .
أَطْوَارُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ:
٥ - إِيتَاءُ الزَّكَاةِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي مِلَل الأَْنْبِيَاءِ
_________
(١) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٦٢ - ط السلفية) .
(٢) فتح القدير ١ / ٤٨١، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٧٢ ط ثالثة، القاهرة، دار المنار ١٣٦٧ هـ، وفتح الباري ٣ / ٢٦٢ القاهرة، المطبعة السلفية ١٣٧١ هـ.
السَّابِقِينَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْل الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (١) .
وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ إِيتَاءُ الصَّدَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ، مُنْذُ الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢) وَبَعْضُ الآْيَاتِ الْمَكِّيَّةِ جَعَلَتْ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَال الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا مَعْلُومًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: اخْتُلِفَ فِي أَوَّل فَرْضِ الزَّكَاةِ فَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَادَّعَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ فَرْضَهَا كَانَ قَبْل الْهِجْرَةِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْل جَعْفَرٍ لِلنَّجَاشِيِّ: وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هَذِهِ الزَّكَاةَ الْمَخْصُوصَةَ ذَاتَ النِّصَابِ وَالْحَوْل.
قَال: وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ إِنَّمَا فُرِضَ
_________
(١) سورة الأنبياء / ٧٣.
(٢) سورة البلد / ١١ - ١٦.
(٣) سورة المعارج / ٢٤ - ٢٥.
بَعْدَ الْهِجْرَةِ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ الدَّالَّةَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ (١) .
فَضْل إِيتَاءِ الزَّكَاةِ:
٦ - يَظْهَرُ فَضْل الزَّكَاةِ مِنْ أَوْجُهٍ:
١ - اقْتِرَانُهَا بِالصَّلاَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَيْثُمَا وَرَدَ الأَْمْرُ بِالصَّلاَةِ اقْتَرَنَ بِهِ الأَْمْرُ بِالزَّكَاةِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) . وَمِنْ هُنَا قَال أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ: وَاَللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.
٢ - أَنَّهَا ثَالِثُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ (٣) .
_________
(١) حديث قيس بن سعد: " أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر " أخرجه النسائي (٥ / ٤٩ - ط المكتبة التجارية) . وصححه ابن حجر في الفتح (٣ / ٢٦٧ - ط السلفية) . وانظر فتح الباري ٣ / ٢٦٦ (ك الزكاة ب١) القاهرة، المكتبة السلفية، ١٣٧٣ هـ، وروضة الطالبين للنووي ١٠ / ٢٠٦ بيروت، المكتب الإسلامي.
(٢) سورة البقرة / ١١٠.
(٣) حديث: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن. . . " تقدم تخريجه ف / ٤.
٣ - أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ فَرِيضَةٌ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ لأَِنَّهَا تَطَوُّعِيَّةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (١) .
أَمَّا فَضْل إِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَيَأْتِي فِي مَبَاحِثِ: (صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) .
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الزَّكَاةِ:
٧ - أ - أَنَّ الصَّدَقَةَ وَإِنْفَاقَ الْمَال فِي سَبِيل اللَّهِ يُطَهِّرَانِ النَّفْسَ مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْل، وَسَيْطَرَةِ حُبِّ الْمَال عَلَى مَشَاعِرِ الإِْنْسَانِ، وَيُزَكِّيهِ بِتَوْلِيدِ مَشَاعِرِ الْمُوَادَّةِ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي إِقَالَةِ الْعَثَرَاتِ، وَدَفْعِ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)، وَفِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ، فَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الصَّدَقَاتِ حَدًّا أَدْنَى أَلْزَمَ الْعِبَادَ بِهِ، وَبَيَّنَ مَقَادِيرَهُ، قَال الدَّهْلَوِيُّ: إِذْ لَوْلاَ التَّقْدِيرُ لَفَرَّطَ الْمُفْرِطُ وَلاَعْتَدَى الْمُعْتَدِي. (٣)
_________
(١) الحديث القدسي: " ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٤١ - ط السلفية) .
(٢) سورة التوبة / ١٠٣.
(٣) حجة الله البالغة ٢ / ٣٩، ٤٠، بيروت، دار المعرفة، بالتصوير عن ط القاهرة.
ب - الزَّكَاةُ تَدْفَعُ أَصْحَابَ الأَْمْوَال الْمَكْنُوزَةِ دَفْعًا إِلَى إِخْرَاجِهَا لِتَشْتَرِكَ فِي زِيَادَةِ الْحَرَكَةِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ. (١)
ج - الزَّكَاةُ تَسُدُّ حَاجَةَ جِهَاتِ الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ وَبِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفَاسِدُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ وَالْخُلُقِيَّةُ النَّاشِئَةُ عَنْ بَقَاءِ هَذِهِ الْحَاجَاتِ دُونَ كِفَايَةٍ.
أَحْكَامُ مَانِعِ الزَّكَاةِ:
إِثْمُ مَانِعِ الزَّكَاةِ:
٨ - مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَدِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا هُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ عُقُوبَتَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَل صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلاَّ
_________
(١) حديث: " ألا من ولي يتيمًا له مال. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ١٤ - ط الحلبي) وضعفه، ولكن أخرج البيهقي (٤ / ١٠٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عمر موقوفًا عليه: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ". وقال: وهذا إسناد صحيح.