الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لأَِنَّهُ شَعْرٌ - رِيشٌ - نَابِتٌ عَلَى جِلْدٍ طَاهِرٍ فَكَانَ كَالْجِلْدِ فِي الطَّهَارَةِ، كَشَعْرِ الْحَيَوَانِ حَال الْحَيَاةِ، وَالأَْوَّل أَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل: فِي (دِبَاغ)، (شَعْر) .

حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى رِيشِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ أَوْ فِي الْحَرَمِ:

٦ - إِنْ نَتَفَ الْمُحْرِمُ رِيشَ الصَّيْدِ أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ مَا نَتَفَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّقْصَ زَال، أَشْبَهَ مَا لَوِ انْدَمَل الْجُرْحُ، فَإِنْ صَارَ الصَّيْدُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِهِ وَنَحْوِهِ فَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ - أَيْ عَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ - وَإِنْ نَتَفَهُ فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ فَعَلَيْهِ نَقْصُهُ (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (حَرَم)، (صَيْد) .

الاِسْتِنْجَاءُ بِالرِّيشِ:

٧ - لاَ يَحْرُمُ الاِسْتِنْجَاءُ بِالرِّيشِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا قَالِعًا، وَلَوِ اسْتَنْجَى بِشَيْءٍ مِنْهُ وَشَكَّ هَل وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ أَوْ لاَ؟ فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الإِْجْزَاءُ (٣) . وَيُنْظَرُ (اسْتِنْجَاء)، (شَعْر) .

_________

(١) المجموع ١ / ٢٣٨

(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٦٧، مطالب أولي النهى ٢ / ٣٧٤

(٣) الشرقاوي ١ / ١٢٧

السَّلَمُ فِي الرِّيشِ:

٨ - يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالرِّيشِ مَا لَمْ يُعَيَّنْ حَيَوَانُهَا (١) .

انْظُرِ التَّفْصِيل فِي: (سَلَم)، (شَعْر)، (صُوف) .

نَتْفُ الرِّيشِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ:

٩ - فِي فَتَاوَى الأَْنْقِرْوِيِّ (نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ فِي الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ): سُئِل عَنِ الدَّجَاجِ إِذَا أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ حَال الْغَلَيَانِ لِيُنْتَفَ رِيشُهُ، قَبْل شَقِّ بَطْنِهِ هَل يَتَنَجَّسُ؟ فَأَجَابَ: يَتَنَجَّسُ، وَلَكِنْ يُغْسَل بِالْمَاءِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَيَطْهُرُ (٢) . وَجَاءَ فِي شَرْحِ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: لَيْسَ مِنَ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِالنَّجَاسَةِ الدَّجَاجُ الْمَذْبُوحُ، يُوضَعُ فِي مَاءٍ حَارٍّ لإِخْرَاجِ رِيشِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْل الْمَذْبَحِ؛ لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَبْخٍ حَتَّى تَدْخُل النَّجَاسَةُ فِي أَعْمَاقِهِ، بَل يُغْسَل وَيُؤْكَل (٣) .

_________

(١) القليوبي ٢ / ٢٥٢، وانظر مطالب أولي النهى ٣ / ٢١٦

(٢) فتاوى الأنقروي ١ / ١٦٨، وانظر فتح القدير لابن الهمام ١ / ١٤٦

(٣) الزرقاني ١ / ٣٢

رِيع

التَّعْرِيفُ:

١ - الرِّيعُ لُغَةً: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَرَيَّعَ: زَكَا وَزَادَ وَيُقَال: أَرَاعَتِ الشَّجَرَةُ: كَثُرَ حَمْلُهَا.

وَيُقَال: أَخْرَجَتِ الأَْرْضُ الْمَرْهُونَةُ رِيعًا، أَيْ غَلَّةً لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ (١) .

وَالْفُقَهَاءُ يُفَسِّرُونَ الرِّيعَ بِالْغَلَّةِ وَيُفَسِّرُونَ الْغَلَّةَ بِالرِّيعِ، وَيَسْتَعْمِلُونَ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَيُعَبِّرُونَ تَارَةً بِالرِّيعِ وَتَارَةً بِالْغَلَّةِ، وَالْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالْفَائِدَةُ وَالدَّخْل الَّذِي يَحْصُل كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَكِرَاءِ الأَْرْضِ وَأُجْرَةِ الدَّابَّةِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الرِّبْحُ:

٢ - الرِّبْحُ نَمَاءُ الْمَال نَتِيجَةَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير والمغرب، والكليات ٢ / ٣٨٩

