الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

دُبُرِ الإِْنْسَانِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ (١) .

وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْضِهِ إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُل الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُل.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ قُبُل الْمَرْأَةِ أَوْ ذَكَرِ الرَّجُل نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَ مِنَ الْقُبُل أَوِ الذَّكَرِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ، لأَِنَّهَا لاَ تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَل النَّجَاسَةِ فَهُوَ كَالْجُشَاءِ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (حَدَث) .

الاِسْتِنْجَاءُ مِنَ الرِّيحِ:

٤ - الرِّيحُ الْخَارِجَةُ مِنَ الدُّبُرِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، فَلاَ يُسْتَنْجَى مِنْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنِ اسْتَنْجَى مِنَ الرِّيحِ فَلَيْسَ مِنَّا (٣) وَقَال أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرِّيحِ

_________

(١) حديث: " لا وضوء إلا من صوت أو ريح ". أخرجه الترمذي (١ / ١٠٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن صحيح "

(٢) أسنى المطالب ١ / ٥٤، وفتح القدير ١ / ٣٣، ٤٧ - ٤٨، وبدائع الصنائع ١ / ٢٥، وابن عابدين ١ / ٩٢، ومواهب الجليل ١ / ٢٩١، وكشاف القناع ١ / ١٢٣، والمغني ١ / ١٦٩، وحاشية الدسوقي ١ / ١١٨

(٣) حديث: " من استنجى من الريح فليس منا ". أخرجه ابن عدي في الكامل (٤ / ١٣٥٢ - ط دار الفكر) من حديث جابر بن عبد الله، واستنكره ابن عدي

اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلاَ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ فَلاَ تُنَجِّسُ سَرَاوِيلَهُ الْمُبْتَلَّةَ إِذَا خَرَجَتْ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي (اسْتِنْجَاء) .

وُجُوبُ إِزَالَةِ رِيحِ النَّجَاسَةِ:

٥ - يَجِبُ إِزَالَةُ رِيحِ النَّجَاسَةِ عِنْدَ تَطْهِيرِ الشَّيْءِ الْمُتَنَجِّسِ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَة) .

إِخْرَاجُ الرِّيحِ فِي الْمَسْجِدِ:

٦ - يُكْرَهُ إِخْرَاجُ الرِّيحِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ لِحَدِيثِ: إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ (٢) . وَيَخْرُجُ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، كَمَا يُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَكَل شَيْئًا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْبَصَل النِّيءِ وَنَحْوِهِ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِزَالَةُ رِيحِهَا، وَمِثْل ذَلِكَ مَنْ لَهُ صُنَانٌ، أَوْ بَخْرٌ (٣)، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَكَل مِنْ هَذِهِ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٧٠، ابن عدي ١ / ٩٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٢.

(٢) حديث: " إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ". أخرجه مسلم (١ / ٩٥ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله

(٣) كشاف القناع ٣ / ٣٦٥، أسنى المطالب ١ / ٢١٥، جواهر الإكليل ١ / ٢٠٣.

الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا (١) .

ثُبُوتُ حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِفَوْحِ رِيحِهَا مِنْ فَمِهِ:

٧ - لاَ يَثْبُتُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِوُجُودِ رِيحِهَا فِي فَمِهِ لاِحْتِمَال أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَاءً فَلَمَّا ذَاقَهَا مَجَّهَا، أَوْ أَنَّهُ تَنَاوَل شَيْئًا آخَرَ تُشْبِهُ رِيحُهُ رِيحَ الْخَمْرِ، وَالاِحْتِمَال شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ لِقَوْلِهِ ﷺ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (٢)، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَثْبُتُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِوُجُودِ الرِّيحِ، وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّ الرِّيحَ تَدُل عَلَى شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ فَأُجْرِيَ مَجْرَى الإِْقْرَارِ، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ جَلَدَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ (٤) .

وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سُكْر) .

الْبَوْل فِي مَهَبِّ الرِّيحِ:

٨ - يُكْرَهُ التَّبَوُّل وَالتَّغَوُّطُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ؛ لِئَلاَّ

_________

(١) حديث: " من أكل من هذه الشجرة ". أخرجه مسلم (١ / ٣٩٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة

(٢) حديث: " ادرءوا الحدود بالشبهات ". أخرجه ابن السمعاني كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٣٠ - ط السعادة) ونقل عن ابن حجر أنه قال: في سنده من لا يعرف

(٣) أسنى المطالب ٤ / ١٥٩، المغني ٨ / ٣١٧، ابن عابدين ٣ / ١٦٤

(٤) شرح الزرقاني ٨ / ١١٣، ومواهب الجليل ٦ / ٣١٧، والمغني ٨ / ٣٠٩

يُصِيبَهُ رَشَاشُ النَّجَاسَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ عِنْدَ إِخْرَاجِ الرِّيحِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الرِّيحِ (١) .