(٢) ابن عابدين ٣ / ٤٢١، و٥ / ٤٤٤، ومنح الجليل ٤ / ٤١ - ٦٢، والشرح الصغير ٢ / ٣٠٥ ط الحلبي وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٠، ٥٠٦، وكشاف القناع ٤ /

وَالْمُرَابَحَةُ بَيْعُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مَعَ زِيَادَةٍ (١) . أَمَّا الرِّيعُ فَهُوَ مَا يَكُونُ مِمَّا تُخْرِجُهُ الأَْرْضُ مِنْ زَرْعٍ، أَوِ الشَّجَرُ مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ مَا يَكُونُ مِنْ كِرَاءِ الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّيعِ مِنْ أَحْكَامٍ:

٣ - يَتَعَلَّقُ بِالرِّيعِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ وَمِنْ ذَلِكَ:

أَوَّلًا: إِيرَادُ بَعْضِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا أَمْ مَعْدُومًا وَذَلِكَ كَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - الْوَقْفُ:

٤ - الْوَقْفُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْبِيسِ الأَْصْل وَالتَّصَدُّقِ بِالرِّيعِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُبْتَاعُ، وَلاَ يُورَثُ، وَلاَ يُوهَبُ. قَال: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيل،

_________

(١) لسان العرب والكليات ١ / ٤١٦، والمهذب ١ / ٣٥٣

وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ (١) . وَإِذَا لَزِمَ الْوَقْفُ أَصْبَحَ رِيعُهُ - إِنْ كَانَ لَهُ رِيعٌ - مِنْ حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَمِلْكًا لَهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مُعَيَّنِينَ، أَمْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (٢) . وَيُتَّبَعُ فِي صَرْفِ الرِّيعِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ شَرْطُ الْوَاقِفِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْف) .

اشْتِرَاطُ الْوَاقِفِ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ الْغَلَّةَ أَوْ بَعْضَهَا لِنَفْسِهِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي حَبْسَ الْعَيْنِ وَتَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ، وَالْعَيْنُ مَحْبُوسَةٌ وَمَنْفَعَتُهَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ مَعْنًى.

وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ

_________

(١) حديث: " إن شئت حبست أصلها. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٥٥ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٥٥ - ط الحلبي) . واللفظ لمسلم

(٢) الاختيار ٣ / ٤١، منح الجليل ٤ / ٣٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٦، ٣٨٩ - ٣٩٠، والمهذب ١ / ٤٥٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٨٩، ٤٩٠، والمغني ٥ / ٥٩٨.

ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَجَرٍ الْمَدَرِيِّ أَنَّ فِي صَدَقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُل مِنْهَا أَهْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ (١)، وَلاَ يَحِل ذَلِكَ إِلاَّ بِالشَّرْطِ فَدَل ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ؛ وَلأَِنَّ الْوَقْفَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَلأَِنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا وَقَفَ قَال: وَلاَ بَأْسَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَكَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلأَِنَّهُ إِذَا وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا كَالْمَسَاجِدِ وَالسِّقَايَاتِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْمَقَابِرِ كَانَ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا (٢) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْف) .

هَل يُزَكَّى رِيعُ الْوَقْفِ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ زَكَاتُهُ؟

٦ - غَلَّةُ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَثِمَارُ الْبَسَاتِينِ، إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَحَصَل لِبَعْضِهِمْ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوِ الْحَبِّ نِصَابٌ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، لأَِنَّهُ اسْتَغَل مِنْ أَرْضِ الْوَقْفِ أَوْ شَجَرِهِ نِصَابًا فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ كَغَيْرِ الْوَقْفِ، وَالْمِلْكُ فِيهَا تَامٌّ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا

_________

(١) حديث حجر المدري رواه الأثرم كما في المغني لابن قدامة (٥ / ٦٠٤ - ٦٠٥ - ط الرياض) وهو مرسل، لأن حجرا المدري تابعي

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٨٧، والهداية ٣ / ١٧ - ١٨، والزيلعي ٣ / ٣٢٨، ومنح الجليل ٤ / ٤٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٦، والمهذب ١ / ٤٤٨، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٩٤، والمغني ٥ / ٦٠٤ - ٦٠٥.

بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ وَتُورَثُ عَنْهُ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمَكْحُولٍ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الأَْرْضَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ فِي الْخَارِجِ مِنْهَا كَالْمَسَاكِينِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْدِيمَ الْعُشْرِ أَوِ الْخَرَاجِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ، وَجَعَل لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْفَاضِل، عُمِل بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ كَانَ كُل الأَْجْرِ لَهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَيَفُوتُ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ شَيْئًا كَانَ الْعُشُرُ أَوِ الْخَرَاجُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (١) .

وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَلاَ فِيمَا يَحْصُل فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ، سَوَاءٌ حَصَل فِي يَدِ بَعْضِهِمْ نِصَابٌ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ أَوْ لَمْ يَحْصُل؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لاَ يَتَعَيَّنُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِدَلِيل أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ حِرْمَانُهُ وَالدَّفْعُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ لِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَلَّتِهِ مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ كَاَلَّذِي يُدْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٤٠٠، ٢ / ٤٩، ومنح الجليل ٤ / ٧٧، والمجموع ٥ / ٢٩٢، ٤٥٧، والمغني ٥ / ٦٣٩

نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ لِلأَْرْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعُشْرِ وَالثِّمَارِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُخْرَجُ أَوَّلًا بِمَعْرِفَةِ مَنْ يَلِي الْوَقْفَ، ثُمَّ يُفَرَّقُ الْبَاقِي عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِالاِجْتِهَادِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ (١) .

وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَاشِيَةً لِتَفْرِقَةِ لَبَنِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوْ نَسْلِهَا، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ. وَلاَ زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ فَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَقْف) .

ب - الْوَصِيَّةُ:

٧ - تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِغَلَّةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالأَْرْضِ وَالشَّجَرِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَسَوَاءٌ أَوْصَى

_________

(١) العناية بهامش فتح القدير ٢ / ٢٤٣، والبدائع ٢ / ٦١، ومنح الجليل ٤ / ٧٧، والمجموع شرح المهذب ٥ / ٢٩٢، ٤٥٧، والمغني ٥ / ٦٣٩

(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ١ / ٢٢٩ ط الحلبي، والمجموع ٥ / ٢٩٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٩

بِذَلِكَ مَعَ الرَّقَبَةِ أَوْ أَوْصَى بِالْغَلَّةِ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَلَّةُ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، أَوْ كَانَتْ مَعْدُومَةً كَالْوَصِيَّةِ بِمَا تَحْمِل الشَّجَرَةُ مِنْ ثِمَارٍ، لأَِنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالإِْجَارَةِ وَالْوَقْفِ، فَكَذَا يَجُوزُ بِالْوَصِيَّةِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّة) .

ج - الْمُسَاقَاةُ:

٨ - الْمُسَاقَاةُ هِيَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُل شَجَرَهُ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ وَعَمَل سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ.

وَالأَْصْل فِي جَوَازِهَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: عَامَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (٢) .

وَأَجَازَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ اسْتِدْلاَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يُجِزْهَا، وَاسْتَدَل بِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَال: وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِل بِالأَْرْضِ فَنُكْرِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى. وَأَمَرَ رَبَّ الأَْرْضِ أَنْ

_________

(١) الهداية ٤ / ٢٥٤ - ٢٥٥ وجواهر الإكليل ٢ / ٣١٧ ومغني المحتاج ٣ / ٤٥، والمغني ٦ / ٥٩.

(٢) حديث: " عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٠ - ط السلفية) .

يَزْرَعَهَا أَوْ يُزْرِعَهَا وَكَرِهَ كِرَاءَهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ.

وَفِي رِوَايَةٍ لأَِبِي دَاوُدَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلاَ يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلاَ بِرُبُعٍ، وَلاَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى (١) .

وَهَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الإِْبَاحَةِ وَيَعْمَلُونَهُ فَاقْتَضَى نَسْخَهُ؛ لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ؛ وَلأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَحْصُل مِنْ عَمَلِهِ فَلاَ يَجُوزُ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ.

لَكِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مُسَاقَاة)

د - الْمُزَارَعَةُ:

٩ - الْمُزَارَعَةُ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالاِسْتِدْلاَل فِيهَا كَالاِسْتِدْلاَل فِي الْمُسَاقَاةِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (مُزَارَعَة) .

ضَمَانُ الرِّيعِ:

١٠ - يَظْهَرُ ضَمَانُ الرِّيعِ فِي حَالَةِ الْغَصْبِ، وَهُوَ

_________

(١) حديث رافع بن خديج أخرجه مسلم (٣ / ١١٨١ - ط الحلبي)، وأخرج الرواية الأخرى أبو داود (٣ / ٦٨٩ - تحقيق عزت عبيد الدعاس) .

(٢) الاختيار ٣ / ٧٤، والهداية ٤ / ٥٣، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٢، والمغني ٥ / ٤١٦.