التَّخَلُّفُ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِشِدَّةِ الرِّيحِ:

٩ - يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ لاِشْتِدَادِ الرِّيحِ، وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ لِلْمَشَقَّةِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَذَاتِ الرِّيحِ (٢): أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَال (٣) .

وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .

_________

(١) أسنى المطالب ١ / ٤٧ - ٤٩، وكشاف القناع ١ / ٦٠ - ٦١، وشرح الزرقاني ١ / ٧٩، ٨٠، نهاية المحتاج ١ / ١٢٥

(٢) أسنى المطالب ١ / ٢١٣، روضة الطالبين ١ / ٣٤٥، مواهب الجليل ٢ / ١٨٤

(٣) حديث: " ألا صلوا في الرحال ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٥٧ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٨٤ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر

رِيش

التَّعْرِيفُ:

١ - الرِّيشُ لُغَةً: كِسْوَةُ الطَّائِرِ، وَالْوَاحِدَةُ رِيشَةٌ، وَهُوَ يُقَابِل الشَّعْرَ فِي الإِْنْسَانِ وَنَحْوِهِ، وَالصُّوفَ لِلْغَنَمِ، وَالْوَبَرَ لِلإِْبِل، وَالْحَرَاشِفَ لِلزَّوَاحِفِ، وَالْقُشُورَ لِلأَْسْمَاكِ، وَالرِّيشُ أَيْضًا اللِّبَاسُ الْفَاخِرُ، وَالأَْثَاثُ، وَالْمَال، وَالْخِصْبُ، وَالْحَالَةُ الْجَمِيلَةُ. وَجَمْعُهُ أَرْيَاشٌ وَرِيَاشٌ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْكَلِمَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ:

٢ - الشَّعْرُ: مَا يَنْبُتُ عَلَى الْجِسْمِ مِمَّا لَيْسَ بِصُوفٍ وَلاَ وَبَرٍ لِلإِْنْسَانِ وَغَيْرِهِ.

وَالشَّعْرُ يُقَابِلُهُ الرِّيشُ فِي الطُّيُورِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ.

_________

(١) المفردات، المعجم الوسيط مادة: (ريش) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرِّيشِ:

أ - طَهَارَةُ الرِّيشِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّيشَ يُوَافِقُ الشَّعْرَ فِي أَحْكَامِهِ، وَمَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى طَهَارَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأْكُول حَال حَيَاتِهِ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالطَّيْرِ، أَمَّا إِذَا نُتِفَ أَوْ تَسَاقَطَ فَيَرَى الْجُمْهُورُ - أَيْضًا - طَهَارَتَهُ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الطَّاهِرَ مِنْهُ هُوَ الزَّغَبُ، وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِقَصَبِ الرِّيشِ، أَمَّا الْقَصَبُ فَنَجِسٌ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الرِّيشَ الْمُتَسَاقِطَ وَالْمَنْتُوفَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ (١) وَدَلِيل الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٢) وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا، وَلَوْ قُصِرَ الاِنْتِفَاعُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَى الْمُذَكَّى لَضَاعَ مُعْظَمُ الشُّعُورِ وَالأَْصْوَافِ، قَال بَعْضُهُمْ: وَهَذَا. أَحَدُ مَوْضِعَيْنِ خُصِّصَتِ السُّنَّةُ فِيهِمَا بِالْكِتَابِ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﷺ: مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ. خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ . الآْيَةَ.

وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - فِي الْجُمْلَةِ - طَهَارَةُ

_________

(١) حديث: " ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة ". أخرجه الترمذي (٤ / ٧٤ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب

(٢) سورة النحل / ٨٠

رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأْكُول إِذَا مَاتَ (١) .

وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ: قَال صَاحِبُ الاِخْتِيَارِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ، لأَِنَّ الْحَيَاةَ لاَ يُحِلُّهُمَا، حَتَّى لاَ يَتَأَلَّمَ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِمَا، فَلاَ يُحِلُّهُمَا الْمَوْتُ، وَهُوَ الْمُنَجِّسُ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْحَافِرُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْقَرْنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ وَالسِّنُّ وَالْمِنْقَارُ وَالْمِخْلَبُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمَأْخُوذِ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: ﵂ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَحْمُهَا (٣) فَدَل عَلَى أَنَّ مَا عَدَا اللَّحْمَ لاَ يَحْرُمُ، فَدَخَلَتِ الأَْجْزَاءُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ صَرِيحَةٌ؛ وَلأَِنَّ الْمَعْهُودَ فِيهَا قَبْل الْمَوْتِ الطَّهَارَةُ فَكَذَا بَعْدَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُحِلُّهَا (٤) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٣٨، الاختيار ١ / ١٦، الروضة ١ / ١٥، شرح روض الطالب ١ / ١١، الشرح الصغير ١ / ٤٤، ٤٩، شرح منح الجليل ١ / ٢٦، ٢٩، جواهر الإكليل ١ / ٨، ٩، كشاف القناع ١ / ٥٦، المغني ١ / ٨٠، ٨١، مطالب أولي النهى ١ / ٦١

(٢) الاختيار ١ / ١٦، والبدائع ١ / ٦٣

(٣) حديث: " إنما حرم أكلها. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤١٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٧٦ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، ورواية " لحمها " أخرجها الدارقطني (١ / ٤٣ - ط دار المحاسن) وصححها

(٤) ابن عابدين ١ / ١٣٧

وَقَيَّدَهَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: بِأَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الدُّسُومَةِ (١) .

وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِرِيشِ الْمَيْتَةِ كَمَذْهَبِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيشِ الْمَنْتُوفِ وَالْمُنْفَصِل، وَهُوَ أَنَّ الزَّغَبَ طَاهِرٌ دُونَ الْقَصَبِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِجَزِّ الزَّغَبِ وَلَوْ بَعْدَ نَتْفِ الرِّيشِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ بَعْدَ جَزِّهِ (٢) .

وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ الْجُمْهُورَ فِي طَهَارَةِ رِيشِ الْمَيْتَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ أُصُول الرِّيشِ إِذَا نُتِفَ سَوَاءٌ أَكَانَ رَطْبًا أَمْ يَابِسًا؛ لأَِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، أَشْبَهَ سَائِرَهَا؛ وَلأَِنَّ أُصُول الشَّعْرِ وَالرِّيشِ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، لَمْ يَسْتَكْمِل شَعْرًا وَلاَ رِيشًا (٣) .

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ أَصْل الرِّيشِ إِذَا كَانَ رَطْبًا، وَنُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لأَِنَّهُ رَطْبٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، وَهَل يَكُونُ طَاهِرًا بَعْدَ غَسْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ كَرُءُوسِ الشَّعْرِ إِذَا تَنَجَّسَ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ لأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ لَمْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٣٨

(٢) الخرشي ١ / ٨٣

(٣) كشاف القناع ١ / ٥٧

يَسْتَكْمِل شَعْرًا وَلاَ رِيشًا (١)، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَبَقَ.

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ - فِي الصَّحِيحِ - أَنَّ رِيشَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، لأَِنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَال خِلْقَةٍ فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَالأَْعْضَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وَهَذَا عَامٌّ يَشْمَل الشَّعْرَ وَالرِّيشَ وَغَيْرَهُمَا.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الرِّيشَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْل، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: لاَ بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلاَ بَأْسَ بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا وَقُرُونِهَا إِذَا غُسِل بِالْمَاءِ (٣) .

أَمَّا الطَّيْرُ غَيْرُ الْمَأْكُول فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي رِيشِهِ كَمَذْهَبِهِمْ فِي رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأْكُول أَنَّهُ طَاهِرٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى نَجَاسَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمَأْكُول، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ لَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ.

قَال فِي الْمُغْنِي: وَكُل حَيَوَانٍ فَشَعْرُهُ - أَيْ وَرِيشُهُ - مِثْل بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ

_________

(١) المغني ١ / ٨٠

(٢) سورة المائدة / ٣

(٣) حديث: " لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء ". أخرجه الدارقطني (١ / ٤٧ - ط دار المحاسن) وقال: يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره

وَرِيشُهُ طَاهِرٌ، وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ - رِيشُهُ - كَذَلِكَ، وَلاَ فَرْقَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا لِمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ مِنْهَا، كَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ، فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، لأَِنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعَارِضٍ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَقَدِ انْتَفَتِ الْحَاجَةُ، فَتَنْتَفِي الطَّهَارَةُ.

وَالثَّانِي: هِيَ طَاهِرَةٌ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتُ لاَ يَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا، فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ (١) .

حُكْمُ الرِّيشِ عَلَى عُضْوٍ مُبَانٍ مِنْ حَيٍّ:

٤ - قَال الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ جَنَاحُ طَائِرٍ مَأْكُولٍ فِي حَيَاتِهِ فَمَا عَلَيْهِ مِنَ الرِّيشِ نَجِسٌ تَبَعًا لِمَيْتَتِهِ (٢) . وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي: (شَعْر)

. حُكْمُ الرِّيشِ عَلَى الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ:

٥ - إِذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ (أَوْ رِيش) قَال فِي الأُْمِّ: لاَ يَطْهُرُ لأَِنَّ الدِّبَاغَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي تَطْهِيرِهِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ عَنِ

_________

(١) المغني ١ / ٨١، وانظر: كشاف القناع ١ / ٥٧، ابن عابدين ١ / ١٣٨، الاختيار ١ / ١٦، الخرشي ١ / ٨٣، الإقناع للخطيب ٢ / ٢٣٣، المجموع ٢ / ٥٤٧

(٢) المجموع ١ / ٢٤١